أشباح «الدولة الإسلامية» تطوف في العراق

  • 29-03-2018

توجّهت القوات الحكومية نحو شمال العراق لطرد «الدولة الإسلامية». تعلّق الهدف الأساسي باسترجاع عاصمة النفط كركوك التي تبعد 60 كلم عن الأكراد.

تقع منطقة غريب في الشمال ولا يزال 500 شخص من أصل 3 آلاف يسكنون فيها أو عادوا إليها. يخشى الرعاة هناك أن يتجاوزوا طرف البلدة بعدما تعرّض عدد منهم للهجوم ليلاً من قوات «الدولة الإسلامية». بعد أشهر على التحرير، لا تزال المنطقة محرومة من الكهرباء وبالكاد فيها أي ضوء ليلاً ويرتعب الجميع من أية ضجة تُسمَع في الخارج.

يعرف رجال «الدولة الإسلامية» الذين سيطروا على منطقة غريب أكثر من ثلاث سنوات كل مسار وزاوية ومنزل وحتى كل كلب في تلك البلدة. لم يكن هؤلاء الأشخاص غرباء عن المنطقة بل كانوا جيراناً وأقارب للسكان. كان بعضهم ينتمي إلى عشيرة «نصيف» المرعبة على طرف البلدة علماً بأن زعيمها الجذاب استمال أوائل أتباعه الشباب للانضمام إلى جماعته في نهاية التسعينيات.

قُتل عدد من عناصر «الدولة الإسلامية» خلال المناوشات وهرب آخرون باتجاه تركيا. لكن لا يزال العدد المتبقي قابعاً في المنطقة. اليوم، بدأ الرجال يعودون بكل هدوء خلال الليل، سيراً على الأقدام أو في القوارب، سعياً إلى الانتقام. لا يمكن أن يفترض أحد أنّ الوضع آمن خلال النهار. هذا الافتراض جعل علي، ابن الملازم حسين عارف، يخسر ركبته. كذلك تعرّض اثنان من أنسبائه لحوادث أسوأ بعد.

راح علي عارف يتلوى من الألم بعد وضع قضبان معدنية لتثبيت ساقه اليسرى وكان يتمدد في منزل في كركوك كانت عائلته هربت إليه من «الدولة الإسلامية» في عام 2014، ثم بدأ يسرد قصته.

توجهوا إلى منازل تعود إلى عشيرة «نصيف» على الجهة الأخرى من البلدة. ما السبب؟ في البداية، تردد علي في الإجابة لكنه عاد واعترف: «أردنا أن ندخل وندمّر المكان! لمنعهم من العودة يوماً! كان عناصر عشيرة نصيف السبب في تدمير بلدتنا».

يحمل زعيم عشيرة نصيف اسم والد علي، الملازم حسين. حين وُلد الرجلان، كانت منطقة غريب تشهد شكلاً واضحاً من التسلسل الهرمي كجميع مناطق العراق: كان السُّنة يحكمون البلد مثلما حكم العثمانيون السُّنة طوال قرون المحافظات الثلاث التي حوّلتها بريطانيا إلى بلد العراق غداة الحرب العالمية الأولى. على مر عقود طويلة، سيطر صدام حسين النافذ على مقاليد السلطة. عاش السُّنة في الحويجة في ظروف جيدة خلال عهده. كان معظمهم مزارعين لكن انحاز النظام القائم إليهم بكل وضوح.

ثمة صلة قرابة بين عائلة علي وعشيرة زوجة صدام حسين الأولى. يحب أفراد العائلة التكلم عن العم محمد الذي أصبح ضابطاً استخبارياً وكان يتصرف مثل صدام حسين، وسرعان ما بدأ يشبهه في كل شيء.

ثم عمّت الفوضى التي لم يتعافَ منها البلد بعد وساد ارتباك تام نتيجة الغزو الأميركي للعراق في بداية عام 2003، ما أدى إلى تدمير إمبراطورية صدام حسين خلال مدة لا تتجاوز الثلاثة أسابيع. كان الضابط محمد الذي حرص على الإشادة بقوة صدام حتى اللحظة الأخيرة أول من دعا الجنود الأميركيين إلى وجبة طعام في منزله!

