بالحريات تدوم الأمم فلا تقيدوا المجتمع المدني

  • 16-08-2017

عادت الحكومة إلى عادتها المستمرة في تهديد جمعيات النفع العام والمجتمع المدني، وكالعادة على لسان "مصادر حكومية" كبالونة اختبار.

الموقف الحكومي المعادي للمجتمع المدني وحرياته ودوره ليس جديداً؛ فمنذ حل الأندية الثقافية في أواخر خمسينيات القرن الماضي وهي تُوجه الضربة بعد الأخرى وتُجهِز على هذه المؤسسات كلما حانت لها الفرصة، كما فعلت بعد حل مجلس الأمة عام 1976، بعد أن وقّعت أغلبية جمعيات النفع العام بياناً يطالب بعودة الحياة النيابية والعمل بالدستور.

هذه العداوة المتأصلة ضد أحد أهم ما يميز الكويت تأتي من قناعة راسخة لدى الحكومات المتعاقبة التي تضيق ذرعاً بأي ممارسة للحريات والمكتسبات الدستورية؛ فقد دأبت وزارات الشؤون، مراراً وتكراراً، على تغيير قانون جمعيات النفع العام 24/1962 لتفرض مزيداً من القيود عليها، وعلى الرغم من سوء هذا القانون الذي يعد مخالفاً لنصوص الدستور في كثير من مواده المقيدة لعمل الجمعيات، فإنه يبقى أفضل نسبياً من كثير من مقترحات التعديل التي تبنتها الحكومة، سواء عن طريق وزارة الشؤون تارة، أو من خلال المجلس الأعلى للتخطيط تارة أخرى، فضلاً عن المقترحات التي تبناها بعض نواب مجلس الأمة السابقين وبعض الجمعيات المرتبطة بوزارة الشؤون.

الحجة الحكومية المتكررة هي نص مادة من قانون 24/1962 تمنع الجمعيات من العمل بالسياسة، هذه المادة وُجِدت في القانون لتبقى سيفاً مصلتاً على رقاب الحريات لتستخدمها الحكومة متى شاءت وضد من تشاء، وهو ما يجعل إلغاءها وحذفها من القانون واجباً مفترضاً على أي بلد ديمقراطي لا أن تستخدم كلما قررت الحكومة التضييق على الحريات التي كفلها الدستور.

فمَن وضع تلك المادة في القانون يعلم أنه استخدم كلمة مطاطة ليس لها معنى دقيق، ما يعد عواراً قانونياً ودستورياً، فالسياسة تدخل في كل أمور الحياة، وفي جميع أهداف جمعيات النفع العام والمجتمع المدني، فكل من جمعيات الأطفال إلى الجمعيات النسائية إلى تلك المهنية أو المعنية بحقوق الإنسان، لا يمكن لها أن تعمل من دون التدخل في السياسة، والحكومة تعلم ذلك جيداً.

إن حجة العمل بالسياسة أو التدخل فيها حجة واهية تتطلب موقفاً نيابياً وشعبياً قوياً لوقفها والدفاع عن الحريات التي تجسدها جمعيات النفع العام، كما تتطلب تعديلاً لقانون هذه الجمعيات يلغي تلك المادة المطاطة، وإلى أن يحدث ذلك على جمعيات النفع العام التقدم إلى المحكمة الدستورية للطعن على هذا القانون، كما يفترض أن يشرّع نواب الأمة قانوناً لتنظيم العمل السياسي في البلاد، سواء بتشريع الأحزاب التي تمثل عماد الديمقراطية وأوتادها أو بفتح المجال للجمعيات السياسية، على أن تكون هذه الأحزاب أو الجمعيات السياسية مبنية على أسس مدنية غير دينية ولا طائفية أو عرقية أو قبلية، هنا فقط يمكن لجمعيات النفع العام التركيز على مهامها المدنية التي هي العصب الرئيسي لوجودها.

لقد لعبت كثير من هذه المؤسسات المدنية أدواراً رائعة في الوقوف بوجه الانقلابات المتكررة على الدستور، كما وقفت وقفات مشرفة في الدفاع عن الحريات والحقوق الدستورية، كما كان لها دور أساسي وكبير أثناء احتلال الكويت، سواء في الداخل أو الخارج، ولعل هذه المواقف تستدعي التخليد والتقدير لا الهجوم والتهديد.

ويبقى الدور الوطني للمجتمع المدني راسخاً في تاريخ الكويت، منذ مرحلة ما قبل الدستور حتى إقراره، وهو دور ساعد وساهم مساهمة فعالة في بناء الدولة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.

وتطور دور المجتمع المدني، متمثلاً في جمعيات النفع العام، وهي المرآة التي تعكس نبض المجتمع، والتي تعبر عن طموحاته وتطلعاته، كما تعكس رضاه أو رفضه لما يمكن أن يفرض عليه.

فكيف ننسى دورها في المناداة بضرورة وجود دستور، ومواقفها في الدفاع عنه وحفظه وصيانته؟! وكيف ننسى مواقفها في الدفاع عن الحريات وحقوق التعبير، والدفاع عن المال العام؟! وهل ينكر جاحد مواقفها في الحفاظ على الوحدة الوطنية، أو معركتها لمنح المرأة حقها السياسي؟!

تقول الحكمة الصينية: "حين تشرب الماء تذكر من حفر البئر"، ونأمل أن تتذكر وزيرة الشؤون أنها لولا جمعيات النفع العام لما كانت وزيرة، فهي التي فرشت لها الطريق إلى الكرسي... آن الأوان لننظر إلى مستقبل البلاد، ولا نقف عند ردود أفعال انفعالية، فلم تتطور الكويت إلا عندما عملت بقبول الرأي الآخر، وهكذا حال الأمم المتطورة، وكفانا تفسير الأشياء وقراءتها بعدسات أمنية، وكفانا عودة إلى المحطات السوداء في تاريخنا، والتي كان الانقضاض على الحريات عنوانها، فلا تدوم أمم بلا حريات.

الجريدة.