روسيا وحدود القوة

  • 24-01-2018

أعلنت حكومة بيلاروسيا أنها لن تسمح بأكثر من قاعدتيْن عسكريتين على أراضيها، وتحتضن بيلاروسيا اليوم قاعدتين عسكريتين روسيتيْن، ومن المستبعد أن تكون أي دولة أخرى اقترحت إنشاء قواعد عسكرية هناك، ومن غير المنطقي إذاً الافتراض بأنّ الروس طلبوا من بيلاروسيا إنشاء قواعد إضافية وبأنّ الأخيرة رفضت طلبها، فسبب اهتمام روسيا ببيلاروسيا واضح، فالبلطيق جزءٌ من حلف شمال الأطلسي، ولدى أوكرانيا حكومة مؤيدة للغرب، وبيلاروسيا آخر بقعة من المنطقة العازلة غير المعارضة لروسيا بالكامل، فإذا غيّرت بيلاروسيا موقفها وانتقلت الى المعكسر المعادي لروسيا، يعني ذلك اختفاء العازل الروسي بأسره، فتفقد روسيا بذلك عمقها الاستراتيجي الذي اعتمدت عليه لفترةٍ طويلة.

لا شكّ أن زيادة عدد القواعد العسكرية من شأنه تعزيز قدرات روسيا الدفاعية، فذلك يجعل من حدود أوكرانيا الشمالية أكثر ضعفاً، ومن المستبعد أن تقوم روسيا بأي عمل عدائيّ هنا بما أنّ الحرب مغامرة محفوفة بالمخاطر، فهي غير محسوبة النتائج وثمن الخسارة سيكون بالطبع زعزعة استقرار روسيا، ولكن القدرة على القيام بأي عمل من هذا النوع يزيد من الضغوط في المنطقة، فرفض بيلاروسيا فكرة زيادة القواعد العسكرية يظهر أنّ روسيا وصلت الى حدود قوّتها أو بمعنى آخر أنّها تواجه اضطراباتٍ تتعلّق بمحاولاتها توسيع نطاق سلطتها وأنّ خياراتها محدودة.

تحاول روسيا تعزيز الانطباع عن قوتها العظمى منذ تعرضت لانتقاداتٍ شديدة من الغرب لدورها في الأزمة الأوكرانية في عام 2014، وقد أقنعت روسيا البلدان الأخرى الى حدّ بعيد بأنّها قوة صاعدة، ولكن أن تكون كذلك يعني أنها في الوقت عينه تثير خشية الآخرين، ويفرض الأمر كذلك على روسيا تشتيت انتباهها في مسائل عدة والاهتمام بقضايا ثانوية قد تضعف قوّتها، وإنّ مجرّد لمسنا لحاجة روسيا الملحة لبرهان صعود نجمها باستمرار دليل ساطع بأنّ الأخيرة وصلت الى الحدود القصوى من قوّتها.

درست روسيا خياراتها في البلقان بدقة، فتقرّبت من الصرب المستائين من صعود نجم الألبان في كوسوفو تحديداً وفي المنطقة عموماً، واتُّخذ قرار مقدونيا بالاعتراف باللغة الألبانية كلغةٍ رسمية لإدارة الواقع في الداخل، وللتخفيف من استياء ألبانيا في الوقت عينه، وقد دعم رئيس الوزراء المقدوني زوران زائيف، الذي وصل الى السلطة بمساعدة شركائه الألبان، إدراج الألبانية كلغةٍ رسميةٍ ثانية في البلاد، وقدّم زائيف دعمه طمعاً بشمل الألبان في المسألة المقدونية ولتسريع انضمام مقدونيا الى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، ومع أنّ الرئيس المقدوني خورخي إيفانوف نقض القرار بعد أسبوع، إلا أنّ الميل العام بدعم ألبانيا ما زال ساري المفعول.

وفي ظروفٍ أخرى ما كانت تلك المسألة لتثير اهتمام روسيا، ولكن بما أنّ الصرب قلقون حيالها، كان على روسيا اتخاذ موقفٍ حاسم مندّدةً بقرار مقدونيا، فثمة وضعٌ مشابه في تركيا، وقد تدخّل الروس في روسيا لضمان استمرار نظام بشار الأسد، ولم يكن الأمر ذا أهمية استراتيجية لروسيا، ولكنها بدت طريقةً خفيفة الأضرار لإثبات قوّتها وجبروتها في المنطقة، وقد أدى تطور الأحداث في سورية الى تدخّل الأتراك ضدّ الأكراد، وتريد روسيا الحفاظ على علاقاتٍ طيبة مع تركيا رغم عدائية الأخيرة للأسد، وليس لديها أي اهتمام بدعم أحلام كردية في المنطقة.

وقد هدّدت الحكومة السورية باعتراض الطائرات التركية التي تحلّق فوق أراضيها، فسافر رئيس المخابرات التركية الى موسكو لمعالجة الأمر معها، مما يضع روسيا في موقفٍ صعب، بما أنّ الأتراك سيحمّلونها مسؤولية أيّ تهوّر سوري. كل هذه المسائل التي ذكرناها آنفاً: القواعد العسكرية في بيلاروسيا، تشريع اللغة الألبانية في مقدونيا، والمجال الجوي السوري، كل هذه القضايا ما كانت لتنال أيّ اهتمامٍ من روسيا قبل عام 2014.

تختبر روسيا اليوم ما يختبره الأميركيون دوماً، من محاولاتٍ لحلّ مشاكل ليست في صلب اهتمامها الحقيقيّ لحماية سياستها الخارجية، ولعلّ الفارق الوحيد بينهما هو حسن الإدارة الروسية لقوّتها مع أنّ عمق هذه القوة ليس كبيراً، وروسيا على غرار الولايات المتحدة تختبر اليوم حدود القوة هذه، وتلك مغامرة فيها الكثير من التحدي لاسيما أنّ على الروس أن يبرهنوا امتلاكهم قوة هي أكبر بكثير مما يتمتعون بها على أرض الواقع!

* جورج فريدمان

*«جيوبوليتيكال فيوتشورز»