صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4147

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

ما السبيل إلى تعزيز الأمن الأوروبي في وجه روسيا؟

  • 10-06-2019 | 00:00

إذا أردنا أن نروّج لأمن أوروبا والشرق الأوسط، فعلينا أن ندفع ثمن ذلك كي نجني تلك الفوائد ونحقق رؤية عما يبدو ممكناً هنا، أما إذا لم نقم بذلك، فستستغل دول أخرى تتبع أجندات أكثر عدائية هذه الفرص لمصلحتها.

يشغل الأمن الأوروبي الأخبار اليوم، ومع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مشاكل البلقان التي لم تُحل، وحرب روسيا المتواصلة على تكامل أوروبا وديمقراطيتها، وأوكرانيا، فمن السهل الاستسلام للتشاؤم بشأن أوروبا، لكن هذا اليأس لا مبرر له ولا يلائم مصالح الولايات المتحدة وأوروبا المرتبطة بالديمقراطية، والاندماج، والأمن، بالإضافة إلى ذلك تتوافر آليات تستطيع من خلالها الحكومات والمؤسسات الأوروبية والولايات المتحدة الترويج لمصالحها وقيمها المشتركة في أوروبا وحتى خارجها.

تُعتبر مبادرة البحار الثلاثة إحدى هذه الآليات، وتدعم هذه المبادرة، التي أعدتها بولندا، وكرواتيا، ورومانيا، مشاريع هدفها تعزيز الترابط بين الدول الأوروبية التي تحدها بحار البلطيق، والأدرياتي، والأسود بالاستناد إلى القيم الديمقراطية المشتركة. تتركز هذه المشاريع في مجالات الطاقة، النقل، وتحويل شبكات التواصل الأوروبية إلى شبكات رقمية، وتدعم الولايات المتحدة وألمانيا علانية هذه المبادرة، وإذا نُفذت هذه المشاريع بالكامل، فلا شك أن هذه المبادرة ستقوي الاندماج الأوروبي وتضعف قدرة روسيا على تقويض حكومات أوروبا، ومؤسساتها، وأمنها، وديمقراطيتها.

أُقيمت القمة الثالثة في هذه المبادرة في الخامس والسادس من يونيو في ليوبليانا بسلوفينيا، وقد شاركت فيها وفود رفيعة المستوى من ألمانيا، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، مبرهنةً على دعمها المبادرة ومشاريعها، وتشمل هذه المشاريع إقامة بنية تحتية للغاز الطبيعي المسال مع محطتين بحريتين في بولندا وكرواتيا وخط أنابيب يصل بينهما. سيساهم إنهاء هذا المشروع في الحد من الاعتماد على الغاز الروسي، الذي تدعم عائداته حملة روسيا لتقويض الأمن الأوروبي. كذلك تسهّل خطوط الأنابيب ومحطات الوصل الجديدة زيادة تصدير الغاز الطبيعي المسال الأميركي إلى أوروبا، علماً أن هذه الخطوة من أبرز أولويات الولايات المتحدة، ولكن فضلاً عن الولايات المتحدة، ثمة وفرة من إمدادات الغاز أقرب إلى أوروبا، ومع القليل من الابتكار والدعم المالي والسياسي من الولايات المتحدة، وألمانيا، والاتحاد الأوروبي، من الممكن لهذه الإمدادات أن تعزز إلى حد كبير أمن أوروبا.

يقع هذا الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، في قبرص، ومصر، وإسرائيل، وربما مخزون الغاز اللبناني الضخم، ومن المؤكد أن تحديات كبيرة قد تعرقل إيصال هذا الغاز إلى الأسواق الأوروبية، مع أن مصر، وقبرص، وإسرائيل، واليونان، وإيطاليا رحبت بفكرة إنشاء خط أنابيب في شرق البحر الأبيض المتوسط يمتد من تلك الحقول إلى اليونان ومنها إلى أوروبا. تشمل هذه العراقيل الجهود التركية لتخريب المشروع بالتنقيب في المياه القبرصية، أضف إلى ذلك جهود روسيا لدخول تلك الحقول واستخدام خطَي أنابيبها الخاصين، "تيار الشمال 2" و"التيار التركي"، لتسيطر على إمدادات أوروبا الوسطى والشرقية. علاوة على ذلك، ثمة كلفة خط أنابيب يواجه مخاطر سياسية كبيرة، كذلك لن يبني المستثمرون خط أنابيب من دون أن يضمنوا حصولهم على سوق حقيقية لهذا الغاز.