استقبل «العدو» في منزله! استقبل عملاء الشر الصهاينة الإمبرياليين الرأسماليين! لكن بدءاً من أول أيام شهر أبريل من عام 2003، حين تفككت آخر وحدات الجيش العراقي العظيم، اتّضح أن ذلك المعسكر هو المنتصر.

فجأةً، استنتج الإسلاميون المتطرفون الذين يشتبه بهم جهاز التجسس السري ويسخر منهم سكان البلدة أن أمراً لم يعد يقف في طريقهم. في منطقة غريب، لم يكن الانضمام إلى تنظيم «القاعدة» يُعتبر عملاً مشيناً سابقاً. حتى في بغداد، كان عدد من قادة البلد الجدد يدعم سراً «المقاومة الشريفة» ضد الأميركيين الذين يتعاملون معهم راهناً بشكل يومي. لكنّ آثار الممارسات الانتهازية والأكاذيب من أجل الصمود على مر عقود طويلة لم تختفِ بكل بساطة. بل إنها تكيّفت مع الظروف المستجدّة.

في منطقة غريب، بات حسين نصيف الذي أصبح لاحقاً زعيم «الدولة الإسلامية» رمزاً لعزة النفس المفقودة. راح يوزع أشرطة ثم أقراصاً رقمية فيها عظات من المملكة العربية السعودية وكان يُعلّم أتباعه الشباب خلال اجتماعات تُعقَد بعد حلول الظلام. ترك حسين المدرسة المتوسطة ثم طرده والده من المنزل. لكنه كان ذكياً وجذاباً. احتجزه الأميركيون في مناسبات متعددة لكن لطالما حظي بدعم أشخاص نافذين في بغداد وكان يسترجع حريته دوماً.

جمر من النار

في صيف عام 2014، لم يعد حسين كمعتقل سابق ونادم بل كحاكم جديد برداء مُطّرز بالذهب ومع فريق أمني شخصي مؤلّف من 30 نسيباً له. بصفته أمير «الدولة الإسلامية»، كان يقرر من يبقى على قيد الحياة ومن يستوجب الموت في منطقة غريب... حتى شهر أكتوبر الماضي.

في فترة بعد الظهر من ذلك اليوم، يتذكر علي أنه دخل مع أشخاص آخرين إلى أول منزل يعود إلى عشيرة «نصيف». كان المكان خالياً. فكسروا الأطباق ثم انتقلوا إلى المنزل المجاور الذي كان خالياً أيضاً، لكنه يقول إنهم شاهدوا جمراً متوهجاً من النار على سطح منزلٍ يقع على طرف المستوطنة.

يضيف علي: «في البداية صرخنا: «الموت لداعش»! ثم قال عبد الرحمن شريف الذي كان الأكبر بيننا: أعطوني بندقية وهاتفاً خلوياً. سأذهب لإلقاء نظرة! لم نكن نملك إلا رشاشاً من نوع كلاشينكوف وكنا جمعنا بعض الحجارة».

تولى عبد الرحمن قيادة المجموعة. كان الباب مفتوحاً جزئياً. تفرّق مقتحمو المنزل وتنقلوا من غرفة إلى أخرى، ثم فتح عبد الرحمن الباب الأخير المؤدي إلى حجرة المؤن. كان رجال «الدولة الإسلامية» يختبئون هناك فخرجوا كلهم فجأةً. يقول علي: «كانوا أشبه بالوحوش. كان شعرهم أشعث وكانت لِحاهم طويلة ومبعثرة. فتحوا النار فوراً. أصيب عبد الرحمن وسقط أرضاً ومات. فصرخ حسين: «سأُبطئ مسارهم! اهربوا! اهربوا».

