المثالب الدستورية في «تعارض المصالح» (2)

تناولت في الحلقة الأولى من هذه الدراسة، التي نشرت أمس على صحفات "الجريدة"، بعض المثالب الدستورية التي شابت قانون حظر تعارض المصالح، ومنها خضوع نواب الأمة لهذا القانون.

وأضفت إلى ذلك أن الوزراء لا يخضعون لأحكام هذا القانون، وقد اختصهم الدستور في المادة (131) بالحظر المفروض عليهم منها، وأباح لهم من الحالات ما يجعلهم في حالات تعارض مصالح بموجب هذا القانون، إلا أنه لا يسري عليهم باعتباره يتضمن أحكاما عامة، يقيدها النص الخاص الوارد في الدستور، الذي هو أسمى مرتبة من القانون، ولا يجوز تنقيحه إلا بالإجراءات والأوضاع التي قررتها المادة 174 من الدستور.

وبينت في الحلقة الأولى من هذه الدراسة أنه ولئن كان الدستور قد اختص أيضاً النواب بحظر فرضته عليهم المادة 121، مع بعض الاستثناءات التي أباحتها هذه المادة للنواب لانتفاء مظنة الانحراف فيها، فسيجد نواب الأمة أنفسهم في حالة تعارض مصالح لم يوجب عليهم قانون حظر التعارض الإفصاح عنها، وإزالة حالة التعارض أو اعتزال النيابة عن الأمة إذا لم يتم ذلك، وإنهم لا يملكون لهذا الأمر دفعا.

نص قانون الحظر على خضوع النواب لأحكامه بنص صريح لا فكاك منه وهو اعتبارهم في حكم الموظف العام في تطبيق أحكامه بالإحالة إلى المادة (43) من قانون 31 لسنة 1970، وهو قانون عقابي يسري على جميع المواطنين، ولو كانوا وزراء أو نوابا، إلا أن فصلا من فصول هذا القانون وهو الخاص بالرشوة واستغلال النفوذ، اقترنت الأفعال التي يجرمها هذا الفصل بارتكاب الموظف العام لها، فكان حريا بالمشرع في هذا القانون أن يضفي صفة الموظف العام على أعضاء المجالس النيابية وغيرهم بالمادة 43 سالفة الذكر، ولم يكن المشرع في حاجة إلى النص على الوزراء في هذه المادة لأنهم يخضعون لأحكام هذا الفصل باعتبار الوزير موظفا عاما، لكي لا يفلتوا من العقاب، إذا ارتكبوا فعلا من الأفعال التي حرمها المشرع في هذا الفصل، فلا يصلح مع هذا النص الصريح في قانون حظر التعارض تطبيق قاعدة أن الحكم الخاص يقيد الحكم العام، فلزم التنويه في هذه الحلقة.

وقد خاطبني بعض النواب متسائلين عن السبب في هذه التفرقة بين النواب والوزراء فيما كتبت في الحلقة الماضية فأردت هذا التوضيح، وأؤكد أيضا أن عدم خضوع الوزراء لأحكام قانون الحظر هي رمية من غير رام، فلم يقصد أي من الوزراء ذلك، فهو ما تفرضه الأصول الصحيحة في صون أحكام الدستور.

المبحث الثاني: مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية والنصوص الدستورية ذات العلاقة

1- مبادئ الشريعة الإسلامية:

من المعلوم في أحكام الشرع أن الإنسان لا يسأل إلا عن فعله، ولا يسأل عن الفعل إلا فاعله، ولا يؤخذ امرؤ بجريرة غيره، وهو مبدأ من المبادئ السامية في المساءلة في أحكام الشريعة الإسلامية، قرره القرآن الكريم في كثير من آياته البينات من ذلك قوله تعالى "وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا" (الأنعام 164). "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" (فاطر 18)، "وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى" (النجم 39)، "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا". (فصلت 46)، "مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ". (النساء 123).

وإذ نصت المادة 2 من الدستور على أن "دين الدولة الرسمي الإسلام، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع"، وما ورد في المذكرة التفسيرية للدستور وهي ملزمة شأن النص ذاته بأن الدستور بهذا النص "إنما يحمل المشرع أمانة الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية ما وسعه ذلك ويدعوه إلى هذا النهج دعوة صريحة واضحة".

