صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4073

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

زمن آخر

  • 22-02-2019

العتمة الحادقة تفصلني عن العالم الخارجي، والصمت الهامد خلف الجدران يقف حاجزاً بيني وبينه، ويرتطم بكياني، فأتلقّى ردّات فعل الصدمة هبّات باردة، ترعى جسمي وأتساءل: لماذا اقتادوني إلى هنا؟! ماذا فعلت؟! صمت كان يخترقه صراخ أناس يُعذَّبون في زنزانة مجاورة، وتستحيل عنعناتهم ألماً، يزرع الجو بآخهم وعويلهم، ويجرجر أنفاسهم المخنوقة مع أصواتهم، ويربطها بالهواء المحبوس في أنحاء الغرفة، فيزيدني همّاً ويدكّ أعصابـي. فعندما تكبر المصيبة، تعرّيك من نفسك، وتجعلك لباساً للوهم والخوف. وهذا ما أصبحته خلال دقائق، وخاصة بعد أن علت أصوات بالشتائم والإهانات، وتخيّلتهم ينقضّون على ضحاياهم بالضرب بلا شفقة ولا رحمة، وتخيّلتني واحداً منهم.

هذه العذابات امتزجت بالروائح الكريهة المنتشرة في ذرّات الهواء العفن، تتشبّث بخياشيمي، وتشعرني بالاختناق. ويزيد الجو اختناقاً صوت آلات التعذيب المنبعث من الزنزانات الأخرى الذي يقزّز نفسي ويثقل عليّ ويرعبني، أن تسمع الأصوات المعذّبة، أصعب عليك من أن تعيش العذاب بنفسك؛ إذ الذي يمرّ بالنفس البشرية أشدّ وطأة عليها ممّا يستقرّ فيها...

الأخبار يتداولها الناس في ضيعتي بخوف ورعدة، ويمضغون كلماتهم مشيرين إلى أشخاص اقتادهم المسلّحون من منازلهم، ولم يعودوا، ومن عاد منهم حيّاً عاد مشوّهاً، وغادر الضيعة ليلاً إلى جهة مجهولة، والأغلب أنه ارتحل إلى خارج لبنان، والكلّ - عدا المسلّحين - يعلمون أنّ هؤلاء الأبرياء، لا ذنب لهم، إلاّ امتناعهم عن حمل السّلاح، أو إعرابهم عن إيمانهم بالأخوّة في الوطن الواحد.

أخبار تتشبّث بـي وتدغدغ أعصابـي، أهكذا سيكون مصيري؟ دمعت عيناي وتفتّتت أفكاري وتناثرت كلماتي شظايا ونتفاً مفكّكة عجزت عن جمعها، وبتُّ عاجزاً عن التفكير واسودّت الدنيا أمام عينيّ، ورأيتني مشلولاً لا أقوى على الحركة، لا أعرف ماذا حلَّ بـي... فالخوف الذي يجتاحك يترك ظلاله في نفسك، يمنعك من تخطّيه، وتمسي ضحية أوهامك.

لا لا. هذه ليست أوهاماً هذه حقيقة... طالما كل من خُطف واقتيد إلى هذا المكان لم يعد، وإذا حالفه الحظ وعاد يعود معطوباً...

هذه الأفكار كانت تعذّبني، وتذهب بروعي، فعندما تقع المصيبة، لا يقيس المرء نفسه في الحياة، إلاّ بالخوف منها، وهذا ما زاد عذابـي، وأنبت فيّ خوفي على مصيري، الذي نمّاه هذا المكان المظلم، المُرمى فيه، وأصبحت كأنّني ألوك ذاتي لأبقى، بعد أن سدّ الأفق أمامي، وأمسيت خيوطاً مشدودة لمصير مجهول.

اقتادني المسلّحون إلى هذا المكان بعد أن اعترضوا سبيلي، وأنا أقود سيارتي بسرعة، لأصل إلى إيڤون، رغم أنّ بعضهم من تلامذتي القدماء الذين أحببتهم وأحبّوني، وكانوا ودعاء ولطفاء قبل حملهم السلاح، وتحوّلوا إلى كائنات كريهة حاقدة، لا شفقة عندهم ولا رحمة، كأنّما الشعور بالقوة في غير موقعها يجعل ضعف المرء آفّة عليه، أو كأنّني أمسيت لقمة سائغة في متناول يدهم.

