صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4147

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

إلى أي حد عالم الإنترنت مزيّف؟

  • 10-01-2019

بعد سنوات من النمو المبني على أدوات القياس، والأنظمة المربحة المبنية على التلاعب، وأسواق المنصات العشوائية، نشأت بيئة تجعل الزيف على الإنترنت منطقياً أكثر من الحقيقة؛ مما يعني تبنّي سلوكيات تنمّ عن الخداع والسخرية والكذب والاحتيال والتشويه والتحريف، ولمعالجة هذا الوضع لا بد من إجراء إصلاح ثقافي وسياسي.

في أواخر شهر نوفمبر، أصدرت وزارة العدل الأميركية لوائح اتهام ضد ثمانية أشخاص متّهمين بسلب 36 مليون دولار من المعلنين في اثنتين من أكبر عمليات الاحتيال الرقمي التي كُشِف النقاب عنها على الإطلاق، يريد المعلنون الرقميون تحقيق هدفَين أساسيين: أن يشاهد الناس إعلاناتهم وأن يعرضوها على مواقع إلكترونية "مرموقة"، على شكل منشورات مشروعة مثلاً. لكن عمد المشروعان المشبوهان اللذان حملا اسم "ميثبوت" و"ثري في"، بحسب الباحثين الأمنيين الذين رصدوهما، إلى تزييف الهدفين معاً. فقد أغرق المعتدون 1.7 مليون حاسوب ببرمجيات خبيثة وجّهت حركة الإنترنت عن بُعد نحو مواقع إلكترونية "مغشوشة": "إنها مواقع إلكترونية فارغة ومُصمَّمة للحركات الآلية" وتعرض إعلانات مصوّرة تم شراؤها من أحد أنظمة تبادل الإعلانات المُبرمجة الواسعة على شبكة الإنترنت، لكنها مُصمَّمة، وفق لوائح الاتهام، بهدف "خداع المعلنين وجعلهم يظنون أن نسخة من إعلانهم عُرِضت على موقع نشر مرموق مثل "فوغ" أو "ذي إيكونوميست".

في الوقت نفسه، جرى تزييف المشاهدات من خلال استعمال حواسيب فيها برمجيات خبيثة، وذلك عبر تقنيات معقدة لدرجة أنها تستطيع تقليد تحركات البشر: عمدت الروبوتات المستعملة إلى "تزييف النقرات، وحركات فأرة الحاسوب، والمعلومات الخاصة بتسجيل الدخول إلى الشبكات الاجتماعية، كي تظهر بصورة مستهلكين بشريين عاديين". كُلّف جزء منها بتصفح الإنترنت وجمع ملفات تعريف الارتباط من مواقع إلكترونية أخرى، مثلما يفعل أي زائر بشري في الحالات العادية. كانت العملية عبارة عن أشخاص مزيفين يستعملون ملفات مزيفة لتعريف الارتباط وحسابات مزيفة على مواقع التواصل الاجتماعي ويحركون مؤشراتهم المزيفة ويستخدمون نقرات مزيفة لدخول مواقع إلكترونية مزيفة: لقد ابتكر المحتالون في الأساس صورة مزيفة عن الإنترنت حيث أصبحت الإعلانات الحقيقة الوحيدة!

إلى أي حد يمكن اعتبار عالم الإنترنت مزيفاً؟ بشكل عام، تكشف الدراسات على مر السنوات أن أقل من 60% من حركة الإنترنت تكون بشرية. في عام 2013، ذكرت مجلة "تايمز" أن نصف حركة التصفح على موقع يوتيوب خلال تلك السنة كانت عبارة عن "روبوتات مُقنّعة بصورة بشر". إنها نسبة مرتفعة لدرجة أنّ الموظفين باتوا يخشون انعكاس الوضع ونشوء مرحلة تبدأ فيها أنظمة يوتيوب الخاصة برصد الحركات المزيفة باعتبار حركة الروبوتات حقيقية وحركة البشر مزيفة! لذا سمّوا هذا الحدث الافتراضي "الانقلاب".

الناس مزيفون!

