مخالفات المرور المصورة تواجه البطلان من المحاكم

في وقت أعلنت الإدارة العامة للمرور التابعة لوزارة الداخلية دخول الكاميرات الجديدة، التي وزعتها في عدد من الشوارع حيز التنفيذ، التي ستعمل على تصوير عدة مخالفات، منها عدم وضع قائدي المركبات لحزام الأمان أو استخدامهم للهواتف النقالة أثناء القيادة، تواجه الإجراءات التي أعلنتها الوزارة مخالفات أوردها قانون المرور، الذي لم يسمح بالاستعانة بأي كاميرات أو أجهزة لتحل محل المخالفات المرورية، التي اشترط القانون تحريرها من خلال محاضر مكاتب وليس مجرد تصوير من خلال كاميرات معلقة.

وفي حال قررت الإدارة العامة للمرور المضي قدماً في قراراتها بالاستعانة بكاميرات المرور لتحل محل المخالفات المرورية المكتوبة، فإن تلك المخالفات التي ستحرر ستكون عرضة للبطلان من قبل محاكم المرور فيما لو تمسك أي متهم أمام تلك المحاكم بإنكاره بوقوع تلك المخالفة، ودفعه ببطلان السند الذي تقوم عليه تلك المخالفات، لعدم اتفاقه مع أحكام قانون المرور، الذي يشترط تحرير المخالفة.

محاضر محررة

وأكد أستاذ القانون الجزائي في كلية الحقوق بجامعة الكويت د. فيصل الكندري أن المادة 46من قانون المرور نصت على أن تكون المحاضر المحررة من قبل رجال الشرطة في الجرائم، التي تقع بمخالفة أحكام هذا القانون أو اللوائح والقرارات المنفذة له حجة بالنسبة لما ورد فيها من وقائع إلى أن يثبت العكس، لافتاً إلى أن المادة السابقة جاءت ضمن مواد الأحكام الختامية لقانون المرور، مما يعني أن الشرطي، إذا ما شاهد مخالفة لأحكام قانون المرور، فإنه يقوم بتحرير محضر ضد المخالف يبيَّن فيه نوع المخالفة ومكان وزمان وقوعها، سواء تم استيقاف المخالف وقت المخالفة في حال وجوده أو لم يتم في حال عدم وجوده.

وأضاف الكندري أنه» إذا قام المخالف بالتوقيع على محضر المخالفة فلا يعد هذا إقراراً منه بصحة المخالفة، كما لا يعد رفضه التوقيع على المحضر تنصلاً منه من ارتكاب المخالفة أو عدم صحتها».

وذكر أن الهدف من ذلك التحرير لمحاضر المخالفات عن الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام قانون المرور بانها تتم من المختصين وفق ضوابط حكيمة ومعايير سليمة ليس فيها شبهة، كما أن تحرير محاضر المخالفات من رجال الشرطة يأتي لتنفيذ آداب وقواعد المرور.

وما إذا كان تحرير المخالفة المرورية يتطلب القيام بها من رجل الشرطة ولايمكن استبدالها بكاميرات التصوير، أكد الكندري أن تحرير المخالفة المرورية مباشرة كانت أو غير مباشرة يتعين تحريرها من قبل رجال الشرطة وفق حكم المادة 46 من القانون، التي بينت الإجراءات، التي يتعين إعمالها عند تحرير المخالفات.

وأفاد بأن المحكمة الدستورية العليا في مصر قضت برفض الدعوى المقامة طعناً على نص المادة 301 من قانون الإجراءات الجنائية التي تقضي باعتبار المحاضر المحررة في مواد المخالفات حجة بالنسبة للوقائع، التي يثبتها المأمورون المختصون، إلى أن يثبت ما ينفيها معتبرة أن المشرع استهدف من هذا النص ثقافة سرعة الفصل في القضايا، كما أنه اقتصر مجال أعماله على المخالفات وأعطى للمتهم الحق في إثبات عكس الوقائع المثبتة والمخالفات.

وأضافت المحكمة أن محضر المخالفات بما أثبته يخضع لسلطة النيابة العامة عند التصرف فيه بتقدير كفايته أو استيفاء ما يمكن أن يكون قد احتواه من أوجه القصور.

وأوضحت المحكمة أن مأموري الضبط القضائي عندما يقومون بأعمال وظيفتهم بالنسبة لتحرير محاضر المخالفات يخضعون لسلطة النيابة العامة في التوجيه والتقدير والإشراف، وهي التي تزن ما يثبت في المحاضر بما تقدر كفايته عند إصدار قرارها بالتصرف فيها... كما أن عدم قبول المتهم للأمر الجنائي أمام المحكمة يترتب عليه سقوط الأمر واعتباره كأن لم يكن، مما يتيح للمتهم محاكمة منصفة بالإجراءات العادية التي كفلها الدستور.

إلى ذلك، أكد عضو مكتب أركان للاستشارات القانونية المحامي أحمد الهندال، أن قانون المرور لم يسمح بإمكانية استبدال كاميرات المرور بتحرير االمخالفات المرورية مكان المحاضر، التي يتعين تحريرها كتابة، وسؤال رجال الشرطة للمخالفين عن المخالفات المرتكبة منهم وإثبات الإجابة المقررة عنهم بتلك المحاضر، التي تعد ضمانة من ضمانات التحقيق للمتهم في هذه الواقعة، لافتاً إلى أن القبول بتحرير المخالفات المرورية غير المباشرة هو استثناء غير مقبول من قبل رجال المرور لأنه يفتقد لعنصر المواجهة مع قائدي المركبات، فكيف الحال اليوم إذا ما شرعت الأجهزة في تصوير المخالفات غير المباشرة آلياً بما يخالف أحكام المادة 46 من قانون المرور، التي تشترط تحرير المخالفات كتابة.