باستطاعة قمة ليوبليانا، والإدارة الأميركية، وألمانيا، والاتحاد الأوروبي أن تقدّم محفزاً كبيراً لنقل هذا الغاز إلى السوق بإقناع المبادرة بالترحيب باليونان في هذه المنظمة وبإعطاء الأولوية لخطوط أنابيب تمتد من اليونان إلى الأسواق الأوروبية الكبرى عبر محطات وصل. تدعم إيطاليا، التي تُعتبر مستهلكاً كبيراً للغاز، خط الأنابيب هذا، وإذا نجحت مبادرة البحار الثلاثة في دعم نقل غاز شرق البحر الأبيض المتوسط عبر اليونان إلى البلقان من خلال مخطات وصل ومنه إلى مستهلكين كبار مثل بولندا، وألمانيا، وإيطاليا، فسيساهم هذا مساهمة بالغة الأهمية في تعزيز أمن أوروبا.

بالإضافة إلى ذلك، من الممكن للدعم الأميركي والألماني ممارسة ضغط كبير على تركيا لحملها على الكفّ عن تهديد قبرص ومن خلالها اليونان ضمنياً. تساهم سياسات مماثلة في الحد من قدرة روسيا على استخدام الغاز بواسطة خطَي "تيار الشمال 2" و"التيار التركي" بغية تقويض الاندماج والأمن الأوروبيين. فضلاً عن ذلك، ستشكّل شبكة خطوط الأنابيب ومحطات الوصل الناشئة خطوة مهمة في الاندماج بين الشمال والجنوب من بحر البلطيق إلى البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط.

من الممكن أيضاً لمشاريع خطوط الأنابيب والمحطات هذه أن تعزز التعاون بين دول الشرق الأوسط أولاً وبين أوروبا وتلك المنطقة ثانياً.

صحيح أن ثمة مشاكل خطيرة، مثل مشكلة ترسيم الحدود البرية والبحرية بين لبنان وإسرائيل التي لم تُحل، إلا أن واشنطن ناشطة في هذا المجال كي لا تسمح لموسكو باستغلال هذه المشكلة لصالحها، وإذا نجحت واشنطن في ترسيم هذه الحدود البحرية أو البرية أو كليتهما، فلا شك أن هذه الخطوة ستشجع توقيع معاهدة سلام بين لبنان وإسرائيل، ما يقلل إلى حد كبير من نفوذ إيران في لبنان والشرق الأوسط ويفتح المخزون اللبناني أمام الاستثمار.

علاوة على ذلك، قد تدفع التزامات سياسية واقتصادية قوية مماثلة تركيا إلى إعادة النظر في سياساتها العدائية التي لا تحقق أي هدف غير تنفير جيرانها وتعرّضها للعزلة الإقليمية، وقد يصبح ممكناً عندئذٍ، نظراً إلى حجم هذه المخزونات، إنشاء خطوط أنابيب من إسرائيل أو لبنان أو حتى مصر إلى تركيا، ومن المؤكد أن هذا سيحد من تأثير روسيا في تركيا، محسناً في الوقت عينه علاقات تركيا مع دول أخرى في الشرق الأوسط.

لا بد من الإقرار بأن المشاكل كبيرة، إلا أن الفرص ضخمة أيضاً، شأنها في ذلك شأن الفوائد المحتملة التي قد تقدّمها هذه الرؤية، إذا أردنا أن نروّج لأمن أوروبا والشرق الأوسط، فعلينا أن ندفع ثمن ذلك كي نجني تلك الفوائد ونحقق رؤية عما يبدو ممكناً هنا، أما إذا لم نقم بذلك، فستستغل دول أخرى تتبع أجندات أكثر عدائية هذه الفرص لمصلحتها.

كتب ف. سكوت فيتزغيرالد: "ما من فصل ثانٍ في الحياة الأميركية"، وعلى نحو مماثل ما من فصل ثانٍ في السياسات العالمية، وإن لم نقتنص الفرصة الحالية، فقد لا نحظى بفرص أخرى، وقد تسارع أيضاً قوى أخرى عدائية إلى ملء الفراغ الذي خلفناه بتهور.

* ستيفن بلانك

* «ذي هيل»