«الكتابة وشغف التلقي»

  • 08-11-2017

هو المنعطف! لا تدري لما ساقكَ القدرُ إليه!

طفلٌ كنتَ تلهو بالسباحة حيناً، وبالركض خلف كرة القدم حيناً آخر، ويعلو صوتك بالصراخ واللعب مع أقرانك في البراحة الترابية قرب بيتكم في منطقة شرق حيناً ثالثاً، ويأخذك خوفك من غضب أبيك، فيطير بك راكضاً إلى المسجد حين يترفع أذان المغرب. ينقبض قلبك لحظة الغروب. تنتبه إلى أن السماء تذرُّ رماد ظلمتها بهدوء وصمت مريبين، ولحظتها تبدأ خيالات الليل المُضخّمة تستعد للبس عباءاتها المخيفة.

في طفولتك كنتَ تجلس مصغياً لقصص عمتك الضريرة، وتشارك أمك وإخوتك الجلوس حول دائرة الاستماع لشيء من قصص والدك الدينية. تصيخ السمعَ، ويملأ الخيال قلبك بما تبوح به عمتك، وما يقصّه أبوك.

هو المنعطف! لا تدري لما ساقك القدرُ إليه!

ربما كنتَ بين الثانية والثالثة عشرة يوم أكملتَ قراءة أول رواية في حياتك، رواية "الأم" للكاتب الرواسي مكسيم غوركي (1) حينها ما كُنتَ تعرف معنى للقراءة، ولا كان لكَ من علاقة بالكتاب. حينها ما كان قلبك الصغير يعرف عشقاً ولا شغفاً بتلك الباهية. فمن ذا الذي يأخذ طفلاً من شاطئ بحرٍ رملي في منطقة شرق، ليقذف به قرب نهر متجمد في مدينة بطرسبورغ؟ وما الذي يفتّح وعي طفل على شأن الحياة الأكبر، على شيء من التدافع والحماسة والذهاب لمغامرة لنيل الحق؟ وأخيراً من تراه ذاك الذي مسَّ لحم قلبك الطري، فلوّنه بما يشبه العشق؟

هو المنعطف! لا تدري لما ساقك القدرُ إليه!

رواية "الأم" أشعلت جذوة شغف القراءة في قلبك، وحدّثتَ قلبكَ الصغير: هناك سرٌ يقبع خلف المنعطف. كأن شيئاً ينادي عليك أيها "الطالب" الصغير. ولأنك تحمل شيئاً من فضول، وربما شيئاً من صنع قدرك، سرت خلف ذاك الشغف. وكان أن بدأتَ رحلة قراءاتك ولم تزل تركب قطارها المنطلق!

مع شغف القراءة انكشف لك اللون الأبيض عن الأزرق عن الأخضر وعن الأحمر القاني. مع القراءة بقيتَ ترقبُ شروقاً يزيح الظلمة منادياً على الشمس الغافية. وبالقراءة تعرفتَ على شغفٍ مجنون يسوق الفتى منذ صغره خلف حضور ورائحة المرأة الأم والأخت والحبيبة، وخلف مغامرة الحياة الطازجة.

هو المنعطف، خلسة تشكّلت المعادلة أمامك؛ اما لهفتك وانشغالك بلهو لحظة الحياة العابرة، واما شغف وحدتك بالقراءة. كنه اللحظة الأعظم أنها لا توزع نفسها أبداً بين شغفين، ولا بين مكانين، ولا حبيبين! كان على قلبك الصغير أن يقرر، ودون أن تختار أندسَّ شغف قراءة الكتاب في خفق قلبك، وصرتَ تسير به خطو الطريق. ووقتها ما دار بخلدك أن سطراً ينتظرك، وأن قصة قصيرة ترقبك، وأن رواية ترنو إليك!

هو المنعطف! لا تدري لما ساقك القدرُ إليه!

شيءٌ كالدبيب مسَّ فكرك، وأدخل الوسواس لقلبك؛ يوم بدأت بكتابة قصتك القصيرة الأولى... كتبتها، وأعدت كتابتها مرة، ومرتين، وثلاثا، وخمسا... شهر وشهران وأنتَ تكتبُ وتنحتُ قصتك القصيرة، وكان أن نشرت أول قصة قصيرة لك بعنوان "إن شاء الله سليمة" (2) ولحظتها داخل فكرك شغف آخر، شغف مختلف، شغف مملوء بالهواجس والخوف من القارئ والانتظار.

شتان بين شغفٍ وشغف؛ شغفٌ مملوء بمتعة ملوّنة، وشغفٌ يطفو فوق سطح بحرٍ بموج وعصف وترغّب مخيف.

شتان بين شغف القراءة، وشغف الكتابة. وشتان بين عيشٍ تهدهد القراءة لحظته، وتنادي عليه الكتابة لموعدها السري.

بي شغفٌ للقراءة؛ شغفٌ للسير في دروب حياةٍ لا أعرفها.

بي شغفٌ للكتابة؛ شغفٌ لرسمِ دروب حياةٍ أعرفها، وأتمنى نقلها إلى القارئ.

بي شغفٌ للقراءة؛ شغفٌ كي أبقى حيّاً متجدداً.

بي شغف للكتابة؛ شغفٌ لبثِّ نبضٍ في قطعة حياة فنية أهديها للقارئ.

بي شغف للقراءة؛ شغف يُعينني على تحمّل حياة أعيشها بقسوتها واضطرابها ولا عدالتها.

بي شغف للكتابة؛ شغف لكتابة تُمتع القارئ وتعينه على تحمّل وجع واضطراب وقسوة لحظته.

بين شغف وشغف أحيا يومي.

شغف القراءة مخدة وثيرة تُبعد التعب، وشغف الكتابة أرق يسلبك راحة قلبك.

هو المنعطف! لا تدري لما ساقك القدرُ إليه!

هو المنعطف! ساقك القدرُ إليه لتكون أنتَ؛ القارئ والكاتب!