صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4171

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

على الصين أن تؤدي دوراً قيادياً بشأن تلوث الهواء

  • 17-06-2019

91 % من سكان العالم معرضون لمستويات خطيرة من التلوث الهوائي، ومع وجود قوى عالمية تقليدية حاليا تسخر من المخاوف البيئية كالولايات المتحدة الأميركية وأستراليا فنحن بحاجة ماسة إلى قيادة عالمية بديلة، ولو أرادت الصين تولي هذا الدور فعليها حشد مواردها الكبيرة وقدراتها، وتعزيز التزامها بتطبيق حكم القانون.

تتوقع الأمم المتحدة أن يعيش 68 في المئة من سكان العالم في مناطق حضرية بحلول سنة 2050، وفي حين تصارع الحكومات لإدارة تدفق الناس للعيش في المناطق الحضرية، يجب عليها ألا تتعامل مع الاحتياجات الأساسية مثل الإسكان والتوظيف فقط، بل مع قضايا تؤثر أيضاً في الأحوال المعيشية والصحة العامة بما في ذلك تلوث الهواء.

إن هذا التحدي يعتبر أكثر إلحاحاً في آسيا، وفي الأشهر الأخيرة واجهت مدن مثل بانكوك وسيول وكاتمندو ودكا أحداثا كبيرة تتعلق بالتلوث، ولكن حتى عند مستوياتها العادية فإن 99 في المئة من المدن في جنوب آسيا و89 في المئة من المدن في شرق آسيا تتجاوز إرشادات التعرض الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، وفي سنة 2018 كانت آسيا موطنا لكل مدن العالم الثلاثين الأكثر تلوثا: 22 في الهند و5 في الصين و2 في الباكستان و1 في بنغلاديش.

وطبقا لمنظمة الصحة العالمية فإن الهواء الملوث مسؤول عن 7 ملايين وفاة مبكرة سنويا، علما أن نحو ثلثها تقريبا حصلت في منطقة آسيا- المحيط الهادئ- وفي الصين لوحدها فإن تلوث الهواء يتسبب في أكثر من مليون وفاة مبكرة سنويا طبقا لدراسة أجرتها جامعة هونغ كونغ الصينية سنة 2018.

أما في المناطق الأقل تنمية في المنطقة فإن التلوث الشديد الداخلي بسبب أنظمة التدفئة والطبخ التي عفا عليها الزمن تشكل على وجه التحديد تهديدا خطيرا، وإن بيانات منظمة الصحة العالمية تشير الى أن أكثر حالات الوفاة لكل فرد من التلوث الهوائي الداخلي في منطقة آسيا- المحيط الهادئ- موجودة في لاوس والفلبين والصين وكمبوديا.

لكن الهواء الملوث هو أحد المنتجات الجانبية للتصنيع فقط، وإن التلوث الذي يتم امتصاصه في التربة والمياه الجوفية، وفي نهاية المطاف يتم ضخة إلى صنابير المياه في المنازل، يتغلغل في سلسلة الغذاء، كما أن ارتفاع مستويات التفريغ الصناعي والجريان السطحي للمياه المستخدمة بالزراعة مع الاستغلال الجائر للمياه الجوفية التي نضبت فعليا يثير المخاوف وخصوصا في المناطق التي تفتقد للمياه مثل شمال الصين.

لا يمكن وقف التمدن، ولكن هذا لا يعطي الحكومات مبرراً لفشلها في التعامل مع تلوث الهواء، ونظراً لامتلاك الصين لموارد كبيرة وقدرتها على تنسيق السياسات على الصعيد الوطني فإنها يجب أن تقود الطريق إلى تطوير مقاربة مستدامة للتمدن، والتي يمكن أن تكون مثالا يحتذى به على المستوى الإقليمي وحتى على المستوى العالمي.

لقد أظهرت الصين فعلياً روح المبادرة فيما يتعلق بتخفيض التلوث، حيث أعلن الرئيس شي جين بينغ أن تخفيض التلوث هو واحد من أولويات سياسته، وأن السلطات تنظم ملكية السيارات، وقد كانت هناك إشادة عالمية بسبب سياستها في كهربة أنظمة الحافلات بالمدن، وبعد حملة استمرت عدة سنوات من أجل تخفيض انبعاثات صناعة الفحم، فرضت الصين مؤخرا أهداف انبعاثات أكثر تشدداً على صناعة الصلب، وفي مايو 2019 نشرت الحكومة نحو ألف مفتش في 25 مدينة من أجل استهداف أولئك الذين ينتهكون الأحكام فيما يتعلق بقضايا مثل جودة المياه وإدارة المخلفات.

لكن على الرغم من التقدم الواضح، لا تزال هناك تحديات خطيرة، فإن 33 مدينة من مدن شمال الصين وعددها 39 في العام الماضي كانت عرضة للضباب الدخاني، ولم تحقق الأهداف التي فرضتها الحكومة والمتعلقة بتخفيض التلوث لفصل الشتاء.

