صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4095

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

أصول البحث في قانون البيئة

  • 15-01-2019

لا شك في أن دولة الكويت من الدول الحريصة على المحافظة على البيئة من أجل حماية الفرد والمجتمع في آن واحد، سواء في ذلك حماية صحة الإنسان أو حماية ثروات الدولة من التلوثات التي تضر بها.

وهو الأمر الذي يوجب علينا إلقاء الضوء على ماهية قانون حماية البيئة وما يتضمنه من نصوص تهدف إلى عدم الإضرار بالبيئة وتلوثها، مع الوضع في الاعتبار أن مصطلح التلوث هو أضيق من مصطلح الإضرار بالبيئة، فكثير من الوقائع تمس بالبيئة وتضرّ بها، إلا أنها لا تدخل في التلوث، فالإضرار بالبيئة قد يؤثر دون أن يحدث فيها تلوث البيئة، كالضوضاء والروائح المقززة والنفايات، أما التلوث فهو تغيّر مرغوب، فيه من الخواص الطبيعية أو البيولوجية للبيئة وبالإنسان من هواء وماء وتربة، والذي يسبب أضرارا لحياة الإنسان أو غيره من الكائنات الأخرى الحيوانية والنباتية، إذ أن التلوث يتضمن إضافة مادة غير مألوفة إلى أي من الأوساط البيئية، وتؤدي هذه المادة عند وصولها الى تركيز معيّن الى حدوث تغيّر في نوعية وخواص هذه الأوساط.

والمستقر عليه أن الجريمة البيئية أو فعل التلويث يشترط لقيامها توافر الأركان التالية:

1 - السلوك أو الركن المادي، المتمثل في أحد الأنشطة التي يقوم بها الشخص الطبيعي أو المعنوي... كقيامه بخلط الصرف الصحي بالصرف الصناعي أو أي فعل ملوث للبيئة.

2 - النتيجة التي تتمثل في مدلولات الضرر والخطر، سواء الضرر المادي الملموس أو الحسي. ولا يشترط في أن يقع الضرر حالا، بل قد يكون مستقبلا، وذلك على سبيل المثال حالة التلوث النووي الإشعاعي.

3 - علاقة السببية بين السلوك المادي والنتيجة، أي لابد أن يكون الفعل المجرم الذي يصيب المجتمع ينتج عنه أذى يترتب عليه مسؤولية الفاعل جنائيا.

ومحور ارتكاز هذه المقالة يتجسد في تبيان الأحكام العامة لجرائم البيئة، والتي يؤكد فقهاء قانون الجزاء بشأنها أن جرائم المساس بالبيئة تعني الجرائم التي تنطوي على اعتداء على العناصر الأساسية التي تكون الوسط البيئي الذي تعيش فيه الكائنات الحية، وفي هذا المجال نجد الأغلبية من فقهاء قانون الجزاء يذهبون الى صعوبة تحديد مدلول البيئة، فضلا عن أنه من ناحية نجد صعوبة في تحديد الجرائم التي تمس هذه البيئة، ومن ناحية أخرى فإن صعوبة تحديد مدلول التلوث قد أدت الى صعوبة تحديد الركن المادي في جرائم الاعتداء على البيئة.

وعلى هدي ما تقدم يذهب الكثير من فقهاء قانون الجزاء الى القول بأن تنوع وسائل الاعتداء على البيئة وتعددها وتطورها واحتمال ظهور وسائل جديدة لم تكن موجودة عند وضع نصوص قانون حماية البيئة، قد أدت بالمشرع الى انتهاج سياسة تشريعية قوامها أن تحديد الركن المادي في جرائم البيئة يتسم بالمرونة، فقد ينص المشرع على الفعل المجرم في صورة مجملة، ثم يحيل في بيان هذا الفعل الى اللائحة التنفيذية لقانون حماية البيئة أو الى القرارات الوزارية، وقد يضمن المشرع هذه النصوص عبارات تتسم بالإجمال وعدم التحديد، بهدف عدم وقع قيد على تفسير مدلول الفعل المجرم وإمكان شموله الصور الحالة أو المحتملة للاعتداء على البيئة.

وهذا الأمر يفضي إلى عدم وضوح الركن المادي في جريمة الاعتداء على البيئة في صور هذه الجرائم وإثارة مشكلات تصل إلى حد عدم دستورية النصوص أو بعض الجرائم التي نص الشارع عليها، وهو أمر يحدث كثيرا في مجال المشكلات التي يثيرها التجريم والعقاب في مجال حماية البيئة، خاصة مشكلات المسؤولية الجنائية في مجال الإضرار بالبيئة وتحديد الفاعل على وجه الدقة، كما أنه بقراءة نصوص قانون حماية البيئة نجد تلك النصوص تفترض اتجاه الإرادة الى ارتكاب فعل تلويث البيئة، على الرغم من أنه في بعض الحالات ينتفي وصف الفعل الماس بالبيئة إذا تحقق حادث فجائي أو قوة قاهرة تؤدي الى تسرب مواد ملوثة الى الوسط البيئي، وهو الأمر الذي جعل المحكمة الدستورية في مصر تتصدى لعدم دستورية المعاقبة على الفعل غير الإرادي، وأكدت أنه لا يجوز أن يجرم بالفعل ما لم يكن إراديا قائما على الاختيار الحر.

وقالت إنه من الحقوق التي كفلها الدستور حقه في افتراض براءته، وحقه في حريته الشخصية التي تهدد بعقوبة كأثر الفعل، كما أن من شأن هذا التجريم أن ينال من الأسس التي يقوم عليها التجريم والعقاب، وهو ما سيتم تناوله في مقالات أخرى تتعلق بالتطبيقات العملية لنصوص قانون حماية البيئة أمام القضاء.

وقبل الختام، ينبغي الإشارة الى الدور الفعال للهيئة العامة للبيئة في الحفاظ على البيئة، وكذلك الى الدور الفعال لشرطة البيئة، وما يقوم به رجالها من مواجهة أي أفعال تلوث البيئة تصدر من الأشخاص الطبيعية أو المعنوية ومحاولات تفادي وقوع تلك الأفعال التي تضر بالبيئة.