تركيا... والعالم العربي (2-2)

  • 09-11-2017

يتحدث د. سليم في ندوة الحوار العربي- التركي عن "العوامل المعطلة" التي تعرقل السير قدماً في المشاركة الاستراتيجية العربية- التركية فيرى منها ثلاثة:

أ- الثقافة الاستراتيجية التركية، حيث إن من ضمن عناصرها مفهوم الابتعاد عن القضايا الشرق أوسطية، إلا في حالة الاضطرار، فإلى أي حد تستطيع أي قيادة تركية تغيير هذه الثقافة؟

ب- الرؤية التركية للترتيبات الشرق أوسطية، ففي حين ترى تركيا أنها جزء من الترتيبات الاقتصادية الشرق أوسطية، فإنها ترى أنها ليست جزءاً من أي ترتيبات أمنية في الإقليم ذاته، وبالذات فيما يتعلق بضبط التسلح، فهي ترى أنها بحكم عضويتها في حلف الأطلسي، جزء من الترتيبات الأمنية لهذا الحلف.

ج- المعضلة الإسرائيلية، حيث يختلف المنهج التركي في التعامل مع إسرائيل، فلتركيا، يقول د. سليم، "علاقات تعاون عسكري مع إسرائيل دشنتها الاتفاقية الموقعة بين الدولتين عام 1996 تشمل المناورات العسكرية وتوريد السلاح ونقله إلى تركيا، فضلاً عن "مشروع القرن" الذي يقضي بمد خطوط النفط والغاز والكهرباء والمياه من ميناء جيهان التركي إلى ميناء عسقلان، ومنها إلى إيلات، ومنها إلى جنوبي آسيا كذلك، فتركيا لا تعتبر علاقاتها الجديدة مع العرب بديلاً لعلاقاتها مع إسرائيل، وهي حين تدين السلوك العدواني الإسرائيلي، فإنها تفعل ذلك من منطلق "إنساني" وليس من منطلق سياسي".

ويضيف د. سليم أن تركيا "لا تعادي إسرائيل، وليست على استعداد لاتخاذ إجراءات للضغط على إسرائيل، بل إن إسرائيل هل الطرف الذي يستطيع الضغط على تركيا، مما يقلل من أهمية تركيا في حل الصراع العربي- الإسرائيلي، إلا من خلال بذل المساعي الحميدة، والخلاصة أن المسار العام للعلاقات العربية- التركية ليس ممهداً.

ثم فُتح باب النقاش والحوار بعد انتهاء المحاضرة!

اقترح رئيس مجلس دراسات الوحدة العربية، راعي الندوة، "خير الدين حسيب"،"ألا يطلب العرب من تركيا أن تختار بين علاقتها مع العرب، وعضويتها في الاتحاد الأوروبي"، وأضاف منبهاً أن "عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي يمكن أن تفيد العرب في دعم قضاياهم فيه"، وعن الجانب السلبي من الذكريات بين العرب والترك، والمرارة في العلاقات العربية- العثمانية قال: "أنا أشرت في كلمتي الافتتاحية إلى أن الماضي، بحلوه ومره، لا نستطيع تغييره، مهما فعلنا، ولكن نستطيع أن نأخذ منه العبر للمستقبل، وأمامنا تجربة الاتحاد الأوروبي، إذ دخلت فرنسا وألمانيا حروباً فيما بينهما، ولكنهما الآن عضوتان في الاتحاد الأوروبي".

وعلق د. حسيب كذلك على ورقة د. محمد السيد سليم وموقع تركيا في الخيرات الاستراتيجية العربية، وقال إنه قبل أن نناقش قضية كهذه "يجب أن نتفق نحن العرب على ما نريد وما لا نريد. لا يوجد هناك موقف عربي موحد، وهي حقيقة مرة، نأمل أن تكون مؤقتة".

وماذا عن القضية الكردية كمشكلة تركية- عربية؟ قال: "أعتقد أنه يجب أن يُعطى الأكراد في العراق حكماً ذاتيا موسعاً، لأن العراق لا يستطيع أن يعطي الأكراد داخل البلاد حكومة مستقلة، أو حق تقرير المصير... إلخ، لأن هذا سيؤثر أمنيا في العراق، باعتبار تركيا وإيران تعارضان أي حكومة مستقلة للأكراد، ولأن أي حكومة مستقلة للأكراد ستكون مطوقة من تركيا وإيران وسورية والعراق، ولن تستطيع أن تعيش، وستشكل خطراً أمنياً على العراق، لكن، إذا ما أتيح لكردستان كاملة، في تركيا وإيران وسورية والعراق، أن تقرر مصيرها، فإنه يحق للأكراد إذ ذاك أن يقرروا الاستقلال، أو البقاء في الدول التي ينتمون إليها".