إن قياسات بي م 2.5 (مادة الجسيمات) في تلك المدن ارتفعت بنسبة 13 في المئة بالمعدل خلال فترة خمسة أشهر ابتداءً من أواخر سنة 2018، وإن معالجة مشكلة التلوث المزمنة في الصين يتطلب عملا أقوى على ثلاث جبهات وهي السياسات والابتكار والوعي.

من منظور السياسات تمتلك الصين ميزة كبيرة، وهي أن بإمكان حكومتها المركزية أن تقوم بشكل سريع بتشريع وتطبيق السياسات والأحكام، وإن هناك تقارير تقول إن وزارة البيئة الصينية تستغل تلك الميزة من أجل القيام بمجموعة من التحركات، مثل تقييد واردات المركبات العالية التلوث، وتشجيع إعادة هيكلة سلسلة التوريد على أساس وسائل النقل الأقل انبعاثا، وتعزيز القدرة على مراقبة التلوث من خلال تقنية الأقمار الصناعية.

لكن تطبيق مثل تلك السياسات ينطوي على تحديات، ويرفع خطر العواقب غير المقصودة، فعلى سبيل المثال وفي حين ساعد نقل المنشآت الصناعية العالية التلوث في خفض التلوث في المراكز الحضرية الرئيسة فإنه زاد التلوث في المواقع المضيفة الجديدة، والأهم من ذلك كله أن معظم السياسات تدعم تخفيض التلوث فقط بدون مواجهة الحاجة العاجلة للتحول الهيكلي في أنظمة الطاقة ونماذج الطلب.

إن مثل هذا التحول يتطلب إجراءات حاسمة من قطاع الأعمال، ولكن طبقا لوزارة البيئة الصينية فإن المخططات من أجل إخفاء المخالفات التنظيمية من قبل الشركات العالية التلوث منتشرة في الصين، وعادة ما يكون هناك تواطؤ مع الحكومات المحلية.

إن قرار الحكومة الصينية إضافة الحماية البيئية لقائمة العوامل التي تؤخذ بالحسبان عند الترويج للقيادات على المستوى المحلي، وعلى مستوى الأقاليم– مبادرة معتبرة– يعني أنها وبشكل غير مقصود قد تعزز الحوافز لتجنب أنظمة المراقبة.

تحتاج الحكومة الصينية إلى جانب عمل السياسات الصحيحة إلى تطبيقها بشكل أكثر فعالية، وهذا يعني إلى جانب اتخاذ إجراءات أخرى وجود مراقبة أكبر للتقيد بالقواعد والأحكام والتحقق من مقاضاة المخالفات. إن هذا سيكون مكلفا وينطوي على تحديات سياسية ولكن أي شيء أقل من ذلك يعني إعطاء الأولوية للأرباح على حساب صحة البشر.

وإن الابتكار قد يؤدي كذلك إلى تعزيز تخفيض التلوث، فعلى سبيل المثال فإن مشروع التنقل الجوي في المناطق الحضرية في شينزين والذي يوفر النقل بالهيلوكبتر عند الطلب يستغل القدرات الابتكارية المعروفة للمدينة، وفي الوقت نفسه يتعامل مع الازدحام المروري، وإن المبادرات التي تعزز من أهداف تخفيض التلوث مع توفير القدرة العادلة على الوصول للخدمات بين السكان يجب أن تحصل على الدعم من الحكومة المركزية.

أما الوعي فهو الركن الثالث لاستراتيجية التعامل مع التلوث الهوائي، ولكن هذا لا يعني بالضرورة إغراق الناس بالقصص الإخبارية عن التدمير البيئي العالمي، بل على العكس من ذلك فإن تلك المقاربة قد يكون لها تأثير عكسي، وعوضا عن ذلك فإن الوعي يعني التحقق من أن الناس يفهمون عواقب التلوث الهوائي على صحتهم وعائلاتهم.

وإن بإمكان الناس بعد أن يصبحوا أكثر وعيا للمخاطر التي يواجهونها أن يستفيدوا من الموارد على الإنترنت، مثل مؤشر جودة الهواء العالمي، وحالة الهواء عالمياً من أجل مراقبة الأوضاع في مدنهم.

وطبقا لمنظمة الصحة العالمية فإن نسبة كبيرة تصل إلى 91 في المئة من سكان العالم معرضة لمستويات خطرة من التلوث الهوائي، ومع وجود قوى عالمية تقليدية حاليا تسخر من المخاوف البيئية مثل الولايات المتحدة الأميركية وأستراليا، نحن بحاجة ماسة إلى قيادة عالمية بديلة، ولو أرادت الصين تولي هذا الدور، فليس عليها حشد مواردها الكبيرة وقدراتها الابتكارية فحسب، بل تعزيز التزامها بتطبيق حكم القانون أيضاً.

* أسيت بيسواس وكريس هارتلي

* أسيت بيسواس هو أستاذ زائر متميز في الهندسة في جامعة غلاسكو، ورئيس شركة إدارة المياه العالمية في سنغافورة، وكريس هارتلي هو أستاذ مساعد للسياسات العامة في جامعة التعليم في هونغ كونغ.

«بروجيكت سنديكيت، 2019» بالاتفاق مع «الجريدة»