تمهَّلوا في شأن القضاء

  • 29-08-2017

من مسؤولياتنا الدائمة التي لم نحد عنها أو نتجاهلها يوماً الدفاع عن الثوابت التي تحمي المجتمع وتحصنه، وأولها الذود عن القضاء وتأكيد استقلاليته وعدم التعرض للقضاة أو المساس بهم من قريب أو بعيد، خضنا لأجل ذلك معارك، ومستعدون لأن نخوض ما هو أشرس منها من أجل تلك الثوابت والمبادئ، ويشهد الجميع بتلك المواقف التي انتهجناها منهجاً راسخاً وثابتاً.

قبل أيام خرج علينا وزير العدل بتصريح يدعو إلى تعيين الباحثين القانونيين قضاة بعد مرورهم بفترة تدريبية لسد النقص، وأيده في ذلك المجلس الأعلى للقضاء.

غير أننا لا نرى في ما ذهب إليه الوزير وما وافقه عليه مجلس القضاء طريقاً صحيحاً... بل هو عبث بالجهاز القضائي وردود أفعال آنية، لم تأتِ ضمن منظور منهجي أو خطة طويلة أو قصيرة المدى لمعالجة الحاجة إلى تكثيف الجهاز القضائي وزيادة عدد القضاة، فهذا المرفق ليس كغيره من باقي مرافق الدولة التي ينادي الجميع بتكويتها، إنه ملاذ الناس من الظلم وحصنهم الذي يقيهم البطش والاستبداد والتعسف.

ولا ندري كيف تطابق رأي مجلس القضاء مع فكرة وزير العدل، إذ يفترض في الأول أن يحافظ بضراوة على استقلالية الجهاز القضائي، مع حرصه التام على أن يكون ذلك الجهاز بمنأى عن أي تأثير أو هيمنة من السلطة التنفيذية التي يمثلها الوزير بما لها من طموحات وتطلعات ومصالح؟!

إن تسييس التوظيف في السلك القضائي واختزال المراحل التي يتطلبها ويقتضيها منصب القاضي يمثلان قفزاً غير مسؤول، أو على الأقل غير محسوب، إلى ما من شأنه الإخلال بميزان العدالة... وهما عبث لا تحمد عقباه، المواطن هو من سيدفع ثمنه.

قوام القضاء العدل، ولا عدل بين الناس ما لم يكن ذلك المرفق، بكل هيئته، مستقراً راسخاً... كما أن نصوص القانون ثابتة، وفي دولة المؤسسات لا يجسر أحد على تغييرها، إلا بحسب ما يطرحه الواقع من قضايا ومسائل تتغير بتغير إيقاع الحياة، ومهمة القاضي إيجاد النص أو الاجتهاد في حدود المعايير المتعارف عليها لإعمال الحكم القانوني وإسقاطه على الواقعة محل النزاع أو الاختلاف... وحين يمارس القاضي عمله هذا يفترض أن يكون متسلحاً بثقافة قانونية عميقة وخبرات تراكمية راسخة توطدت في وجدانه على مدى زمن طويل.

وزير العدل، ويؤيده مجلس القضاء، يريدان اختصار مراحل إعداد القاضي، بل حرقها، وبدلاً من أن يستغرق ذلك الإعداد خمس سنوات من التدريب يقضيها في النيابة، ها هما سيختصرانها إلى سنتين فقط.

إن مثل تلك الإجراءات المقترحة قد تصيب مرفق العدالة بضرر يتعذر إصلاحه، فالقضاء ليس آلية جامدة لتطبيق النصوص، وإنما هو "فهم" عميق لروح تلك النصوص واستلهام العدالة في تطبيقها، واختصار مدة التدريب والتأهيل اللازمين للعمل القضائي، كما يجري عليه العمل حالياً، سيترتب عليه إهدار الكفاءة والتجربة اللتين يتعين أن تكونا من صفات القاضي، ويمر بهما عبر سنوات عمله الخمس وكيلاً للنيابة، ثم تدرجه بهذا المنصب وصولاً إلى منصة القضاء، كما أنه من المتصور أن فتح باب العمل القضائي بالشكل الذي طرحه الوزير قد يُدخل الاعتبارات السياسية في التعيين على حساب العدل والإنصاف وشرطَي الكفاءة والخبرة.

نحن نُكِنّ للسادة أعضاء مجلس القضاء كل الاحترام والتقدير، ولا نناقش هنا أحكاماً اتخذوها، لكننا نخالفهم الرأي في ما ذهبوا إليه من تأييد للوزير لحرق مراحل الإعداد الصحيحة للقضاة بحجتي تراكم القضايا، والتكويت.

وإذا كان تقييم تجربة مساهمة المرأة في سلك النيابة العامة قد أخذ أكثر من ثلاث سنوات، ولم ينتهِ بعد، فكيف سيكون إعداد الباحث القانوني قاضياً في سنتَي تدريب فقط؟!

كان حرياً بمجلس القضاء، وكذلك الوزير، البحث عن حلول تجنبنا أي تداعيات غير محمودة قد نندم عليها طويلاً، وفي مقدمة تلك الحلول التوسع في أعداد القبول السنوي لوكلاء النيابة، الرافد الأساسي لتعيين القضاة، ولا بأس من الاستعانة بالنساء اللاتي يعملن في منصب وكيل النائب العام بعد قضائهن الفترة اللازمة، لاسيما أنهن أثبتن جدارتهن في هذا العمل بعد أن كانت تلك الوظيفة مقتصرة على الرجال سنواتٍ طويلة دون سبب مفهوم... على غرار هذين الحلين يمكن أن نقترح ما نشاء بعيداً عن المساس بميزان العدالة، أما أن تكون هناك عجلة وتسرع وحماس غير مسؤول بتعيين من تنقصهم الخبرة فهذا قطف لثمار لم تنضج بعد، ولن يكون مذاقها إلا مراً.

إذا كان تصور وزير العدل أن تأخير بت القضايا هو أشد أنواع الظلم، فهناك ما هو أخطر وأكبر من هذا الظلم حين ينحرف القاضي، عن غير قصد، في تطبيق القانون لقلة خبرته وعدم كفاية تحصيله القانوني، ولا يصح أن يكون هدف تكويت مرفق القضاء أو ملء النقص في أعداد القضاة سبباً لإهدار العدالة وحكم القانون، فلنتمهل قليلاً.

الجريدة