اختلاف الحضارات سبيل لتحالفها

نشر في 22-05-2014
آخر تحديث 22-05-2014 | 00:01
 أ. د. محمد جابر الأنصاري لولا ما أخذته الحضارة العربية-الإسلامية من الحضارات الأخرى لكانت لدينا اليوم حضارة هزيلة محدودة ليس لها مكانة بين الحضارات، فقد أخذ العرب المسلمون من حضارة الهند الحساب ومن حضارة الرومان التشريع، ومن حضارة الفرس الإدارة، ومن حضارة اليونان الفلسفة، فكان جماع ذلك الحضارة العربية الإسلامية التي مثّلت اليوم إرثاً حضارياً نعتز ونفتخر به، والإسلام يسمح بذلك ولا يمنعه.

وكان وراء هذا الاقتباس "رؤية الإسلام" وعقيدته، وكان الإسلام يتسامح في ذلك التراث الإنساني المتعدد والمتنوع، وقد نظرت العقيدة الإسلامية إلى هذا التراث باعتباره اجتهاداً، وللمجتهد إن أخطأ أجر، وإن أصاب أجران.

هكذا حض الإسلام على الاجتهاد، وكان لا يفّرق، إلا ما اتصل بأمور العقيدة، بين جهاد واجتهاد، وقد نظر الإنسان المسلم إلى عطاء البشر، عدا ذلك الاستثناء، بين التسامح والرضا. وقد ضاعت تلك المنجزات الحضارية التي اقتبسها العرب المسلمون من الحضارات الأخرى ولم يحافظوا عليها، ومرد ذلك إلى ضياع "العقيدة" التي جاء بها الإسلام، فهم كمن أضاع المقياس الذي يقيس به ماذا يأخذ وماذا يدع من الحضارات التي أمامه، فنشأ عن ذلك تخلف رهيب، فسبقتنا الأمم التي تمسكت بعقيدتها، وثوابتها.

إن التربية والتعليم شيء هام في وعي البشر الحضاري، وإذا كان عقل الإنسان رهناً بما تعلمه من علوم وما اطلع عليه من آداب، كان ذلك العقل مستعداً لتقبل ما تأتي به الحضارة، وما يأتي به التقدم الحديث، وقد نشأت في العقل المسلم "ثنائية" بين التقدم والإرث، ثم إن اتساع الوعي الحضاري من شأنه تنبيهه إلى مكانة أمته بين الأمم، والنضال العلمي الذي يتطلبه لتقليص تلك الفجوة.

وبسبب تلك "الثنائية"، انفصم الجسم العربي والإسلامي إلى نصفين، ماذا نأخذ، أو يجوز أخذه من الحضارة السائدة، وما لا يجوز أخذه من تلك الحضارة، كما أن الأخذ من تلك الحضارة، إذا تقرر، يتطلب جهداً وجهاداً علمياً، فالحضارات لا تعطي شيئاً من ذاتها، بل يجب بذل الجهد لامتلاك مقوماتها (*).

في الأندلس، وفي ظل الحضارة العربية–الإسلامية الجامعة، نشأت حركة علمية استفاد منها الأوروبيون، وكانت الترجمة من العربية إلى العبرية والفرنسية إحدى وسائلها، وقد برز اسم بن رشد في تلك الترجمات، وكذلك ابن ميمون اليهودي الذي بحث – كابن رشد– في التوفيق بين الإيمان والفلسفة، وقد ظهرت حركة بين الرهبان الفرنسيين باسم "الرشدية" في أبرز معاهدهم وجامعاتهم، ثم تحولت هذه القوة الحضارية إلى قوة سياسية، وهنا الخطورة، حيث تقاسمت القوى الغربية دولة الخلافة الإسلامية التي افتقرت إلى القوة ولم تقاوم، وكما أشرنا من قبل، فإذا افتقدت الأمة القوة الحضارية، لم تجد القوة السياسية شيئاً.

لأنه– كما أشير في البدء– وحيث تكون هناك قوة حضارية حاوية في جسم الحضارة الواحدة، سيكون لها ثقل سياسي كالثقل الحضاري، وإلا فلا تساوي بينهما.

***

(*) أقيم في البحرين بتاريخ 7 مايو الجاري، برعاية كريمة من جلالة ملك البحرين، مؤتمر "الحضارات في خدمة الإنسانية"، وقد قام كاتب المقال بالمساهمة بهذا العمل وتسليمه للقائمين على المؤتمر أصحاب المعالي، الشيخ خالد بن علي آل خليفة وزير العدل والشيخ خليفة بن حمد آل خليفة رئيس اللجنة المنظمة للمؤتمر، ولهم كل الشكر والتقدير.

* أكاديمي ومفكر من البحرين

back to top