لم يضربني أحد حتى الآن، هذا فضل أُحسد عليه، كما أفادني أحد المسلّحين، الأمر الذي حملني على أن أتماسك. عندما تقارن وضعك بوضع الآخرين لا تعيش إلاّ الفرق بينك وبينهم، فترتاح إلى ما أنت فيه، ولكن لا شيء يحول دون تعذيبـي وتصفيتي في كل لحظة. لم يرموني في هذا المكان القذر لولا رغبتهم في القضاء عليّ، فالمجرم لا يتصرف مجّاناً وخصوصاً إذا كان محترفاً كهؤلاء.

تراءت لي أمّي منهارة تبكي، وترجو رشيد جارنا الميليشيوي البحث عنّي والألم يعصر نفسها، الأم الشرقية مرآة لأبنائها تفرح لفرحهم وتبكي لبكائهم، فهي تعكس حياتهم ولكنّهم لا يعكسون همومها.

كم أقدّرك يا أمي حق قدرك وأتعذّب لعذابك؟!...

تخيّلت أبـي الهرم يتوسّل المسلّحين كطفل يتيم، والمسؤول بينهم يستهزئ به، مهيناً كرامته. أبـي الذي عهدته قاسياً، أراه يبكي كولد صغير. الحياة الخشنة جعلته يعيش في تناقضات فجّة بين القساوة الفظّة، وطيبة القلب والبراءة الطفولية، إذ لا تُبنى النفس البشرية إلاّ بما انطوت عليه، فتأخذ شكل مكنوناتها. هكذا تحاملت عليه الأيّام؛ يوم يقسو عليه، ويوم يوفّر له بعض الحظ؛ حتى جعلته الظروف ذئباً وحملاً في آن. فالظروف التي تلدك تلدها بثوب آخر، فتكون ما عشته، وتعيش كأنّ الظروف لم تكن أبداً، هذا كان وضع والدي الذي أمضى عمره مهموماً، وقد يموت بحسرتي، كما مات آباء الشبّان الذين خطفهم المسلّحون من الضيعة وانقطعت أخبارهم، والآن جاء دوري. فالمصائب تجرّ المصائب، وحبلها صلة وصل بين الأحداث وظروفها، وإذا تماثلت الظروف تماثلت المصائب التي تلدها.

إيڤون بكت على التلفون كولد صغير، سابقتها الدموع إلى البوح بشعورها، فكانت تنطق بكيانها وتظهر بلباس آخر، لقد ارتدت مشاعرها صورة أوقاتها العصيبة، وأمست خائفة عليّ.

لماذا هي خائفة؟ وممّا هي خائفة؟ أكانت على اطّلاع على ما قد يحلّ بـي؟ من أخبرها؟ أين هي الآن؟

أتخيّلها تتدخّل لدى الريّس لإطلاق سراحي. لا لا... ليست عالمة بما جرى لي...

قد أكون متوهّماً.

قد تكون عالمة، وحضّتني على التوجّه إليها بالاتّفاق مع المسلّحين، تمهيداً لخطفي.

ولكن لو كان الأمر كذلك، لما كنت شعرت بخوفها على التلفون... فالنفس البشرية لا تنطق إلاّ بما هي فيه، عندما تكون صادقة. وإيڤون امرأة طيبة وتعيش حياتها بعفوية.

لماذا بتُّ أشكّ بكلّ الناس؟ يقتضي أن لا أسيء الظنّ بها، ربّما غيابـي عنها أسابيع أفقدها صبرها، فاتّصلت بـي... وكانوا يراقبون «خطّي» أو خطّها ويتنصّتون علينا، فانتظروني وسط الطريق، في مكان منعزل، ورفعوا أسلحتهم وصوبّوها إليّ، وربطوا عصبة على عينيّ، كأنّني مجرم خطير، ودفعوني إلى سيارة الجيب، بعد أن أهانوني ونعتوني بالخائن، وطوال الطريق كانوا يسخرون منّي. انقادوا للريّس، فوطّنوا أنفسهم له، وما فعلوه كان نزولاً عند إرادته... والريّس يعتبرني عدوّه اللّدود كما أفادتني إيڤون، ونعتته بأنه بلا أخلاق ولا كرامة.

