انتعاش منطقة اليورو يخفي مشكلة اقتصادية وشيكة

  • 09-12-2017

قال الفيلسوف الألماني الشهير نيتشه ذات مرة إن "ما لا يقتلني يجعلني أكثر قوة"، ولكن ذلك على أي حال يجعل الجسم أشد ضعفاً وإلى حد خطير كما حدث لنيتشه الذي ابتلي بمرض عضال طوال حياته. وقد تمكنت منطقة اليورو من تجاوز عقد قاتم من الزمن وهي تتمتع في الوقت الراهن بانتعاش غير متوقع. وتحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تضم مجموعة من الدول الغنية أن منطقة اليورو حققت نمواً بنسبة تفوق ما حققته الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان في هذه السنة، ولكن المحزن أنه على الرغم من أن كتلة العملة قد برهنت على مرونة تفوق توقعات العديد من خبراء الاقتصاد فإنها مجهزة بقدر قليل فقط لتجاوز الركود المقبل وبقدر أقل مما حققته في الركود السابق.

كانت أزمة أوروبا قاسية وصعبة ووصل الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو إلى حوالي 1.4 تريليون يورو ( 1.7 تريليون دولار ) فقط وكان في إيطاليا – على سبيل المثال – أقل من المستوى الذي كان يمكن أن تبلغه لو أنها حققت نمواً بنسبة 2 في المئة منذ عام 2007. ويتعين على أجزاء من تلك الكتلة استعادة مستويات الإنتاج التي كانت تتمتع بها قبل عقد من الزمن. وقد عجل بالضرر الخلل العميق الذي شهده الاتحاد النقدي الأوروبي، وهيمنت عوامل التقصير هناك بصورة ضخمة إلى درجة غير متوقعة. وفي بداية الأمر عمد الاتحاد إلى جعل تحقيق المال مركزية ولكنه جعل الحكومات الوطنية مسؤولة عن ملاءتها المالية. وهكذا فهمت الأسواق أن الحكومات لم تعد قادرة على انقاذ نفسها عن طريق طباعة الأوراق النقدية من أجل تسديد مبالغ الدائنين، كما أن خطر التخلف عن السداد أصاب الأسواق بهلع من الأنباء السيئة ما أفضى إلى رفع تكلفة اقتراض الحكومات واضاف المزيد إلى القيود المالية.

وفي سنة 2012 تدخل البنك المركزي الأوروبي وأعلن أنه بغية الحفاظ على سيطرته على سياسته المالية كان يرغب – على شكل ملاذ أخير – في شراء سندات حكومية، وقد أسهم ذلك في تخفيف الذعر وهبطت أرباح السندات وانتهت أكثر المراحل حدة في الأزمة.

استمرار الضعف الاقتصادي

ولكن اقتصاد منطقة اليورو استمر في التعثر عند مستوى الركود طوال سنة 2014 بسبب الخطأ الثاني، وخلال فترات الانكماش الاقتصادي الحادة والخطيرة تعمد البنوك المركزية في العادة إلى خفض معدلات الفائدة بغية تشجيع عمليات اقتراض واستثمار جديدة وتقوم الحكومات بالتصرف عن طريق التعرض إلى عجز أكبر في الميزانية من أجل التعويض عن الهبوط في الانفاق الخاص. وعندما حدثت الأزمة المالية عمد البنك المركزي الأوروبي، مثل البنوك المركزية في الدول الغنية إلى خفض معدلات الفائدة إلى ما يقارب الصفر وقامت الحكومات بخفض الضرائب والانفاق بحرية تامة. وعلى الرغم من ذلك كان على منطقة اليورو مواجهة صعوبات فريدة وتقييد عمل البنك المركزي الأوروبي من خلال تفويضه الذي ينص على سقف تضخم عند 2 في المئة إضافة إلى تأثير "البندسبنك" في ألمانيا. ولم يعمد البنك المركزي الأوروبي إلى شراء أصول تحفيز الا بعد أن هدد الانكماش الاقتصادي بعواقب سلبية وبعد وقت طويل من قيام البنوك المركزية الأخرى بهذه الخطوة الضرورية.