ونصوص المذكرة ملزمة شأن نصوص الدستور، وهو ما أجمع عليه الفقه والقضاء، وقانون حظر تعارض المصالح وهو يحمل هذه الأمانة، شأن غيره من القوانين التي يقرها، كان لزاما عليه ألا يتوسع في التجريم والعقاب إلى أشخاص لم يقترفوا أفعالا تستوجب عقابهم عليها بالمخالفة لمبدأ شرعية التجريم الذي جسده الدستور في هذه الآيات الكريمة، حتى لو كانت المذكرة التفسيرية للدستور في تفسيرها للمادة (2) قد أباحت للمشرع أن يأخذ من مصادر أخرى في ظل النص الدستوري الذي اعتبر الشريعة الإسلامية مصدرا من مصادر التشريع، وليس المصدر الوحيد، وهو تفسير صحيح لا نجادل فيه، لأن الضمانات المتعلقة بالحريات بوجه عام وبالحرية الشخصية بوجه خاص، والتي يصونها مبدأ شرعية التجريم والعقاب، قد أصبحت الآن قاسما مشتركا بين كل المصادر التشريعية الأخرى، بعد قرون طويلة من نزول هذه الآيات الكريمة.

2- المبادئ الدستورية:

لذلك جاءت المبادئ الدستورية معبرة عن ذلك كله في دستور الكويت حين يندرج تحت صور الحماية التي قررها الدستور، كحق من حقوق الإنسان فيما تنص عليه المادة (30) من الدستور من "أن الحرية الشخصية مكفولة" وما تنص عليه المادة (33) من الدستور من أن "العقوبة شخصية" باعتبار أن القوانين العقابية بما تفرضه من قيود على الحرية الشخصية بتجريم الأفعال التي يرتكبها الشخص، يجب على المشرع أن يتقيد في ذلك، بأن جريرة الجريمة لا يؤاخذ بها إلا من اقترفها، وأن شخصية العقوبة في المادة (33) التي صان بها الدستور الحرية الشخصية التي كفلها في المادة (30) تفترض شخصية المسؤولية الجنائية، بما يؤكد تلازمهما.

وفي هذا السياق تقول المحكمة الدستورية العليا في مصر إن الدستور أعلى قدر الحرية الشخصية، فاعتبرها من الحقوق الطبيعية الكامنة في النفس البشرية الغائرة في أعماقها، والتي لا يمكن فصلها عنها، وقد منحها بذلك الرعاية الأوفى والأشمل توكيدا لقيمتها.

وإنه ولئن كان ذلك لا يخل بحق الدولة في تنظيمها، فإن إنفاذ القيود التي تفرضها القوانين الجزائية على الحرية، يجب أن يكون ذلك رهنا بدستوريتها، وأن الشخص لا يكون مسؤولا عن الجريمة، ولا تفرض عليه عقوبتها، إلا باعتباره فاعلا لها أو شريكا فيها، وإذا كان ما تقدم يعبر عن العدالة الجنائية في مفهومها الحق، ويعكس بعض صورها الاكثر تقدما، فإن ذلك لم يكن غريبا عن العقيدة الإسلامية بل بلورة قيمها العليا، فليس للإنسان إلا ما سعى وما الجزاء الأوفى إلا صنو عمله، وكان وليد إرادته الحرة ناجما عنها.

(حكم المحكمة الدستورية العليا بجلسة 3 يوليو سنة 1995 في القضية رقم 25 لسنة 16 فضائية دستورية).

3- التطبيق على قانون حظر التعارض:

ولعل قانون حظر تعارض المصالح قد جانبه التوفيق في كثير من الأمور التي تتصل بالمبادئ الشرعية والدستورية السابقة فيما يلي:

أ- التطبيق على المادتين 3 و4 من القانون: فقد نصت عليه المادة (4) على أنه: "مع عدم الإخلال بأحكام المادة (22) من القانون رقم (2) لسنة 2016 المشار إليه، يكون الخاضع (للقانون) في حالة تعارض مصالح تشكل جريمة فساد في إحدى الحالتين الآتيتين:

الحالة الأولى: تحقق منفعة أو فائدة أو مصلحة مادية أو معنوية له أو لأي شخص من المنصوص عليهم في المادة السابقة من خلال قيامه أو امتناعه عن أي عمل من أعمال الوظيفة التي يشغلها منفردا أو بالاشتراك مع آخرين.

فقد شابت هذا النص العديد من المخالفات لمبدأ شرعية التجريم والعقاب كما أرسته الآيات الكريمة التي وردت في مستهل هذا البحث ونصوص الدستور التي أوردناها فيما سلف نسوقها فيما يلي:

1- إتيان عمل من أعمال الوظيفة:

تحقق من خلاله منفعة أو فائدة ما أو مصلحة مادية أو معنوية للشخص، من خلال قيامه أو امتناعه عن أي عمل من أعمال وظيفته تعتبر جريمة فساد، يعاقب عليها الشخص بعقوبة الحبس الذي قد يصل الى خمس سنوات فضلا عن الغرامة، إعمالا للمادة (11) من هذا القانون.

وبالرغم من أن النص لم يحدد الجرم الذي ارتكبه الشخص الخاضع للقانون من قيامه بعمل من أعمال وظيفته تحققت منه هذه الفائدة أو المنفعة أو المصلحة، ولم يحدد النص كذلك رابطة السببية بين الأمرين، وهو ما يؤخذ على النص في عقابه على القيام بعمل.

