صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4169

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

لمَ تخطط روسيا في مختلف أرجاء إفريقيا؟

  • 16-05-2019

يزداد القلق حيال نشاطات روسيا في مختلف أنحاء إفريقيا منذ بعض الوقت، لكن معلومات جديدة عن جهود الكرملين المزعومة للتدخل في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في مدغشقر أماطت اللثام عما يبدو عن حملة مركزة لتوسيع نفوذ موسكو بشتى الأساليب.

يُعتبر اهتمام روسيا بإفريقيا استراتيجياً، واقتصادياً، ودبلوماسياً في آن واحد، فهذه القارة غنية بالثروات المعدنية، إذ تضم مدغشقر خصوصاً احتياطياً كبيراً من اليورانيوم، والنيكل، والكوبالت. كذلك تمثل الدول الإفريقية أسواقاً جديدة محتملة كثيرة في زمن لا يتردد فيه منافسا روسيا الجيو-سياسيان، الولايات المتحدة والصين، في ممارس أفضليتهما. تعوق العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الاقتصاد الروسي، في حين أن مبادرة الحزام والطريق تمهد الدرب أمام بكين في مختلف أنحاء العالم مع مشاريع بنى تحتية ضخمة، أما على الجبهة الدبلوماسية، وخصوصاً في ما يتعلق بالأمم المتحدة، فتمثل 54 دولة في إفريقيا كنزاً من الأصوات المحتملة على القرارات وغيرها من المسائل المرتبطة بمصالح روسيا، ولكن لكي تحقق موسكو ذلك، فمن المستحسن أن توصل حكومات صديقة إلى السلطة.

اتهم مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون موسكو ببيع الأسلحة في مختلف أنحاء إفريقيا مقابل الأصوات في الأمم المتحدة، مما يبقي "الحكام المستبدين في السلطة، ويقوّض السلام والأمن، ويدفع بالأحداث في مسار معاكس لمصالح الشعب الإفريقي". لا تشكّل هذه استدارة روسية نحو إفريقيا، على العكس، تعمل موسكو على توسيع نطاق عملياتها الجيو-سياسي، ساعيةً إلى توسيع استراتيجيتها القليلة الكلفة والعالية التأثير بغية كسب المزيد من النفوذ الدولي.

يُقال إن إيغور أوسادتشي، وهو شخصية بارزة في وكالة أبحاث الإنترنت، أحد العاملين الرئيسين في المركز التحليلي الإفريقي، كذلك تشير مجلة Project إلى أن بريغوجين يقود حملة لتعزيز النفوذ في مجموعة من الأمم، مقدماً خليطاً من التدريب على استعمال الأسلحة، والدعم في الانتخابات، وروابط أمنية مقابل فوائد مثل حقوق التعدين، وفرص تجارية، ودعم دبلوماسي في دول مثل الكونغو، والسودان، وغينيا-بيساو، وموزنبيق، وزيمبابوي، وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

صحيح أن جهود روسيا للتأثير في انتخابات مدغشقر الرئاسية في أواخر السنة الماضية أخفقت على ما يبدو، إلا أن العملية بحد ذاتها أظهرت حجم التدخل الروسي، إذ أرسل بريغوجين، حسبما يُقال، نحو 12 عميلاً روسياً إلى مدغشقر في مطلع عام 2018، فدخلوا البلاد كسياح وأمضوا فيها نحو سنة محاولين التلاعب بالانتخابات، وكان هدفهم الأول مساعدة الرئيس هيري راجاوناريمامبيانينا رئيس مدغشقر في الفوز بولاية جديدة، ولكن عندما لم يحقق نتائج جيدة في الجولة الأولى، حوّل الروس دعمهم إلى أندريه راجولينا الذي فاز بالانتخابات الرئاسية، لكن راجولينا لا يُعتبر شخصية مثيرة للجدل، ويحظى بدعم دول كثيرة، بما فيها الولايات المتحدة.

ولكن بغض النظر عن النتيجة، يبدو جلياً أن موسكو استعملت أساليب غير مشروعة في جهودها هذه، فقد تحدث اثنان على الأقل من المرشحين الذين عملوا مع الروس علانية مع شبكة "بي بي سي".

وأفاد عمر بريزيكي أنه عمل مع الاستراتيجي السياسي الروسي مكسيم شوغالي مقابل عرض بلغت قيمته مليوني دولار تقريباً، وعندما اتضح أن المرشح الذي تفضّله روسيا لن يفوز، طُلب من بريزيكي دعم راجولينا، وعلى نحو مماثل سمّى مرشح آخر يُدعى أندريه ميلهول ثلاثة روسيين عمل معهم، محدداً بالتفصيل سلسلة من الدفعات التي قدّموها لتمويل حملته، ورغم ذلك، انتهى به المطاف إلى المرتبة الرابعة والعشرين.

لكن بريزيكي وميلهول أكّدا كلاهما أن مستشاريهما الروس طلبوا منهما وقف حملتيهما عندما أصبح راجولينا في الطليعة، إلا أنهما رفضا، حسبما أخبرا "بي بي سي"، كذلك ذكر ميلهول أن أحد الروس أخبره أن موسكو تعمل مع ثمانية أو تسعة مرشحين، وأن أياً منهم يصل إلى القمة يحظى بدعم الآخرين كافة، لكن شبكة "بي بي سي" أشارت إلى أن روسيا عملت مع ستة من المرشحين الرئاسيين الخمسة والثلاثين في مدغشقر.

منذ الانتخابات، طردت السلطات في مدغشقر عدداً من العملاء الروس الذين ذكرهم السياسيون المحليون، وأُخرج ثلاثة منهم من البلد لتورطهم في تظاهرة غير مصرّح لها ضد فرنسا، في حين طُرد آخرون لأنه لم يُسمح لهم بالعمل بعدما دخلوا البلد كسياح.

علينا أن ننتظر لنرى ما سيكون تأثير عملية مدغشقر في العلاقات الثنائية، هذا إن كان لها أي تأثير، وقد رفض راجولينا، الذي تسلم منصبه كرئيس في شهر يناير، وذكر ما إذا كان قد تلقى مساعدة في حملته من الروس، وشدد على أنه يعمل لشعب مدغشقر لا موسكو.

لكن روسيا تواصل تعزيز جهودها بغية تقوية العلاقات في مختلف أنحاء إفريقيا، وتتوقع أن يثمر استثمارها في مدغشقر، أما اللحظة المرتقبة، فستأتي في شهر أكتوبر حين يستضيف بوتين قمة روسية-إفريقية في منتجع سوتشي على البحر الأسود.

وقد أعلن وزير الخارجية سيرغي لافروف أن هذا الحدث سيرسخ "وجود روسيا الناشط في المنطقة"، كذلك أشارت وكالة الأنباء الروسية سبوتنيك أن راجولينا، الذي يبحث عن طرق ليعزز تعاون مدغشقر الأمني مع موسكو سيحضر.

* فريدا غيتيس

* «ورلد بوليتيك ريفيو»