برامج الإقراض الطارئة

من جهة أخرى لم تتمكن الحكومات من التعويض عن هذه الخطوة في السياسة النقدية، كما هدد وعد البنك المركزي الأوروبي بشراء السندات الحكومية بتحرير دول منطقة اليورو من الانضباط الذي فرضته الأسواق. وسعى قادة أوروبا – وخاصة ألمانيا – إلى فرض حرص وانضباط بوسائل أخرى. وفرضت برامج الإقراض الطارئة التي جرى التفاوض حولها مع الدول المحاصرة بقدر أكبر خفضاً كبيراً في الميزانية كثمن لذلك. وكان على كل الدول الأعضاء الالتزام بما يدعى "الوضع المالي المحكم" الذي وقعه قادة منطقة اليورو في عام 2012 والذي حث الدول الأعضاء على ابقاء العجز المالي ضمن حدود معينة وتحقيق توازن في الميزانيات في الأجل الطويل وتبني خطة تهدف إلى خفض الديون الحكومية إلى ما لا يتجاوز 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. لكن التقيد بذلك لم يكن كاملاً وتمثل التأثير في الأجل القصير في هبوط الاقتراض العام بصورة حادة عبر دول منطقة اليورو في الفترة ما بين 2012 و2016، ما أسهم في اطالة مصاعب هذه الأزمة.

ولا يزال قادة أوروبا يجادلون في كيفية تلبية احتياجات العملة في منطقة اليورو ويفضل الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون تحقيق إصلاحات تسمح بوجود ميزانية في منطقة اليورو كبيرة بما يكفي لحماية الاقتصاد في وجه أي هزات مقبلة مع إشراف وزراء المال على هذه الخطة، وبشكل واقعي تحتاج هذه الآلية إلى سنوات للاتفاق عليها ناهيك عن تنفيذها.

ومن حسن الحظ أن تعافي أوروبا لم ينتظر حدوث تلك الإصلاحات، ولكن هذا لا يقلل من أهميتها، كما أن تعافي منطقة اليورو في سنواتها الأولى اعتمد على الصادرات، وقد أسهمت الأزمة والتقشف في تقليص الانفاق الداخلي وأفضت إلى مستويات من خفض الأجور نتيجة البطالة. وهكذا بدأت دول منطقة اليورو المضطربة بالبيع بقدر أكبر في الخارج بقدر يفوق عمليات الشراء، وبذلك ألقت شريحة المستهلكين الأجانب حبل النجاة إلى الدول المتعثرة. كما أن النمو العالمي القوي لا يزال يساعد المصدرين الأوروبيين ولكن عوامل أخرى أيضاً لعبت دوراً في هذا الزخم الاقتصادي. وكان أن وصلت أكثر التخفيضات حدة في الميزانية إلى نهايتها، ويضاف إلى ذلك أن هبوط معدلات البطالة أفضى إلى زيادة انفاق المستهلكين – وخاصة في ألمانيا – حيث كان الانتعاش أقوى وأطول.

ويحقق النمو معجزات، كما أن خفض الضرائب الأكبر يجعل خفض العجز المالي أكثر سهولة ويغذي التوظيف وانفاق المستهلكين الجانبين معاً، ومادامت أسعار النفط معتدلة واستمر النمو العالمي القوي فسوف تتحسن الأوضاع الاقتصادية في القارة الأوروبية، ولكن لسوء الحظ فإن مثل تلك التطورات لا يمكن أن تستمر إلى الأبد. والتهديد الثالث الأشد قوة بالنسبة إلى قدرة منطقة اليورو على الصمود في الأجل الطويل يتمثل في التباين بين مدى مؤسساتها الاقتصادية والسياسية.

ولا توجد مؤسسة أوروبية تتمتع بالشرعية الديمقراطية لحكومة وطنية، وقد دفعت الأزمة إلى إصلاح مؤسساتي أوروبي في ميادين مثل الاشراف المصرفي ولكنها ركزت أيضاً السلطة في أيدي مؤسسات غير منتخبة مثل البنك المركزي الأوروبي على الرغم من التأثير المالي الذي تمت مناقشته من قبل رؤساء الحكومات. ومن دون مؤسسات سياسية جديدة فإن الرئيس الفرنسي ماكرون يطرح الصورة ذاتها لميزانية منطقة اليورو ولوزارة المالية على حد سواء.

وترتبط منطقة اليورو بقيود سياسية ومن بين ارث الأزمة المالية توجد الأحزاب الوطنية في شتى أنحاء القارة المتجذرة في غضب من السياسيين الأوروبيين غير الخاضعين للمساءلة. كما أن أي حركة نحو تكامل أوروبي أكبر تعطي صدقية لتحذيراتهم من فقدان السيادة، ولكن الفشل في الاتفاق على مثل تلك الإجراءات يثير المخاوف من تفاقم الانكماش المقبل الذي يخدم أيضاً الأحزاب الوطنية.

لقد كلف عقد من الألم أوروبا قدرتها على الترويج للتكامل كقوة من أجل الازدهار، وإذا لم تستخدم القارة فرصتها الحالية لإعادة ترتيب نفسها فإن الحصيلة سوف تكون تراجعاً وليس لحظة انتصار لتمكينها من بناء منطقة يورو قادرة على البقاء.