وأوضح الهندال أن على الإدارة العامة للمرور بوزارة الداخلية المراجعة التشريعية في إمكان الاستناد إلى المخالفات المرورية، التي تتعلق بتصوير المخالفين غير المرتدين لحزام الأمان أو استخدام الهواتف النقالة أثناء القيادة لأن امتناع أي شخص عن دفع المخالفة والمطالبة بإحالتها إلى القضاء ممثلاً بمحكمة جنح المرور مع إنكاره الواقعة ودفعه ببطلان الإجراء المتبع بالتصوير لعدم تطبيق أحكام المادة 46 من قانون المرور فإنه سيرتب بطلان تلك المخالفات الواقعة لعدم التزامها بأحكام القانون الذي تطلب إجراء المخالفات عبر محاضر من قبل رجال المرور، ولم يسمح بالاستعانة بأي أجهزة تقوم مقام تلك المحاضر لإثبات واقعة المخالفة.

أدلة مدعمة

وعن إمكانية التذرع باعتماد إدارة المرور على كاميرات التصوير لإثبات مخالفات السرعة والمطبقة من سنوات، أكد الهندال، أن الكثير من الأفراد يلجأون إلى أمر الصلح ويقومون بدفع المخالفات عند إدارة المرور، كما أنه إذا صدرت الأحكام بحق البعض الآخر يقوم بدفع الغرامات ولايقوم بالطعن عليها والدفع ببطلانها، بالتالي فإن الأمر لايمنع من الطعن عليها هي وأي مخالفات في المستقبل بشأن مخالفتها أحكام القانون على نحو صريح وواضح، فضلاً عن أن التصوير من الناحية العملية إذا ما سلمنا ببطلانه من الناحية الإجرائية لعدم سلامته كوسيلة تقوم مقام المحاضر لايمكن اعتباره أداة للإثبات مسلم بها بل يمكن التخلص منها والدفع بعدم سلامتها مع إيراد الأدلة المدعمة لذلك أمام المحكمة.

بدوره، أكد المدعي العام بالإدارة العامة للتحقيقات د. نايف العتيبي أن المشرع الكويتي أضفى في المادة 46 من قانون المرور الصادر بالمرسوم بقانون رقم 67 لسنة 1976 حجية على المحاضر المحررة من قبل رجال الشرطة في الجرائم التي تقع بمخالفة أحكام هذا القانون أو اللوائح والقرارات المنفذة لما ورد فيها من وقائع إلى أن يثبت العكس.

وأضاف العتيبي أن المشرع بذلك يكون قد أقام حجية بسيطة قابلة لإثبات العكس من قبل المخالف تمسكاً بأصل براءته، مالم يعترف باقترافها أو متى ما أقام الدليل على ارتكاب المخالفة من قبل شخص آخر تطبيقاً لأحكام المادة 30 من القانون المشار إليه.

أصول دستورية

وأوضح أنه يدخل في هذا المفهوم أيضاً ما ترصده كاميرات الضبط المروري من مخالفات غير مباشرة يقوم على أثرها رجال المرور بتحرير محاضر عما تم رصده بحسب نوع المخالفة المرتكبة (سرعة - تجاوز الإشارة الحمراء - السير على كتف الطريق ... إلخ) وهو ما أراه مشروعاً ومتفقاً مع الأصول الدستورية والقواعد القانونية في سبيل الحفاظ على أرواح الناس وممتلكاتهم إذ إنها تعتبر من أعمال الاستدلال المشروعة، التي يجوز الالتجاء إليها كوسيلة مستحدثة مالم تكن مخالفة للآداب أو الإضرار بحريات الأفراد وحقوقهم بمدلول المادة (37) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية لما لها من أثر عظيم في ضبط الجرائم ومرتكبيها والحد منها، وهذا الذي أخذ به المشرع الكويتي أخيراً في القانون رقم 61 لسنة 2015 في شأن كاميرات المراقبة الأمنية، مع فارق أنه اعتبر تلك التسجيلات بمثابة دليل المادة (10) من القانون.

ضمانات دستورية

وذكر أن النص الكويتي يطابق ذات نص المادة (301) من قانون الإجراءات الجنائية المصري، وهو الذي اعتبر المحاضر المحررة في مواد المخالفات حجة بالنسبة للوقائع التي يثبتها المأمورون المختصون إلى أن يثبت ما ينفيها، والذي طعن عليه بعدم دستوريته، وقضت المحكمة الدستورية العليا في 2010/2/7 بدستورية النص (يراجع الطعن رقم 43 لسنة 49 قضائية - دستورية) وبالمناسبة لاتنال محاضر التحقيق المحررة من قبل النيابة العامة أو الإدارة العامة للتحقيقات هذه الحجية وفق مفهوم المادة (152) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية ولايخفى على رجال القانون الحكمة من ذلك كون المخالفات المرورية محدودة الأهمية وكفالة سرعة الفصل في القضايا متعاظمة الأعداد وعدم سقوطها بالتقادم التزاماً بحكم الدستور، بعد أن أقام النص القانوني للمخالف الضمانات الدستورية في دفع التهمة عن نفسه وعودة سلطة الاتهام عن قرارها أن ثبت لديها بالدليل عكسه، وأيضاً عدم غل سلطة القضاء من التقرير ببراءته.