2- الامتناع عن عمل:

إلا أننا لا نفهم أن يكون امتناع الشخص الخاضع للقانون عن عمل من أعمال وظيفته فعلا مجرما ومعاقبا عليه، إذا تحققت للشخص منفعة أو فائدة. وهو ما يطرح أسئلة مشروعة: ماذا لو استشعر الشخص الخاضع الحرج فامتنع عن المشاركة في اتخاذ القرار الذي من شأنه أن يحقق له أو لغيره مصلحة مشروعة؟ وما الخطأ في امتناعه عن هذا العمل؟ وما جريرة الامتناع ليحاسب عليها في هذه الحالة؟

3- انتفاء القصد الجنائي الخاص:

وقد توسع المشرع في تجريم الفعل الذي يأتيه الخاضع للقانون بقيامه بعمل من أعمال وظيفته أو بامتناعه عن هذا العمل، ولو لم تعد عليه شخصيا فائدة أو منفعة لأي شخص من الأشخاص الذين حددتهم المادة الثالثة من هذا القانون، دون أن تورد المادة الرابعة التي جرمت الفعل قصدا جنائيا خاصا، وهو أن يكون الخاضع قد أراد من عمله أو امتناعه عن العمل تحقيق هذه الفائدة أو المنفعة لأي من هؤلاء الذين ذكرتهم المادة.

ونسوق للتدليل على عدم تحديد الأفعال المعاقب عليها من خلال عموم عبارات النصوص العقابية واتساع قوالبها بل انقلاب عباراتها بتعدد تأويلاتها، بما يبعدها تماما عن درجة اليقين في العمل، المعاقب عليه ما يلي:

الحالات التي وردت في أحد بنود هذه المادة والتي يصعب فهمها تماماً، وهي البند (3) حيث اعتبر هذا البند من قبيل المنفعة أو الفائدة أو المصلحة العائدة تلك التي تتعلق به.

"أي شخص طبيعي أو معنوي تربطه بهم مصلحة مادية أو معنوية خلال سنتين سابقتين للحالة التي اتخذ فيها القرار أو شارك فيه". فالمادة 3 تتحدث لأول مرة عن مشاركة الخاضع في القرار الذي اتخذ أو مشاركته فيه، فتحققت منه منفعة أو فائدة لأي من هؤلاء الذين ورد ذكرهم في هذا البند.

ويتوسع النص في التجريم والعقاب ليمتد بهذه الفائدة والمنفعة أو المصلحة للأشخاص المذكورين الذين كانت تربطهم بالخاضع مصلحة مادية أو معنوية خلال سنتين سابقتين على العمل بالقانون، بحكم عام يسري على عمومه ومطلق يجري على إطلاقه، فيشمل كل الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين الذين كانت تربطهم بالخاضع مصلحة مادية أو معنوية، ولو كانت هذه الصلة قد انقطعت، وهو ما يجرد الفعل الذي أتاه الخاضع من القصد الجنائي الخاص باتجاه إرادة الخاضع الى اتخاذ القرار والمشاركة فيه بقصد تحقيق هذه المنفعة لهؤلاء الأشخاص، وهو ما تطلبناه في هذه الجريمة فيما تقدم.

ولنضرب مثلا بأن الخاضع متخذ القرار كان يعمل في شركة واستقال منها خلال السنتين السابقتين، وانقطعت صلته بها، واتخذ قرارا أفادت منه هذه الشركة، كما استفاد غيرها من أشخاص طبيعيين أو معنويين، فالقانون بعباراته غير المنضبطه يعاقب الخاضع، وقد تكون الفائدة أو المنفعة التي تحققت لهؤلاء مشروعة.

العقاب على حق الملكية ورأس المال

تورد المادة (4) الحالة الثانية التي اعتبرتها جريمة فساد والتي تناولناها في مقالنا على صفحات «الجريدة» يوم 25 مارس الماضي تحت عنوان «جعلوني مجرما في قانون حظر التصالح» وهي امتلاك الخاضع أي حصة أو نسبة من عمل في أي نشاط له تعاملات مالية، وذلك مع جهة عمله، وهي حالة مجردة من أي عمل أو امتناع عن عمل فأين الفعل الذي لا يؤخذ امرؤ إلا بجريرته؟ وما في امتلاك الشخص الخاضع لسهم في شركة لها معاملات مالية من جرم، ومن المقرر أن النصوص العقابية لا يجوز أن يترتب عليها حرمان الشخص من حقوق صانها الدستور وكفلها، ومن بينها حق الملكية، يقول المولى عز وجل «الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا».

كما تنص المادة (16) من الدستور على أن: «الملكية ورأس المال والعمل مقومات أساسية لكيان الدولة الاجتماعي وللثروة الوطنية وهي جميعا حقوق فردية ذات وظيفة اجتماعية ينظمها القانون».