أفكار ووساوس ومخاوف متناقضة، جابت خيالي، مزّقتني وحوّلتني إلى كتلة رخوة من اللّحم والعظم، لا همّة فيها ولا نشاط. الهمّ ينقضّ عليك يجتاحك ولا يتخطّاك، ولا منفذ له، فتمسي مسرحه، وتنهار، وتُسدّ عليك نوافذ الحياة. ورغم ذلك، قد عزمت على أن لا أضعف قائلاً في نفسي: عندما تصادفك المصائب يا مروان اجعل نفسك فوقها لتظلّ ما أنت عليه، ويبقى لك طريق للنجاة.

أنا بريء. ولكن هل يعترفون ببراءتي؟ ماذا ينتظرني يا الله؟

تخيّلتني أنهار وهم ينهالون عليّ بالضرب دون هوادة، ويتسابقون على إهانتي وشتمي، ويشفون غليلهم من أوجاعي ودموعي...

بدأت بالصلاة لمريم العذراء، ورجوتها أن تساعدني، وقلت في نفسي: عندما تفتقد تماسكك، تحتاج إلى من ترتاح إليه لتعود إلى واقعك، ولم يعد لك إلاّ ربّك...

مرّت السّاعات ثقيلة، تجرّني دقائقها من همّ إلى آخر، وأنا مُرمى في الزنزانة ككيس نفايات، حيث الظلام رطب دامس، والروائح كريهة.

رحت أتخيّل طريقة موتي، وأتساءل: هل سيعذبونني بآلات حادّة يدويّة؟ أم بآلات تعذيب كهربائية؟ أم بالاثنين معاً؟

تخيّلتني مقيّداً بحبل، يداي مربوطتان خلف ظهري، وهم يتناوبون على ضربـي وتعذيبـي، ويُطلقون شتّى أنواع الشتائم والاتّهامات: تكلّم يا كلب... كيف تآمرت علينا؟ مع مَن كنت تتعاون؟ مَن هم أصحابك الذين يساعدونك؟... وأنا أصرّ على السكوت، صامداً كصخرة، متمسّكاً بعنادي وصلابتي، فالبريء في حضرة الجزار جبّار صامت، وهذا ما عزمت عليه...

كُمَّت عيناي بقماش أسود، لم أكتشف الطريق التي اجتازوها، ولكن الوقت الذي مضى بين لحظة اعتراض سيارتي وبين بلوغنا الزنزانة، كان قصيراً، لا يزيد عن الخمس دقائق. استنتجت من ذلك أنّني في مكان قريب من الضّيعة أو في الضّيعة نفسها، قد أكون في دهليز تحت الأرض حفره «التراكتور» في الوادي، أو في إحدى المغاور الجوفية.

هذا الشعور الانتمائي إلى منطقة بعينها يفتح مساحة في نفسي أرتاح إليها، وتمدّني بالعون على التحمّل، ولكن الخوف ظلّ يوسوس لي، لأنه من السهل عندهم تصفيتي في بيئة غاب عنها القانون، وانتشر فيها السلاح والمسلّحون في الشوارع... الأزلام والمسلّحون وحدهم مكرّمون ومحميون، والأحرار غير مرغوب فيهم. عندما تتبدّل القيم، تتبدّل النظرة إلى الإنسان، وعندما تغيب لا يعود للإنسان أي قيمة... ومن يتاجر بالقيم الإنسانية ويجعل منها وسيلة ارتزاق، تصبح الأخلاق عنده سوق بيع وشراء وبضاعة تالفة، ويمسي أصحاب الفكر والرأي الحر هدفاً للاستجداء، وأعداء للضّالين...

