صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4169

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

نحو الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي

  • 09-04-2019

يدور الكثير من النقاش حتى الآن حول معان مختلفة، وتميل مؤسسات الاتحاد الأوروبي وألمانيا إلى تفضيل "الحكم الذاتي الاستراتيجي"، في حين تؤيد فرنسا مفهوم "السيادة الأوروبية"، لكن المفهومين غالبا ما يتم استخدامهما بشكل متبادل، ونادرا ما يتم تحديدهما بدقة.

غالبا ما يُطرح السؤال كيف وإلى أي مدى يمكن لأوروبا الاعتماد على نفسها من أجل ازدهارها وأمنها وتأثيرها الدولي؟ لقد أثارت تحولات القوة العالمية، والاضطرابات الجيوسياسية، والشكوك حول موثوقية الولايات المتحدة كحليف، جدلا كبيرا، وستكون نتائجه حاسمة بالنسبة إلى مستقبل أوروبا.

يدور الكثير من النقاش حتى الآن حول معان مختلفة، وتميل مؤسسات الاتحاد الأوروبي وألمانيا إلى تفضيل "الحكم الذاتي الاستراتيجي"، في حين تؤيد فرنسا مفهوم "السيادة الأوروبية"، لكن المفهومين غالبا ما يتم استخدامهما بشكل متبادل، ونادرا ما يتم تحديدهما بدقة.

في محاولة لتوضيح الأمور، اقترحتُ أنا وزملائي مؤخرا تعريفا عمليا: "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي"، فقد قمنا بتحليل العقبات والصعوبات والصراعات المحتملة في حال قرر صناع السياسة الألمان والأوروبيون السعي لتحقيق هذا الهدف.

لقد استنتجنا أن الاستقلال الاستراتيجي هو القدرة على تحديد أولويات الفرد واتخاذ القرارات الخاصة به في قضايا السياسة الخارجية والأمن، إلى جانب الوسائل المؤسسية والسياسية والمادية لتحقيق هذه الخيارات، إما بالتعاون مع أطراف أخرى، أو بدون إذا لزم الأمر، ويمكن للجهات الفاعلة المستقلة من الناحية الاستراتيجية وضع أو تنفيذ القواعد الدولية، بدلا من الخضوع لقرارات القوى الأخرى. في عالمنا اليوم، لا يمكن حتى للدول الأعضاء الكبرى في الاتحاد الأوروبي مثل ألمانيا وفرنسا تحقيق هذه الاستقلالية فقط من خلال التنسيق مع شركائها الأوروبيين.

على عكس التعريفات الضيقة، فإن مفهومنا للحكم الذاتي الاستراتيجي يُغطّي كامل نطاق السياسات الخارجية والأمنية، بالإضافة إلى الدفاع فإنه يشمل القوة الاقتصادية، وفن الحكم المالي، والدبلوماسية، والاستخبارات، وإدارة الصراع المدني. كل هذه الأمور تساعد في تحديد مواطن الضعف في أوروبا واستعدادها للصراع، لاسيما في الدفاع عن النظام الدولي القائم على القواعد والذي يُعد حيويا جدا بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي وأعضائه.

عادة ما يكون الحكم الذاتي نسبيا لا مطلقا. إنه وسيلة لحماية وتعزيز قيم ومصالح الفرد، لا غاية في حد ذاته، ولا يعني الحكم الذاتي الاستقلال الذاتي أو العزلة أو رفض التحالفات، ففي أوروبا، الشركاء ضروريون للغاية، وبالنسبة إلى ألمانيا، تشمل هذه الدول بشكل أساسي جميع دول الاتحاد الأوروبي الأخرى وكذلك الأعضاء الأوروبيين الآخرين في حلف الناتو. يوفر الاتحاد الأوروبي بالفعل إطار عمل مستقر ودائم، والذي يُعد شرطا مُسبقا ضروريا للاستقلال الاستراتيجي طويل الأجل، لكن يجب على أعضائه السعي نحو الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، بدلا من الاستقلال الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي.

ستظل الولايات المتحدة أهم حليف وشريك خارجي لأوروبا، ويجب أن يظل التعامل مع نهوض الصين، ومواجهة تحديات النظام القائم على القواعد من روسيا والقوى الأخرى، مهام مشتركة عبر المحيط الأطلسي، لكن أوروبا لم تعد بحاجة للاعتماد بشكل كامل على أميركا لضمان أمنها واستقرار بيئتها الجيوستراتيجية المباشرة. كان الإنفاق الدفاعي الأوروبي المرتفع مطلبا ليس لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب فقط، بل لجميع الحكومات الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة.

