بين حرية الإعلام... ومسؤوليته

  • 05-11-2017

يؤدي الإعلام دوراً جوهرياً في صيانة المصالح القومية، ليس فقط من خلال أداء وظائفه الأساسية المتمثلة بالإخبار، والتعليم، والتثقيف، والترفيه، وغيرها، ولكن أيضاً عبر تحقيق الاندماج الوطني، والإسهام في عملية التنمية، وتعزيز المشاركة والمساءلة والممارسة الديمقراطية.

وبموازاة هذا الدور الإيجابي لأي منظومة إعلامية وطنية، تبرز بعض الممارسات التي تخالف المعايير المهنية، والتي يمكن أن تُعرّض الأمن الوطني والسلم الأهلي والتماسك الاجتماعي لمخاطر.

يتفق باحثون إعلاميون على أن هناك عدداً من الأخطاء الكبرى التي يمكن أن تقع فيها وسائل الإعلام في أي منظومة إعلامية وطنية أو وافدة؛ وهي أخطاء تنجم عنها مخاطر شديدة، ويمكن تحديدها في الممارسات التي تقود إلى الفتنة الطائفية، والتمييز بين المواطنين على أساس العرق أو الجنس أو الدين أو الانتماء الجغرافي، والتحريض على العنف، والدعوة إلى الكراهية وتمجيد الحروب الهجومية، وانتهاك الخصوصية، والطعن في الأعراض، والتغرير بالنشء، وازدراء الحقائق العلمية، وإشاعة مفاهيم الخرافة، والإضرار غير الموضوعي بالعلاقات الخارجية للدولة، أو نشر المعلومات المصنفة سرية ذات الصلة بالأمن الحربي، وإهانة المقدسات والرموز.

لكن جهود الدولة لضبط الأداء الإعلامي وتطويق تداعيات الممارسات الخاطئة تبدو محل جدل كبير لا ينقطع، خصوصاً أن تلك الجهود تتقاطع مع مفاهيم راسخة في مجالي حقوق الإنسان وحرية الإعلام من جهة، كما أن بعض الدول تستغل حالات الانفلات الإعلامي لفرض قيود على الممارسة الإعلامية من دون مبررات موضوعية من جهة أخرى.

ستظل القدرة على حماية الأمن القومي من دون تفريط في الحريات وحقوق الإنسان، وبينها الحق في المعرفة، وفي التعبير عن الرأي، مطلباً شديد الحيوية في أي مجتمع رشيد.

ولأن جزءاً من السيادة الوطنية يتعلق بالسيادة على المجال الإعلامي، فقد ظهر اتفاق واضح بين كثير من الباحثين على أن الحكومة في أي دولة ذات سيادة مطالبة بأن تتخذ الإجراءات اللازمة حيال وسائل الإعلام الداخلية والخارجية التي تستهدف قيم الأمة الحيوية ومصالحها وأمنها القومي.

يظل هذا التدبير الحكومي جزءاً من مسؤولية حماية أمن الدولة والمواطنين والخصوصية والكرامة الإنسانية والوحدة الوطنية والتماسك الأهلي والآداب وحقوق النشء والفئات المهمشة والضعيفة.

وتظل قدرة كل دولة على أن تمارس تلك المسؤولية دون أن تجور على حرية الرأي والتعبير مناط الاهتمام والتقدير.

تتزايد خطورة أنماط الأداء الحادة والضارة لوسائل الإعلام مع بروز دور الوافد الجديد المتمثل بوسائل التواصل الاجتماعي؛ التي تشير بعض الأدبيات حول دورها إلى أنها أصبحت بمنزلة ساحة للصراعات ذات الطابع العنصري أحياناً، وأداة للتثوير والتحريض على العنف في أحيان أخرى، فضلاً عن استخدامها من قبل جماعات متطرفة في عمليات التجنيد والتعبئة.

يفيد أي تحليل دقيق لمحتوى معظم وسائل التواصل الاجتماعي في أوقات الأزمات والاضطرابات وأعمال العنف أن تلك الوسائل تؤدي دوراً تأجيجياً في بعض الأحيان، خصوصاً أن المستخدمين عادة ما يكونون في مأمن من ملاحقة السلطات رغم ارتكابهم جرائم التحريض وإشاعة الكراهية.

