صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4126

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الجمال الاستهلاكي

  • 14-12-2018

ما الجمال؟ ذلك السؤال الذي حير بني الإنسان منذ الأزل، وكان محط جدل العديد من الفلاسفة والعلماء على مر العصور.

لكل مدرسة فكرية رأي قد أبدته في الجمال، فعلماء الطبيعة يرجحون سيادة الأصل البيولوجي للجمال، فنحن نرى المرأة التي تمتلك صفات الصحة والخصوبة جميلة، كما نرى الرجل الطويل العريض المنكبين وسيماً، وذلك لدلالة قدرته على الصيد وتوفير الحياة الكريمة لزوجته وأبنائهما، وبالمثل فإننا نرى الآفات الضارة من الحشرات والديدان على أنها قبيحة بشكلٍ عام، مع وجود الاستثناءات بكل تأكيد.

أما علماء الاجتماع فدرسوا معايير الجمال التي تتأثر بالمجتمع وتختلف من ثقافة إلى أخرى، فالمرأة المفرطة السمنة كانت– وما زالت في بعض الأقطار- تعتبر رمزاً للجمال، وذلك لأن سمنتها تدل على وفرة أموالها وتغذيتها الجيدة! وكذلك فإن المرأة مفرطة النحالة أصبحت تعتبر جميلة بسبب ربط النحافة بالطبقة الغنية والذوق الرفيع والتحضر، ونلاحظ مدى تأثير العامل الاقتصادي في نظرتنا للجمال.

وللفلاسفة رأي آخر، حيث ربط بعضهم الجمال بقيم عُليا كالصدق والتوافق مع الطبيعة، وآخرون ربطوا الجمال بالمتعة، وهنالك العديد من المدارس والآراء في فلسفة الجمال والفن التي لا يسعني سردها هنا.

هنالك من يرى الجمال عملية حسابية بين تناظر وتطابق، شخصياً أرى أن ذلك ينتج جمالاً ميتاً كالجثة الباردة التي تخلو من دفء الحياة وعفويتها المميزة.

ودرس علماء النفس تأثير الإعلام الجبار على تشكيل قناعاتنا فيما يتعلق بالجمال، فكثرة التعرض للصور أو مقاطع الفيديو بشكل يومي جديرة بخلق حالة من انعدام الرضا عن وضعنا الحالي والسعي وراء عيش صورة مطابقة لما نراه، حتى إن لم تكن واقعاً.

ومن هنا أصبح الجمال الدارج في عصرنا هو الجمال الاستهلاكي للأسف، ذلك "الجمال" الذي ظهر نتاج جشع التجار والصناعة الطبّية، وانتشر عن طريق وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، ومع كثرة التعرض لسيل الصور ذاك، استحال الجمال قبحاً، فأصبحنا لا نرى الجمال إلا في الوجوه البلاستيكية المحشوة ومظاهر البذخ، لا مجال لأي نوع من العفوية والطبيعية فيها. وأصبح الجمال وصفة سريعة لا مجال للصبر فيها، فالأغنية التي تفوق الأربع دقائق باتت تضجرنا، واللوحات الفنية التي أخذت أشهراً للتكون والاكتمال لا تكاد تقع أعيننا عليها بضع ثوانٍ حتى نشيح بأبصارنا بعيداً في ذلك البحث الخاوي عن الكمال.

إننا نمر بأزمة جمال، لذا لابد من أن نتوقف ونسأل أنفسنا: لماذا نرى شيئاً ما على أنه جميل أو قبيح؟ وما القيم التي استُخدمت لإطلاق هذه الأحكام؟

الجمال... ذلك المتغير الثابت! فهو كالماء تتغير حالته من الصلب إلى السائل والبخار، لكن يبقى الجوهر النقي واحداً كما هو.

* "صوت الجمال همساً يتكلم: إنه لا يتسلل إلا للأرواح اليقظة". (فريدريك نيتشه).