صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4127

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

«الرضاوة»!

  • 14-03-2019

مربكة وشائكة تلك الفكرة التي خطرت لي للتوّ!

عندما يفعل من نحب ما يثير غضبنا، لدرجة تجعلنا حانقين وساخطين، ونكاد ننفجر كبراكين من الغيظ، ما هي صفة الفعل الذي قد يفعله الطرف الآخر ليطفئ الجمر في صدورنا ويطفئ لهيب لوعتنا؟! وعندما يتجاوز الأذى حدود الزعل والغضب، ويصل ذلك حد الجرح، الذي نظن ألا شيء قد يوقف نزيفه أو يشفيه، هل لدينا اشتراطات مسبقة للرضا وتجاوز الألم والسماح؟!

ما المعايير التي تجعلنا نرضى عندما يسيء لنا من نحب؟! هل نملك مواصفات محددة ومعرفة تامة لـ"رضاوتنا" عندما يغمرنا من نحب بالشوك؟! أم أن رضانا حالة مزاجية، ولكل أسى ظروفه، وأن لكل أذى حديثا؟!

قد يسهل القول إن "الرضاوة" لابد أن تكون بحجم الأذى، وقد نفكر في أن نكون منصفين أكثر، وندَّعي أن من يحدد حجم ذلك الأذى هو من تعرض للأذى، وبناء عليه هو الذي يحدد ماهية العمل الذي يرضيه، أياً كان، لكن "أيا كان" هذه هل تضمن شرط العدالة، بحيث تكون "الرضاوة" بحجم الذنب؟ أم أن ليس لها علاقة بشرط العدالة، بل تتحدد "الرضاوة" فقط بمدى إحساس الآخر بالأذى، بغض النظر عما إذا كان هذا الإحساس مفتعلا أو مبالغاً فيه، أو أنه منصف فعلا؟! وهل "الرضاوة" محاولة لذر الرماد في عيون الذنب؟! أم أنها اعتراف من المذنب بذنبه، ومحاولة لرد الاعتبار للطرف المتضرر، ووسيلة لطلب الغفران منه؟! أم أنها ليست سوى عملية "ابتزاز عاطفي" من مدّعي الضرر؟!

"الرضاوة" لعبة من طرف واحد، هذا الطرف هو من يتحكم في وضع قواعدها وشروطها، وهو من يتحكم في زمامها، ولا يملك الطرف الآخر سوى أن يذعن ويخضع لكل ما يُملى عليه، إذا هو أراد أن تفعل "رضاوته" فعلها، وأن تؤتي ثمارها، بالحصول على رضا المتحكم في اللعبة، أي الشخص الذي تعرَّض للأذى، فهو الخصم والحكم معاً، إذ لا معنى لأي فعل يقصد به كسب رضا المحبوب، مهما كان، ما لم تكن محصلته الحصول على ذلك الرضا ومحو الأذى.

وقد تبدأ "الرضاوة" من مجرد اعتذار فقط، وقد تتعداه إلى أكثر من ذلك بكثير، فتصبح فعلا يتجاوز قدرة المخطئ، وتتخطى حجم ذنبه، ذلك لا يتوقف على حجم الخطأ أو الخطيئة، إنما يعتمد أكثر على عوامل عدة لا يتم احتسابها بالمسطرة والقلم، عوامل نفسية وعاطفية ترسم ملامح الضماد الصالح لنزيف كل روح من أرواحنا.

بعضنا يستغل "الرضاوة" فرصة لإبداء جماله، وبعضنا ينتهزها مناسبة للكشف عن سوئه، بعضنا قد يصفح وينسى الأسى، لمجرد إحساس الآخر بالندم، وبعضنا لن تهدأ روحه حتى يطمئن بأن الآخر قد أثخن قلبه بالألم.

بعضنا تتجلى محبته وصفاء روحه من خلال ماهية ما يرضيه، تعويضاً عن ألم أصابه، وبعضنا يكشر عن جشع روحه وافتقاره للصلح معها، فتصبح روحه كالنار، التي كلما أطعمتها طمعت بالمزيد، فهي لا تكتفي أبداً، فتكون "الرضاوة" بالنسبة له فرصة للابتزاز العاطفي.

"الرضاوة" سر شخصياتنا غير المعلن، وهي في الوقت ذاته عرينا غير المستور!