معضلة الإصلاح العربي!

  • 06-11-2017

مجتمعات عديدة، إسلامية وغير إسلامية، عانت طويلاً أوضاعاً، أسوأ من أوضاع المجتمعات العربية ونجحت بالإرادة الحازمة والإدارة الكفؤة في أن تتجاوز أوضاعها المتخلفة، لتصبح مجتمعات مزدهرة سياسيا وتنمويا وتعليمياً، في حين لم تنجح معظم المجتمعات العربية في تجاوز أوضاعها المتردية، لا سياسياً ولا اقتصادياً ولا اجتماعياً ولا تعليميا.

من التساؤلات المحيرة والمؤرقة: لماذا لم تحقق مشاريع الإصلاح في المجتمعات العربية، أهدافها؟! وما العوامل المعوقة لخطط ومشاريع الإصلاح؟! إذا تفهمنا وجهة النظر المبررة للإخفاق العربي أن هناك معوقات داخلية وخارجية، حالت دون نجاح المجتمعات العربية في تحقيق الإصلاح المنشود، فإن هناك سؤالين ملحين هما:

1- هل يتصور أن يستمر تلك المعوقات أكثر من نصف قرن، ولا نفلح في معالجتها، رغم تقلبات السلطة بين قوميين (مصر، والعراق، وسورية، وليبيا) ويساريين (اليمن الجنوبي) وإسلاميين (السودان)؟!

2- مثل تلك المعوقات، واجهت المجتمعات الأخرى، أيضا، فكيف نجحت ولم ننجح؟! يتساءل المفكر اللبناني علي حرب، مندهشاً: هل يعقل بعد قرن من المناداة بالحرية والاستنارة والعقلانية، أن نجد أنفسنا عند درجة الصفر؟! ويجيب متسائلاً: ألا ينبغي أن يكون هذا التراجع، مدعاة لمراجعة ما نظنه أو نعتقده "ثوابتنا الفكرية" وإلى إعادة النظر فيما نتصوره "قضايانا الكبرى" وإلى نقد "مشاريعنا الفكرية والسياسية والثقافية"؟! كل هذه التساؤلات تدعونا إلى القول: إن معضلة الإصلاح العربي هي في الأساس معضلة تشخيص، قبل أن تكون معضلة حلول ومعالجات، وهذا ما تشير إليه كتابات مفكرين: علي حرب، وعبدالإله بلقزيز، وجورج طرابيشي، وإبراهيم البليهي، وعبدالله الحامد، ولنأخذ قضية: لماذا لم تثمر الديمقراطية في الأرض العربية، نموذجاً؟ لقد تحمسنا جميعاً للديمقراطية، وكان أكبر دعاتها خالد محمد خالد، رحمه الله تعالى، في كتابه "الديمقراطية أبداً"، وآمنا بها حلاً سحرياً لمشاكلنا، ودواء ناجعاً لأدوائنا! وراهنا على إصلاح "النظام السياسي" مثلما راهن الفقهاء القدامى، طويلا على صلاح "الحاكم العادل"، ظناً أنه "بصلاح الحاكم تصلح الرعية"، ثم اكتشفنا بعد نضال طويل من أجل الديمقراطية، أنه لا حل سحرياً لمشكلاتنا، وأن العلاقة بين الحاكم والمجتمع ليست علاقة القلب بالأعضاء، إن صلح الحاكم صلحت الرعية، إذ لا يكون المجتمع صالحاً والحاكم وحده هو الفاسد، العلاقة تبادلية كما يقول الحامد، فلا يكفي إصدار الدساتير، ولا المؤسسات السياسية الحديثة: حكومة وبرلماناً وأحزاباً سياسياً، وصناديق انتخابية، وصحفا حرة، وحتى قضاء مستقلا، لأنها، جميعاً، ستتحول في النهاية إلى "غطاء شكلي" للأوضاع السائدة، يقول طرابيشي: لقد فهم العرب الديمقراطية أنها ثمرة برسم القطف، لا بذرة برسم الزرع.

يوضح بلقزيز:

1- أن أزمة الديمقراطية ليست أزمة نظام سياسي مستبد فحسب، وإنما هي أيضاً أزمة البديل السياسي المعارض، المعارضات السياسية العربية كافة رديف للنخب الحاكمة التي تعارضها.

2- أنه لا سبيل إلى ديمقراطية دون ثقافة ديمقراطية: في البيت، والأسرة، والمدرسة، والإدارة، والحزب، والمجتمع المدني، فالذين يديرون الدولة، لا يهبطون من السماء، وإنما يخرجون من القاع الاجتماعي، وما لم يتلقوا تربية ديمقراطية، فلا سبيل كي يصيروا ديمقراطيين، وإذا كان صحيحاً أنه: لا ديمقراطية دون ديمقراطيين، فكذلك لا ديمقراطيين دون ثقافة ديمقراطية.

ويتساءل بلقزيز: ما الذي يمنع قيام نظام ديمقراطي عربي، بعد نجاح "ثورات" في إسقاط أنظمة فاسدة؟ قد يكون المانع، سياسياً: تجذر الاستبداد في المجتمع: سلطة ومعارضة، لكنه أيضاً بسبب غياب الشروط التحتية (الثقافية والاجتماعية) للديمقراطية، لا تربية ديمقراطية دون ثورة ثقافية، وإصلاح ديني، وتعليم عقلاني نقدي، ولكن كيف السبيل إلى ثقافة ديمقراطية إذا كان التعليم والإعلام محكومين بالثقافة السائدة، يعيدان إنتاج الأوضاع المتخلفة؟

وهو تساؤل طرحه البليهي، في كتابه الفذ "حصون التخلف" وأجاب عنه، المفكر الكويتي طالب الرفاعي، بكلمة واحدة: نسف قواعد التعلم والمدرسة والمناهج القائمة، والبدء بطرق تدريس ومعارف مختلفة ومدرسين يحملون فكراً مختلفاً.

أخيراً: يقول المولى تعالى "إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ"، وتغيير ما في الأنفس والعقول لا يتأتى إلا بنهضة ثقافية وتغيير اجتماعي، وتلك رسالة المثقفين الحقيقية، لأن معضلة الإصلاح معضلة ثقافية.

* كاتب قطري