استدار علي لإلقاء نظرة خاطفة فيما كان يركض وشاهد نسيبه يقف بموازاة الباب الأمامي: كان يفتح ذراعيه ويحمل صخرة في يده. لكن حين سمع علي صوت طلقات نارية، هرب لإنقاذ حياته. عندما استرجعوا جثة حسين لاحقاً، وجدوا ثقوب رصاص في عينيه وصدره. يقول علي: «كنتُ موجوداً على بُعد 30 متراً حين صوّب أحد الرجال سلاحه نحوي وأطلق النار وأصاب ركبتي».

كان صوت إطلاق النار كافياً لتنبيه البلدة كلها، فركض السكان لمعرفة ما يحصل. لكنهم اقتربوا ببطء وراحوا يطلقون النار عن بُعد. اختبأ رجال «الدولة الإسلامية» ونجح علي في جرّ نفسه على جدار ترابي بطول نصف متر: «لكن ركض الرجل الذي أطلق النار عليّ باتجاهي مباشرةً وربض على الجانب الآخر من الجدار».

تمدّد علي من دون أن يحرّك ساكناً بالقرب من الجدار البارد: «رأيتُ بركة دم... دمي أنا. ثبّت عنصر «الدولة الإسلامية» سلاحه على الجدار، فوق الموقع الذي كنت أتمدد فيه مباشرةً. رحتُ أصلّي بهدوء كي لا ينظر فوق الجدار. كان يطلق النار بشكل جنوني وشعرتُ بسقوط خراطيش ساخنة على صدري ووجهي».

دوامة الانتقام

يتذكر علي الصيحات الغاضبة التي أطلقها رجال «الدولة الإسلامية»: «إنه عقاب لكل من يطردنا ويرسلنا إلى المخيمات ويدمّر منازلنا». كان هناك خمسة أشخاص على الأقل وقد تعرّف إلى أصواتهم. يقول علي إن الرجل الذي كان يربض على الطرف الآخر من الجدار الترابي لم يكن إلا عمر نصيف. بصفته رئيس «الجهاز الأمني» في «الدولة الإسلامية»، كان الجلاد الخاص بمنطقة العباسي والبلدات المجاورة. كان ذلك العمل يملؤه فخراً كما يقول معظم السكان. كانوا يعرفونه ويدركون مدى تفاخره بعمله. وكان يطيب له أن يقول: «لن أتردد في إعدام شقيقي. قطع الرؤوس متعة لي».

في إحدى المناسبات، أخبرهم عمر نصيف عن ابنته البالغة من العمر ثلاث سنوات. كانت تركض إليه دوماً لمعانقته حين يعود إلى المنزل. لكن حين عاد في إحدى المرات فور انتهائه من تنفيذ عملية إعدام ورائحة الدم تفوح منه، «اقتربت بخطوات بطيئة ونظرت إليّ ولم تعانقني لأسبوع كامل».

لكن لماذا أخبرهم بهذه القصة؟ هل أراد أن يكسب تعاطفهم نظراً إلى التضحية التي يقدمها باعتباره جلاداً باسم الله؟ هل أراد أن يختبرهم؟ أم أنه أراد أن يثبت مجدداً أنه مريض نفسي ولا يمكن تبرير أفعاله؟

بدأ الظلام يحلّ والبرد يزداد ومع ذلك تابع رجال «الدولة الإسلامية» إطلاق النار. يقول علي: «كنتُ واثقاً من أن الجيش لن يأتي». فجأةً، ترافق صوت الكلاشينكوف مع أصوات أسلحة رشاشة (14.5 ملم). إنه الجيش! راح الجهاديون ينادون بعضهم البعض للانسحاب، فاختفوا واحداً تلو الآخر تحت غطاء الطلقات النارية التي أطلقها العناصر المتبقون.

