الديمقراطية أمانة في أعناقكم فاحفظوها

  • 25-04-2017

حذرْنا كثيراً من عواقب سيل الاستجوابات وما يمكن أن يجرفه معه؛ فالاستجواب وطرح الثقة أو «عدم التعاون» أقوى أدوات الرقابة البرلمانية، وأمضى سيوف المساءلة وتشخيص المسؤولية، هذا ما أراده المؤسسون حين كتبوا الدستور ووضعوا مبادئه ومواده.

لكننا أصبحنا، وتحديداً هذه الأيام، نشهد استهتاراً نيابياً بتلك الأدوات، وهو عبث لا يخدم شيئاً أكثر من تأصيل كره الديمقراطية والكفر بها، بدلاً من الاقتناع بها والتمسك بأصولها، وبأدواتها الرقابية وقنواتها التشريعية.

تساءلنا قبل شهر، على هذه المساحة، عن سيل الاستجوابات والتلويح بها، سواء لرئيس الوزراء، أو لباقي أعضاء الحكومة، وقلنا إن «غياب الشفافية وغموض بعض المقاصد يجعلان خيوط الممارسة السياسية متداخلة ومعقدة؛ فالتسابق إلى إسقاط رئيس الوزراء وحكومته يطرح سؤالاً أكبر، وهو: هل لدى هؤلاء المستجوبين أجندات معدة سلفاً يعملون وفقاً لها؟».

وقد صدَق ما حذرنا منه، وما تساءلنا عنه، فها هم مستجوبو رئيس الوزراء يتحدثون عن إعداد كتاب «عدم التعاون» معه قبل مناقشة الاستجواب!

أليس الاستجواب مناظرةً ومساءلة علنية أمام الشعب يُقدِّم فيها النواب المستجوبون أدلتهم وبراهينهم، ويفصّل فيها رئيس الوزراء أو وزراؤه حقائقهم وردودهم، وعلى ضوء ذلك تكون الخطوة الثانية بالاكتفاء بالمناظرة أو تقديم كتاب عدم تعاون مع رئيس الوزراء، أو طلب طرح الثقة بأحد وزرائه؟ فكل هذا تحدده درجة الإقناع ومستوى الاقتناع بما تحمله المناظرة من نقاش وردود.

المتعارف عليه هو أن الحكم بعد المداولة، لكننا فوجئنا بحكم سبقها، وهو حكم مبيت وجاهز... أليس هذا استهتاراً بهذه الأداة الرقابية الراقية وعبثاً بقيم الديمقراطية ومناهجها؟ هل سنظل نردد، نحن - المؤمنين بالديمقراطية ككثيرين غيرنا - أن هذا السلوك هو سلوك من يريد وأدها من خلال مغالاة أو عبث، أو استهتار بتفعيل أدواتها تفعيلاً خاطئاً أو مشبوهاً؟!

كيف يمكن أن نفسر ما صرح به النواب المستجوبون لرئيس الوزراء عن إعدادهم كتاب عدم التعاون معه قبل أن يسمعوا ردوده؟ وكيف ذهبوا إلى أنه ليس هناك ما يقال أو ما يقنع؟

لم يكن المستجوبون حريصين على صيانة هذه الأداة الرقابية، وبات واضحاً أنهم جاءوا بأحكام وأهداف وأجندات معدة سابقاً، والاستجواب هو الطريق إلى تحقيقها، وهو طريق الإقصاء عندهم، وليس درباً للإصلاح وإيضاح حقائق الإخلال بالمسؤولية. إن الاستجواب حق للنواب، لكنه هنا أسيء استخدامه وبدأ يفقد قوته ومعانيه ومضامينه.

إن الديمقراطية أمانة في أعناق النواب قبل غيرهم، وهي أمانة في أعناقنا جميعاً، حكماً وشعباً، وعلينا أن نحميها من أنفسنا ونصون ممارساتها، لأن الإساءة إليها جريمة بحق الوطن قبل كل شيء... فلنحفظها عزيزة كريمة دون تجريح أو إساءة.

الجريدة