الكويت دولة مدنية أم أصولية؟!

  • 09-04-2018

نستذكر دوماً أولئك الذين خطّوا دستور الكويت، ونتذكَّر تلك المناقشات التي دارت، والاختلافات حول بعض مواده، والتي عكست بُعد النظر وعُمق الرؤية للمستقبل، ومن أهم المحطات في تلك المناقشات، كان الحوار الدائر حول المادة الثانية من الدستور، وكان الاختلاف بين فريقين؛ فريق يرى ضرورة نصها على أن تكون الشريعة الإسلامية "مصدراً أساسياً" للتشريع، وفريق يريد أن تكون الشريعة "المصدر الأساسي" للتشريع.

وفي منتصف سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي حاولت قوى وتيارات دينية إحياء هذا الاختلاف، من خلال محاولات إقرار تعديل هذه المادة بحيث تنص على أن "الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع"، ولم تنجح تلك المحاولات، للوعي السياسي النامي في البلاد، وللدور الذي لعبته قوى المجتمع المدني مع بعض النواب، وكان الكلُّ مدركاً لما تعنيه "ال" التعريفية في الفرق بين الصياغتين.

ومنذ إقرار الدستور والعمل به، أصبحنا في مجتمع مدني يحكمه القانون، النابع من رحم الدستور، وليس من خارجه، أو مفروضاً عليه.

نستذكر هؤلاء المؤسسين كلما مرَّ أمامنا مشهد من المشاهد السياسية التي تحاول فيها بعض التيارات الدينية أو الجماعات الأصولية التدخل في حريات الأفراد والمؤسسات، من خلال ما تستطيعه؛ تارةً عبر محاولات لإقرار تشريعات لا تتماشى مع مواد الدستور أو معانيه، بل تتعارض مع الحريات التي أقرَّها، وطوراً بترهيب الحكومة وتهديدها، ومساومتها سياسياً دون قانون أو تشريع دستوري، إذا لم تنجح في مسعاها الأول.

آخر تلك المقاطع الهزلية من المشهد السياسي هو تراجع الحكومة، من خلال وزارة أوقافها، عن قرار أصدرته يوم الأربعاء، ينص على عدم السماح لجماعة التبليغ بدخول المساجد دون إذن سابق، وكان التراجع يوم الخميس، نتيجة لضغوطات واجهها مسؤولو الوزارة والوزير نفسه.

أين القوانين والدستور؟ وأين هيبة الحكومة وكرامتها، ومدنيتها؟ وكيف يثق الناس بحكومة تُصدر قراراً يوم الأربعاء وتتراجع عنه في اليوم الثاني، لا لمثالب أو أخطاء دستورية أو قانونية، لكن ترضيةً لضغوط نيابية، أو مداراة لجماعات أصولية؟

ماذا خلقت هذه الجماعات الأصولية؟ وماذا قدَّم أغلبها للمجتمع غير غرس الفكر الأصولي المتطرف، والعمل على بثه بين الشباب، وبذل الجهود، بأشكالها وطرقها المختلفة، لتمويل هذا الفكر ومساعدته لتحقيق أهدافه؟

كيف يمكن للحكومة أن تبرر مثل هذا التراجع، لاسيما أن هذه ليست المرة الأولى التي يتخلل فيها المشهد السياسي مثل تلك المقاطع الهزلية؟ أين ذلك القسم الذي أقسمه أعضاؤها بالحفاظ على الدستور والذود عن حريات الناس أم أنه كان مجرد قَسم بروتوكولي ينتهي مفعوله بعد ترديد ألفاظه؟

إذا كانت الحكومة لا تدري أنها بمثل تلك التصرفات تقيد حريات الناس وتكبل آمالهم وأحلامهم بمستقبل منفتح على العالم، وسط ما يموج به المحيط الإقليمي من غليان التشدد، فتلك مصيبة، أما إذا كانت تدري وتعلم ومع ذلك تتصرف على هذا النحو، فالمصيبة أعظم.

وفي هذا المقام، نستذكر جيل المؤسسين الذي حرص على فصل السلطات مع تعاونها وعدم خضوع أو سطوة أي منها على الأخرى.

الجريدة