كان وضع علي صعباً حتى تلك المرحلة، فقد تجمّد من البرد وأصبح ضعيفاً جداً بسبب الدم الذي خسره. ظن سكان البلدة على الأرجح أنه مات: «لو لوّحتُ بيدي، كان الجنود ليطلقوا النار فوراً». لقد واجهوا كمائن كثيرة. كانت يداه ترتجفان حين أخرج هاتفه الخلوي من جيبه وأرسل رسالة نصية إلى صديق له في البلدة في الساعة 6:37 مساءً. كتب له: «أخبِرْ الجيش بأنني أتمدد وراء الجدار الترابي، على بُعد 30 متراً من مركبة «هامفي»».

هكذا وجدوه أخيراً. نقلته سيارة إلى مستشفى في كركوك بينما اضطر الجنود إلى متابعة سيرهم فوراً: راح مزارع يراقب ما يحصل حين عام سبعة عناصر من «الدولة الإسلامية» بشكل شبه صامت في نهر الزاب الذي يغطيه القصب جزئياً. لكن كان عنصر المفاجأة لصالح الجيش هذه المرة. حتى أن الجنود لم يحاولوا أن يعتقلوهم وهم أحياء بل أردوهم قتلى.

خوف مستمر في العراق

نجحت مجموعة من مقاتلي «الدولة الإسلامية» في منطقة غريب بالهرب. لكنهم لم يختفوا فترة طويلة. في الليلة التالية، بعد دفن القتلى مباشرةً، اندلع حريق هائل على طرف البلدة. اتصل السكان المذعورون بقاعدة الجيش: داعش عاد! يجب أن يعود الجنود! لكن أجابهم الضابط المسؤول في تلك الليلة بأن الظلام يزيد احتمال تعرّضهم للكمائن، لذا لن يحضروا. لكنه نصح السكان بإغلاق أبوابهم ونوافذهم جيداً.

يتخذ الخوف في العراق أشكالاً متعددة. لأكثر من ثلاث سنوات في الحويجة، لطالما خاف معظم السكان من الأشخاص الذين انضموا إلى «الدولة الإسلامية». كان ذلك الخوف هائلاً وشاملاً لكن يمكن قياسه على الأقل كما حاول عدنان شريف أن يشرح، علماً بأنه شقيق اثنين ممّن قُتلوا. لكنّ الوضع مختلف الآن.

حين حضر الجيش إلى المنطقة في الخريف الماضي، حاول عناصر «الدولة الإسلامية» أن يدافعوا عن نفسهم لفترة وجيزة في أماكن متعددة لكنهم «هربوا في منطقة غريب بكل بساطة». قبل ساعات معدودة، كان حسين نصيف، زعيم «الدولة الإسلامية» المخيف، يلقي عظات مُدوّية في المسجد: «أقسم لكم بأن النصر وشيك! أقسم بذلك». لكن يقول شريف إنه اختفى في المرحلة اللاحقة وهرب على الأرجح نحو المناطق التي يسيطر عليها الأكراد.

لكن تابع الجيش مساره وترك وراءه بضعة عناصر من ميليشيا عشائرية محلية. نتيجةً لذلك، تجدّد الخوف في المكان. وصف أحد الرعاة كيف أمضى ليلته خارج البلدة مع قطيعه قبل أسبوعين من المناوشات القاتلة. قال الراعي إن صوتاً أمره بالاستيقاظ فجأةً. كان عشرة رجال من «الدولة الإسلامية» يحيطون به أثناء نومه: «أين الجيش؟ هل لديك هاتف خلوي؟ أعطِنا الهاتف! كم تريد في المقابل؟».

مقتل عائلة العقيد

أخبرهم الراعي بأنه يحتاج إلى الهاتف وأنه لن يستطيع فعل شيء إذا أخذوه منه. فقالوا له بنبرة غاضبة: «لا، لا. يجب أن ندفع ثمنه». بدا كأنهم ثمالى بحسب قول الراعي. فجأةً، غادروا المكان من دون أخذ الهاتف.

في بلدة صايفي الواقعة في جنوب الحويجة، قُتلت عائلة العقيد الذي شارك في قيادة العملية المضادة للدولة الإسلامية في إحدى الليالي. ظنوا أن العودة إلى ديارهم باتت آمنة.