وفي عام 2010 جرت وقائع قصة مهمة في هذا الصدد؛ فقد حاول أحد المواطنين البريطانيين ويدعى بول تشامبرز أن يمازح متابعيه البالغ عددهم 650 شخصاً على موقع "تويتر"؛ فغرد قائلاً: "سأنسف مطار روبن هود!!". لكن السلطات البريطانية أخذت مزحته على محمل الجد، فأدانته بشكل أولي بتهمة "استخدام نظام الاتصالات العامة في التهديد"، وفقاً لقانون الاتصالات لعام 2003.

لقد تم إسقاط التهمة عن تشامبرز في مرحلة الاستئناف، لكن مواطنه فان بريان مُنع من دخول الولايات المتحدة الأميركية لمجرد أنه غرد على حسابه في "توتير" قائلاً: تفرغوا هذا الأسبوع لنميمة سريعة... سأذهب إلى أميركا وأدمرها".

وفي بعض الدول الغربية الكبرى مثل بريطانيا وألمانيا، تم توقيف أشخاص خلال السنوات الفائتة بسبب تدوينات أو "تغريدات" اُعتبرت محرضة على العنف، فضلاً عن مئات الناشطين والمدونين الذين يتعرضون للسجن في دول العالم الثالث بسبب المواد التي يقومون ببثها عبر صفحاتهم.

في مقابل الميزات الكبيرة التي تتيحها مواقع التواصل الاجتماعي لمستخدميها، خصوصاً على صعد السرعة والإيجاز والبلورة وإمكانات البحث وقدرات التعبئة والتوجيه، ثمة الكثير من السلبيات والاعتوارات؛ فتلك الوسائط لا تُخضع المحتوى الذي تبثه لأي شكل من أشكال التقييم أو المراجعة، ولا تُلزم من يبث هذا المحتوى بأي قدر من الالتزام، سوى ما يقرره طوعاً لذاته.

يسهل جداً نقل الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي من دون أي قدر من التوثيق، ويندر جداً استخدامها منسوبة إلى أصحاب الحسابات التي تم بثها من خلالها، وكثيراً ما يتم نقلها باعتبارها "حقائق لا تقبل الدحض"، كما يسهل طبعاً أن يتنصل صاحب الحساب من الرأي أو المعلومة أو التقييم الذي بثه قبل قليل بداعي أن "الحساب تمت سرقته"، أو أنه "لا يمتلك حساباً في الأساس"، ويزيد حجم تلك الاعتوارات، ويتفاقم أثرها في أوقات الحروب والنزاعات.

لا تتسامح الدول الغربية الكبرى في المخالفات التي تمس أمن الدولة والمواطنين بداعي الحفاظ على حرية الرأي والتعبير.

ومع ذلك سيكون من المناسب جداً توضيح الحدود التي يمكن أن تعتبر فيها أي دولة أن ممارسة ما عبر وسائل الإعلام التقليدي أو الجديد "حرية رأي" أو "انتهاك للقيم"، لكن هذا لا يحدث بشكل دقيق في كل الأحوال.

إن الحق في حرية الرأي والتعبير وفي إعلام حر منفتح بلا أي رقابة أو تضييق، يستلزم صيانة جملة أخرى من الحقوق؛ على رأسها الحق في الخصوصية، وفي الحصول على معلومات سليمة غير مضللة، وعدم التمييز بين المواطنين، أو التحريض على العنف، أو بث الكراهية، وبطبيعة الحال الحق في صيانة المصلحة الوطنية وحماية أمن الدولة.

ستتصاعد الشكوك في سلوك الدولة حيال حرية الإعلام كلما كان هذا السلوك انتقائياً يكيل بعدة مكاييل، وسيسود الاعتقاد في سلامة منطلقات هذا السلوك كلما كان مستقيماً ومتسقاً وعادلاً.

* كاتب مصري