تتمتع أوروبا بالفعل بمستويات مختلفة من الحكم الذاتي الاستراتيجي، ففي التجارة، لدى الاتحاد الأوروبي الوسائل والإرادة لممارسة النفوذ الدولي، لكن في المجال العسكري، فاٍن الفجوة بين الطموحات الأوروبية والحقائق عميقة وواسعة.

إن الحكم الذاتي الأوروبي الكامل في الدفاع أمر لا يمكن تصوره في المستقبل المنظور. يتمثل الدفاع الجماعي في الحفاظ على الناتو، كما لا ترغب أوروبا في فصل نفسها عن الولايات المتحدة وعن دعمها الاستراتيجي، وبدلا من ذلك ينبغي على أوروبا السعي إلى حكم ذاتي أكبر ومحدود يسمح لها بالقيام بمهام صعبة لإدارة الأزمات وحل النزاعات بشكل مستقل.

يحتاج الاتحاد الأوروبي أيضا إلى تحسين قدرته على الدفاع عن أراضي وسلامة الدول الأعضاء فيه، وخصوصا تلك التي ليست ضمن حلف الناتو، ويشمل ذلك الدفاع الوقوف ضد الهجمات الإرهابية التي لا تؤدي إلى استجابة فورية من جانب التحالف ككل، ولتحقيق هذه الغاية يتعين على الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو العمل سويا بدلا من العمل ضد بعضهما، بالإضافة إلى ذلك يجب أن تظل المملكة المتحدة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مرتبطة بشكل وثيق بسياسة الأمن والدفاع المشتركة للاتحاد الأوروبي.

يمكن مواجهة هذه التحديات من خلال تعزيز الدعم الأوروبي لحلف الناتو، عسكريا، من خلال قدرات أكبر وأكثر فاعلية، وسياسيا، كتنسيق يقوم من خلاله أعضاء الناتو الأوروبيون باتخاذ قرارات الحلف، بالإضافة إلى الاستعداد التام للعمل في أوروبا، فإن هذا قد يجعل أوروبا شريكا أكثر جاذبية لأميركا ويساعد في بناء علاقة أكثر تناسقا مع الولايات المتحدة.

يتطلب تحقيق هذه الدرجة المحدودة والمُحددة بوضوح من الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي تحسين القدرات العسكرية وقابلية التشغيل المتبادل للقوات المسلحة الأوروبية، وإلى أن تتمكن الدول الأوروبية من زيادة تعزيز قدراتها الإنتاجية والاتفاق على معايير التصدير المشتركة، فإن الاستقلال الاستراتيجي في صناعة الدفاع سيظل هدفا بعيد المنال.

تتمثل سياسة ترامب في أوروبا لتحقيق الاستقلال الاستراتيجي في قوتها الاقتصادية وسوقها الموحدة، وفيما يتعلق بمسائل التنظيم والتجارة والمنافسة وحماية البيانات، يُنظر إلى الاتحاد الأوروبي بالفعل على المستوى الدولي كفاعل استراتيجي، وبالنسبة إلى الدول الأعضاء فيه، يُعد الاتحاد الأوروبي بمثابة إطار للدفاع عن القدرة التنافسية لأوروبا والحفاظ عليها.

ومع ذلك سيكون الاتحاد الأوروبي أكثر استعدادا للنزاع إذا وسع دور اليورو كعملة احتياطية عالمية، ولتحقيق الاستقرار في منطقة اليورو على المدى الطويل يتعين على ألمانيا وفرنسا التوصل إلى حل وسط بشأن قضايا مثل المسؤولية المشتركة في الاتحاد المصرفي للاتحاد الأوروبي، وإدخال عوامل الاستقرار المالي، وتعديل النموذج الاقتصادي للصادرات الألمانية.

بعيدا عن كونه مفهوما مجردا، فلدى الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي آثار عملية ضخمة، إذ إن تحقيق هذا الهدف سيجعل أوروبا أكثر ازدهارا وأمانا في عالم سريع التغير.

* فولكر بيرثيس

* رئيس ومدير مؤسسة العلوم والسياسة، المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، برلين.

«بروجيكت سنديكيت، 2019» بالاتفاق مع «الجريدة»