صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4045

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

السترات الصفراء وأمن الدولة الفرنسية

  • 17-01-2019

ثمة دول كثيرة غير فرنسا لها تاريخ من التظاهرات الضخمة في الشارع والتي تتحول أحياناً إلى أعمال عنف، ولكن بالنسبة إلى الأميركيين، يبدو عجز فرنسا، رغم نزول آلاف رجال الشرطة على الأرض، عن التعاطي مع التظاهرات بفاعلية وإبقاء الرعاع بعيداً عن الأهداف الحساسة غريباً وغير مبرر.

خلال تظاهرات السترات الصفراء الأخيرة في باريس، استخدمت مجموعة من المخربين آلية بناء استولوا عليها ليقتحموا باحة بناء يضم مكتب متحدث باسم الحكومة، وتم إجلاء المتحدث باسم الحكومة بنجامين غريفو بسرعة من مكتبه وسط تهديدات بالعنف، وصدمت هذه الحادثة الناس في شتى أنحاء فرنسا، فقد بدا أن تظاهرات السترات الصفراء، التي حظيت بتأييد واسع في مختلف أرجاء البلد، تخطت الحدود.

ندد المسؤولون، بمن فيهم ماكرون، بأعمال العنف معتبرين إياها "اعتداء على الجمهورية"، علماً أن هذه عبارة مستهلكة تفاقم التوتر بدون أي داعٍ، ورغم ذلك أثار أحد قادة السترات الصفراء البارزين قبل بضعة أشهر فكرة محاولة اقتحام قصر الإيليزيه.

دفعني التطور الأخير في حبكة السترات الصفراء إلى التفكير في محادثة خضتها في الإيليزيه قبل 30 سنة حين كنت أعد كتاباً عن فرانسوا ميتران، كنت أجري مقابلة مع هوبير فيدرين، الذي كان آنذاك كبير موظفي ميتران.

كنا نجلس في مكتب فيدرين في الإيليزيه، 55 شارع فوبور سان هونوريه في الدائرة الثامنة على مقربة من السفارة الأميركية وقصر كونكورد. باختصار، يقع المقر الرئاسي مباشرةً في مركز باريس التاريخية الأنيق في شارع ضيق في المدينة. لا يُعتبر هذا بالتأكيد الموقع الأكثر أمناً لقصر رئاسي، فضلاً عن أن الخوف من اعتداءات إرهابية كان مرتفعاً في تلك المنطقة.

كانت الأبواب في مكتب فيدرين مصنوعة من الخشب المزين، وقد بلغ ارتفاعها نحو 4.5 أمتار، وهذا طبيعي بالنسبة إلى قصر نبلاء باريسي يعود إلى مطلع القرن الثامن عشر، رحت أتأملها وتخيلت الأبواب المشابهة في مكتب ميتران في الجهة المقابلة من الدرج الكبير (كان هذا مكتب ديغول القديم وأجريت فيه مقابلة مع ميتران ذات مرة). انتشر في المكان عدد من العاملين الأنيقي المظهر، ولكن لم يبدُ أي منهم قادراً على التصدي لاعتداء.

سألت فيدرين: "ما الحماية التي تتمتعون بها ضد الاعتداءات الإرهابية؟ بدا لي ممكناً أن تنجح مجموعة إرهابية في اقتحام الإيليزيه: تخترق البوابة، تركض صاعدة الدرج، وتأخذ الرئيس الفرنسي رهينة".

تخيلت أبواباً فولاذية تُقفل في غضون ثوانٍ وممراً سرياً يقود إلى ملجأ تحت الأرض، ولكن من اللافت للنظر أن فيدرين نظر إلي وقال: "ماذا تريد أن نفعل؟". لا أمل في تحويل الإيليزيه إلى حصن. بدت لي هذه نزعة انهزامية مذهلة، إلا إذا كان فيدرين يمازحني، لكنني أعتقد أنه كان جاداً.

قد يكون الإيليزيه محصناً اليوم بأبواب فولاذية وأشكال أخرى من الحماية، إلا أن هذا المبنى يظل هدفاً سهلاً، ولكن هل يتمتع مقر الحكومة البريطانية في 10 شارع دونينغ بحماية أفضل؟ تبدو المستشارية الألمانية محصنة، شأنها في ذلك شأن البيت الأبيض، الذي يتمتع بحماية كبيرة بيد أنه يبقى معرضاً للخطر، وفي عاصمة الكاميرون ياوندي، يقع القصر الرئاسي فعلاً على رأس تلة وتحيط به مجموعة من الحواجز المتدرجة التي تحميه صعوداً، ما يذكرني بنصيحة مكيافيلي عن حماية الأمير والدولة.

عندما عاد شارل ديغول إلى السلطة في عام 1958، فكر خلال الحرب الجزائرية في نقل مقر الرئاسة إلى قصر فرساي، لا يبدو هذا القصر أكثر بهاء فحسب، بل يُعتبر الدفاع عنه أيضاً أسهل، كما عرف ديغول، وهو رجل عسكري. على نحو مماثل، قد يفكر ماكرون اليوم في نقل قصر الرئاسة إلى مبنى جديد خارج وسط باريس، حيث يمكن تنظيمه وحمايته بشكل أفضل.

لطالما عانت فرنسا المبالغة في المركزية السياسية، فقد حمل مقال شهير عن الترتيبات السياسية في فرنسا العنوان "باريس والصحراء الفرنسية"، وعلى نحو مماثل، يتركز معظم المباني الحكومية، التي يعود الكثير منها إلى قرن أو قرنين، في منطقة واحدة، ونتيجة لذلك، حتى في عام 2019، يمكن لتظاهرات السترات الصفراء السلمية، التي ترافقت مع عمليات خارجة عن السيطرة كسّر خلالها الرعاع المتاجر وهاجموا الشرطة في شانزليزيه، أن ترهب جزءاً بالغ الأهمية من المدينة وأن تخيف الحكومة إلى درجة تخشى معها الإطاحة بها، كما حدث في عام 1968.

يُعد هذا التأثير المركّز أحد الأسباب التي جعلت حركة السترات الصفراء، النموذج الأخير من تقليد "النزول إلى الشارع" الفرنسي، ناجحة إلى هذا الحد، ويساهم أيضاً في تفسير لمَ تمكنت هذه الانتفاضة العفوية غير المتوقعة التي قادها مواطنون غاضبون حقاً من التأثير في البلد طوال ثمانية أسابيع حتى اليوم وحصد اهتمام إعلامي كبير في الولايات المتحدة.

ثمة دول كثيرة أخرى لها تاريخ من التظاهرات الضخمة في الشارع والتي تتحول أحياناً إلى أعمال عنف، ولكن بالنسبة إلى الأميركيين، يبدو عجز فرنسا، رغم نزول آلاف رجال الشرطة على الأرض، عن التعاطي مع التظاهرات بفاعلية وإبقاء الرعاع بعيداً عن الأهداف الحساسة غريباً وغير مبرر.

تُعد هشاشة الدولة الفرنسية هذه أمام عنف التظاهرات الاجتماعية ضعفاً قديم العهد من الضروري إصلاحه، فمواصلة القبول بهذا الضعف تمثل على ما يبدو نوعاً من الانهزامية وعدم الكفاءة.

* دونالد تيرسكي

* «ريل كلير ورلد»