في بلدة رابسا الشرقية، تنكّر مقاتلو «الدولة الإسلامية» بملابس أعضاء ميليشيا محلية ومتحالفة مع الجيش وبنوا حاجزاً. حين مرّ به قائد عسكري محلي في طريقه إلى منزله، عمدوا إلى قتله.

يقول كل مزراع وصاحب متجر: «لا تخرجوا بعد الغسق! لا يزالون هناك! لا يزالون في كل مكان»! يظهر رجال «الدولة الإسلامية» خلال الليل لترهيبهم وقتلهم وللتأكد من أن البذور الشيطانية التي يزرعونها ستعطي ثمارها، ما يعني ترسيخ مشاعر الكره بين عائلات المجرمين وعائلات الضحايا.

في يناير الفائت، حضر الجيش أخيراً مع مئة عنصر وأمضى أياماً عدة في تمشيط محيط بلدة غريب. أطلق الجنود النار وقتلوا 14 مقاتلاً من «الدولة الإسلامية» حين وجدوا كهفاً كانوا يختبئون فيه.

مثل الورم الخبيث

في منطقة غريب، لاحظ أعضاء الميليشيا رجلاً يشتري باستمرار كميات هائلة من البسكويت والشوكولاتة والمقرمشات من أحد متجرَي البلدة مع أنه يعيش وحده وليس لديه أولاد. لم يكن عضواً في «الدولة الإسلامية». لماذا يحتاج إلى هذه الكمية من الوجبات إذاً؟ لحقته مجموعة من ميليشيا البلدة حين كان يغادرها وتوجّه إلى الصحراء كما يفعل باستمرار. فأضاعوه وسط القنوات الضيّقة لكن سرعان ما ظهر مقاتلو «الدولة الإسلامية» من العدم وفتحوا النار سريعاً وقتلوا رجلَين قبل أن يختفوا مجدداً، ثم ظهر الرجل الذي حمل المشتريات في البلدة بعد ساعات وكأن شيئاً لم يحصل ولم يكن يحمل حينها أية مقرمشات وشوكولاتة.

تنتشر مظاهر انعدام الثقة في أنحاء البلدات مثل الورم الخبيث، ما يؤدي إلى تفاقم الصراع العقيم أصلاً: كيف يمكن التعامل مع أقارب مقاتلي «الدولة الإسلامية»؟ من يدعم التنظيم ومن وقع ضحية له؟ لا يملك القانون أي إجابة على هذه الأسئلة. يقبع جميع الأشخاص الذين أقسموا الولاء للدولة الإسلامية في السجن أو قُتلوا أو يختبئون. لا تشير أية أدلة إلى أن عائلاتهم ارتكبت أي خطأ وما من مذكرات توقيف لاعتقالهم. لكن تختلف قوانين العشائر طبعاً. يمكن أن يتحمّل الأقارب مسؤولية الجرائم التي ارتكبها أفراد من عائلتهم. إنها قوانين خاصة بأوقات السلم وتهدف إلى إخماد مصادر التوتر الطفيفة. لكنها مصمَّمة أيضاً لمواجهة التعطّش الهائل إلى الانتقام في الوقت الحاضر. كيف يجب أن يتصرف الشيوخ إذاً؟

اجتمع الشيوخ في لقاء آخر في مكتب رئيس مجلس مدينة العباسي. كان الشيخ سبحان شلاف صقر، زعيم عشيرة أبو وحش، أعرق شخصية حاضرة: «هل نريد أن ننفي جميع عائلات عناصر داعش؟ لدينا 500 مقاتل وعددهم مضروب بخمسة. هل تريدون أن ترسلوهم جميعاً إلى مخيّم؟ هذا السلوك ضد حقوق الإنسان وضد القانون».

عارضه أحد الحاضرين بسرعة وقال: «أنا أيضاً انتهى بي الأمر في مخيّم حين هربتُ من «الدولة الإسلامية». من المنصف أن يعيشوا بهذا الشكل لفترة».