في ما يخص موقع يوتيوب، يشهد قطاع بيع وشراء المشاهدات "ازدهاراً" واسعاً. أرادت مجلة "تايمز" أن تُذكّر القراء بهذا الواقع عبر نشر تحقيق مطوّل عن الموضوع في شهر أغسطس. تقول الشركة من جهتها إن "جزءاً ضئيلاً" من التحركات في موقعها مزيّف، لكن يبدو أن عدد المشتركين المزيفين طرح مشكلة كافية لدفع الموقع إلى إطلاق حملة للتخلص من الحسابات المزيفة في منتصف شهر ديسمبر. اليوم، اكتشفت مجلة "تايمز" أننا نستطيع شراء 5 آلاف مشاهدة على موقع يوتيوب (تساوي كل 30 ثانية من أي فيديو مشاهدة واحدة) مقابل 15 دولاراً فقط. في معظم الأوقات، يقتنع العملاء بأن المشاهدات التي اشتروها تأتي من أشخاص حقيقيين. لكن تشتق تلك المشاهدات على الأرجح من روبوتات. على بعض المنصات، يمكن تزوير مشاهدات الفيديوهات وعدد تنزيل التطبيقات بناءً على عمليات تزوير صناعية مربحة. إذا أردت فهم ظاهرة "الانقلاب"، يكفي أن تجد فيديو مع "نقرة مزيفة": في هذه الحالة، تُستعمَل مئات الهواتف الذكية الفردية التي تكون موزّعة على الرفوف في مكاتب شبه احترافية، ويُشغّل كل هاتف الفيديو نفسه أو يُنزّل تطبيقاً واحداً.

من الواضح أن هذه العملية ليست حركة بشرية حقيقية، لكن كيف تبدو الحركة البشرية الحقيقية؟ تقدّم نظرية "الانقلاب" بعض الأمثلة الفلسفية الغريبة: إذا عمد محتال روسي يستعمل صورة رجل برازيلي للظهور بصورة داعم أميركي لترامب إلى مشاهدة فيديو على فيسبوك، هل تُعتبر تلك المشاهدة "حقيقية"؟ لا تدّعي الروبوتات أنها بشر ولا ينتحل البشر هويات مزيفة فحسب، بل يتظاهر البشر أحياناً بأنهم روبوتات أيضاً، فيدّعون أنهم "مساعدون شخصيون عاملون بالذكاء الاصطناعي"، مثل المساعد الافتراضي "إم" على فيسبوك، وذلك لمساعدة شركات التكنولوجيا على إثبات تطورها في مجال الذكاء الاصطناعي.

المحتوى مزيف!

يبدو يوتيوب الموقع الوحيد الذي يعطي ذلك الشعور "الوهمي"، كما يفعل موقع أمازون في معظم الأحيان، فيُشغّل يوتيوب محتويات معكوسة وغير بشرية على مر أسابيع، ويتم بث الحلقات التلفزيونية الخاضعة للتمويه بهدف تجنب المشاكل المرتبطة بحقوق النشر إلى جانب أصحاب القنوات الذين يروّجون منتجاتهم بالقرب من فيديوهات مجهولة المصدر تستهدف الأولاد ظاهرياً.

نحن جميعاً مزيفون!

في أنحاء شبكة الإنترنت هذه السنة، طُلِب مني بشكل متكرر التأكيد على أنني إنسان: هل تستطيع أن تعيد طباعة هذه الكلمة المشوّهة؟ هل تستطيع نسخ هذا الرقم المنزلي؟ هل تستطيع اختيار صور فيها دراجة نارية؟ كنت أجد نفسي يومياً أمام حراس آليين وأتباهى بكل حماسة بمهاراتي العالية في مطابقة الأنماط. كنت أصل إلى نوادٍ ليلية لا أعرف إذا كنت أريد دخولها أصلاً. في الداخل كانوا يُوجّهونني نحو مواقع تتجاوز النطاق الصحي، وقد تم التلاعب بي عبر عناوين مشحونة عاطفياً ومنشورات تدفعني للنقر على مواضيع لم أكن أهتم بها أو لخوض النقاشات أو القيام بعمليات شراء وإقامة العلاقات... كانت هذه العوامل دقيقة من الناحية الحسابية لدرجة أننا نعجز عن اعتبارها حقيقية!

ما الذي يمكن استنتاجه في النهاية؟ لستُ واثقاً من أن الحل يقضي بالبحث عن المظاهر "الحقيقية" في حقبة ما قبل "الانقلاب" المرتقب، مما يعني أن نعود إلى "الواقع"، وفي نهاية المطاف لا يمكن اعتبار كل ما يصدر عن الإنترنت "حقيقياً"، لكن يتماشى كل ما نواجهه من أشخاص ومسائل مع الصورة التي يعكسونها عن نفسهم. بعد سنوات من النمو المبني على أدوات القياس، والأنظمة المربحة المبنية على التلاعب، وأسواق المنصات العشوائية، نشأت بيئة تجعل الزيف على الإنترنت منطقياً أكثر من الحقيقة، مما يعني تبنّي سلوكيات تنمّ عن الخداع والسخرية والكذب والاحتيال والتشويه والتحريف، ولمعالجة هذا الوضع لا بد من إجراء إصلاح ثقافي وسياسي في منطقة "سيليكون فالي" وفي أنحاء العالم. إنه الخيار الوحيد أمامنا، وإلا فسنغرق في النهاية في عالم الإنترنت الآلي والمليء بأشخاص مزيفين، ونقرات مزيفة، ومواقع مزيفة، وحواسيب مزيفة... حيث تبقى الإعلانات الحقيقة الوحيدة!

* ماكس رايد