ألم يقل رشيد جاري بعد حمل السلاح، أنّ «لا خبز لي في هذا البلد» وهذا لسان حالهم كلهم، وذلك عندما قلت له إنّني علماني، ولست زلمة أحد، فأنا علماني مؤمن أعتقد بأنّ الدين للّه والوطن للجميع، وأنّ لا طائفة عندي أفضل من أخرى، فالعقل والمنطق وحدهما يحكمان على الأمور مهما كانت، ويعتدّ بفكر الإنسان وحرّية رأيه وقيمته الإنسانية لا بانتمائه الديني الطائفي أو الإقطاعي، أو القبلي. هذه الأفكار التي طالما جاهرت بها في بيئتي ومحيطي واعتبروني بسببها أنني أحاربهم، وكانت حجّتهم لخطفي... كان يجب أن أقول لهم إنّ إلهكم هو الأفضل، وإله سواكم لا قيمة له، وأقول لهم أيضاً إنكم حرّاس الله والدين، وغيركم الذي لا يفكّر مثلكم، هو «زبالة» يجب التخلّص منه، عندها كانوا احترموني وكرّموني، وتركوني وشأني... ولا حياة بينهم إلاّ لمن يطبّل ويزمّر لهم.

كنت غارقاً في أفكاري هذه، عندما تناهى اسمي إلى مسامعي، نقاش حادّ يدور حول مصيري في الخارج، فأرهفت السمع.

قال أحدهم:

- دعنا نُنهي حياة هذا الكلب فوراً «ونزيح» همّه عنّا.

وقال آخر:

- الأوامر تُعطى من الريّس وليس منك. كاد الريّس يقتلني لأنّني «سوّحت» خليل دون الرجوع إليه، ولن أعيدها، غير مستعد للتضحية بحياتي من أجل هذا الكلب.

وقال ثالث:

- «روّقوها» قد يصل الريّس بين لحظة وأخرى.

وقال رابع:

- إنّه أستاذي، إذا صفّيتموه قبل أن يصل الريّس أصفّيكم كلّكم يا كلاب.

ثمّ سمعت «خرطشة» سلاح، وعلا الصراخ.

صاح أحدهم من بعيد:

- يا أولاد «العاهرة» تقتتلون من أجل كلب، اسكتوا وإلاّ أطلقت النار عليكم كلّكم وإلى جهنم «الحمراء»، «الله لا يردّكم».

صمت الجميع، وبقيت نفسي هائمة تعذّبني، أخاف أصواتهم كما أخاف سكوتهم، فالمجرم لا تستكين له بأي وضع كان، طالما تصرّفاته تمثّله، ولا يقوى على غيرها...

رجوت ربّي أن يعجّل موتي، فأرتاح من عذابـي، لقد تعبت... إنّهم يختلفون على وقت قتلي، لا على قتلي.

ابتعدوا عن مدخل الزنزانة.

كلّما ضاق الوقت زاد وجعي الذي لا يقاس إلاّ بنفسه، لذلك لم أعد أشعر إلاّ بالعذاب، ولا أرى إلاّ نهايتي القريبة، طالما لم يبقَ من عمري إلاّ الوقت اللاّزم لوصول الريّس الذي تمنّيت أن يتأخّر، وأن لا يصل أبداً. عندما يتمدّد الوقت في داخلك، يبرز تعلّقك بالحياة، فتتمسّك بكل لحظة منها لذلك كنت أتماهى مع الوقت الباقي لي من الحياة، هذا الوقت الذي كان يضغط عليّ وتنهمر دموعي رغماً عنّي...

هزّتني مبادئي فصحوت، بعد أن نبت فيّ شعور الوهن والاضمحلال شيئاً فشيئاً. عندما ينهار المرء، ويفقد ثقته بالبقاء، تبرز له مبادؤه وقناعاته لتعيده إلى واقعه، كونها الأقرب إليه، والأحبّ إلى قلبه، بها يتسلّح ليبقى متماسكاً، وبها يتسلح لتعيده إلى التروّي عندما يشعر بالخطر، لذلك أراني آليت على نفسي أن أتمالك قواي حتى آخر رمق. مقنعاً نفسي بسير العظماء في التاريخ الإنساني، ومستذكراً سقراط الذي تجرّع السم بيده ولم يتراجع عن مبادئه.