فأجابه صقر: «عشر سنوات من النفي هي عقوبة القتل. هل ارتكبوا أي جريمة قتل؟».

تمتم الحاضرون: «لا».

وضع مزرٍ

تكلّم شخص آخر بنبرة غاضبة وقال: «عناصر «داعش» قتلوا شقيقي ولا أريد أن أراهم أو أرى عائلاتهم مجدداً. كما أنهم يتابعون مساعدتهم!».

وافقه الحاضرون الرأي. قال رجل بالقرب منه إن جرائم قتل انتقامية ستحصل إذا بقيت العائلات في المنطقة. لكن أجاب شخص آخر: «إذا أرسلنا الأمهات وأولادهن إلى المخيمات، سنربّي بذلك وحوشاً! حين يعودون بعد سنوات، لا شك في أنهم سينضمون إلى «داعش».

تمتم الحاضرون في القاعة معبّرين عن صحة هذا الرأي. استمر الجدل على هذا النحو وراح معظم الحاضرين ينتقل من موقف إلى آخر: هل يجب أن نسمح لهم بالبقاء أم نرسلهم إلى المخيمات؟ قاطع صقر الحديث فجأةً وقال: «نحن غارقون في وضعٍ مزرٍ. إذا عارضتُ الترحيل، سأُعرّض بلداتنا للخطر. وإذا أيّدتُ هذه الخطوة، لن أحلّ أية مشكلة وسيقتلني «داعش».

بعد انتهاء الاجتماع، بقي الرجل الذي خسر شقيقه واقفاً مع أشخاص آخرين في الشارع. فقال: «بغض النظر عن قرارهم، نحن أيضاً يمكننا أن نستغل فترة الليل. سأنتقم لمقتل شقيقي».

دوامة لامتناهية

كان الطقس مشمساً في فترة بعد الظهر من ذلك اليوم في منطقة غريب حين بدأت مراسم توديع الشقيقين اللذين قُتلا في منزل عشيرة نصيف. بحسب التقاليد السائدة، يأتي الزوار طوال ثلاثة أيام لتقديم العزاء ويجلسون في الخارج حيث يشربون القهوة ويتكلمون. حضر عدد كبير من الناس لكن لم يشأ أحد منهم أن يُذكَر اسمه. قال رجل كبير في السن صراحةً: «إذا عَلِم رجال «داعش» بوجودنا هنا، سيقتلوننا».

تصاعدت أعمدة دخان على مسافة من المكان. عمد أعضاء ميليشيا البلدة وأقارب الضحايا إلى تدمير أولى المنازل العائدة إلى العائلات التي تشمل أقارب منتمين إلى «داعش». فسألت امرأة مسنّة ترتدي ملابس سوداء جارها: «هل أنت سعيد الآن؟».

جلس شاب في زاوية الباحة وبدت عليه ملامح التوتر حين أمسك بكوب القهوة. عرّف عن نفسه باسم مثنى وقال: «كان عليّ أن أحضر. كان الاثنان من أعز أصدقائي». لكنه كشف شهرته بعد لحظات من التردد: شهرته نصيف وينتمي إلى عشيرة أعضاء «الدولة الإسلامية».

يقول إنه يتفهم موقف المشيّعين إذا عمدوا إلى طرده. لم يتجرأ على المجيء أصلاً إلا بعدما وعده شقيق المغدورَين الأكبر بألا يتعرض له أحد في حال قدومه. كان عليه أن يأتي كي يؤكد على الجهة التي يدعمها.

قال مثنى نصيف: «عمر، القاتل، كان نسيبي. لطالما بقيتُ بعيداً عنهم ومع ذلك كنت أخشى أن أحضر إلى العزاء. لكن يجب أن نُحدّد موقفنا كأفراد بكل وضوح وإلا فسنبقى رهينة الانتقام ولن تنتهي هذه الدوامة مطلقاً».

* كريستوف رويتر