وأثنى د. أسامة الغزالي، من مصر، على مكانة تركيا، وقال إن أحداث سبتمبر 2001 "أتاحت لها فرصة ذهبية للقيام بدور ريادي في العالم الإسلامي، ودور قيادي في صراع الحضارات".

وأضاف د. الغزالي "أن أفضل ما في تركيا اليوم هو أنها تقدم نموذجاً مشرفا للديمقراطية الحقيقية في مجتمع إسلامي، إنها تبرهن على أن الديمقراطية ممكنة، ويمكن أن تترسخ في العالم الإسلامي"، وناشد د. الغزالي تركيا "أن تؤدي دورا أكثر إيجابية في دعم وتشجيع الديمقراطية في الوطن العربي والعالم الإسلامي، ولا تترك هذه المهمة فقط للأميركيين والأوروبيين".

وأثار د. محمد جمال باروت، من سورية، سؤالا عن مواقف تركيا: "هل هذه هي سياسة حكومة حزب العدالة والتنمية والائتلاف الذي تستند إليه؟ أم هي سياسة الدولة التركية؟"، ونبة إلى أن التأسيس العميق لاتجاهات السياسة التركية الجديدة تجاه الدول العربية تحتاج إلى مأسسة. هناك مشكلات ملحة: المياه، الأملاك، الأراضي، الحدود النهائية بما فيها موضوع لواء الإسكندرون، تحتاج إلى حل، لكن بأسلوب مختلف تتحقق في مصلحة الطرفين".

وشكّك د. باروت في نظرة النخبة التركية إلى مثل هذه الأمور، وقال إن لديها ثقافة "لا تعترف بالمشكلات الداخلية التي نتجت من قيام الجمهورية التركية في مجتمع معقد إثنياً، ويتميز بتعدديته الثقافية الكبيرة، الحدود السياسية لم تكن مطابقة للحدود الثقافية".

وتساءل أحد المشاركين في الندوة من الأتراك: "إنني أرى أن إخوتنا العرب قد أُصيبوا بعدوى المرض الذي نعانية في تركيا، حيث يتم الحديث عن علاقات استراتيجية، ألا يمكننا بدء علاقات طبيعية؟ هل من الضروري أن تكون علاقاتنا استراتيجية؟

وتحدث باحث تركي آخر عن استطلاع أُجري في تركيا لمعرفة نسبة الأتراك المؤمنين بأن "العرب قد طعنوا الأتراك في ظهورهم" في زمن الدولة العثمانية! وأضاف، لقد "وصلنا إلى النتيجة التالية: 75% من الشعب التركي لا يؤمن بهذا الطرح، رغم أنه تم تبنيه بشكل رسمي في تركيا واستنتجنا أن نسبة الذين يؤمنون بذلك تزداد يبن الذين تلقوا تعليماً عاليا والطبقة الوسطى في المدن... عامة الشعب لا تؤمن بذلك".

وتحدث باحث تركي آخر عن علاقات تركيا التجارية، فقال ملاحظاً إن الشرق الأوسط يفتقر إلى التجارة البينية، وأكبر شريك تجاري لتركيا هو من خارج المنطقة، وقال إن أبرز شركاء تركيا هي إيران التي تصدر لتركيا الغاز الطبيعي وإسرائيل، من حيث تنوع البضائع الصناعية.

وجاء في رد د. محمد سيد سليم أن العلاقات المطلوبة بين تركيا والعالم العربي هي "العلاقات الاستراتيجية" لا الطبيعية: "إذا كان النقاش هو حول العلاقات الطبيعية، فإن هذه الندوة ما كان لها أن تُعقد، لأن هناك بالفعل علاقات طبيعية عربية- تركية، ويشمل ذلك علاقات دبلوماسية، وتجارية، واستثمارات، وعمالة وغيرها، ولكن النقاش في الندوة يدور حول ما هو أكثر من ذلك، أي العلاقات الاستراتيجية".

وفسر أبعاد هذه العلاقة بأنها "العلاقات التي تتسم بأنها علاقات متعددة الأبعاد في إطار منظومة متكاملة وتوجه مستقبلي بعيد الأمد يحقق مصالح جميع الأطراف، تشرف فيه مؤسسات دائمة نسبياً. هذا هو الشكل من العلاقات الذي نشأ بعد نهاية الحرب الباردة، مثل العلاقة بين دول الاتحاد الأوروبي، فالعلاقات الطبيعية هي ما تريده إسرائيل مع العرب، ولكن العلاقات الاستراتيجية هي ما يريده العرب والأتراك من بعضهم البعض"!