صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4072

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

ليغفر لي الله!

  • 13-12-2018

ليغفر لي الله.

لم أمنحك من الحب ما يليق بجلال قلبك، ولا من السماء ما يكفي لفيض نورك، ومن الرعاية والاهتمام ما يكفي لإبقاء ندى كلماتك عارياً من الجفاف أبد الصيف، ولا ما يبقي معانيك مكتسية خضرتها أبد الخريف، لم أمدد لك كفي الباردة مرات عديدة حين قدمت لي كأساً صافياً من الجمر، وأحياناً كنت أتعمّد جهلاً رفع مظلة فوق رأسي لأتحاشى مطرك عندما يهطل فجأة بدون سابق برق خوف البلل!

ليغفر لي الله، لطالما فوّتُ موعداً لفنجان قهوة معك في صباح شتائي تلذذاً بغواية دفء اللحاف، وخسرت حينئذ رائحة البن، ومنظر البخار الصاعد من الفنجان كمارد خارج في طريقه ليؤم جموع الغيم في السماء لأداء صلاة الطُّهر, ولطالما شممت رائحة عطرك قبل وصولك، وخبأت كفي في جيبي تجنباً لمصافحته، حتى لا يأخذني من يدي ويسرقني من لحظة كنت أظنها ستمنحني شيئاً أكثر غموضاً من سحر عطرك، ثم أصبحت نادماً على ما فعلت، ولكن بعد الأوان، وبعد أن أهدرت كرنفالاً يغصّ بالطيب، وأجنحة الفراشات الملونة في حقل عطرك!

ليغفر لي الله، تغاضيت في مرات عديدة عن الإصغاء لتراتيلك الماسية لأدفن سمعي في مقابر الصخب النحاسية، وقرأت أوراق موسيقاك بالمقلوب من باب الإهمال، ودلقت حبر الوقت على سلّمها من باب التمهّل، تجاهلت ما تثيره أوتار قيثارتك ما يجعل نشوة الماء تتدفق في شراييني لينمو تحت جلدي الشجر، ويحل على أغصانه الحمام والسلام على روحي النزقة، وأصغيت لقرع طبول وثنيّة تحيي مراسم الصداع في رأسي، وترسم حدود الصدع في روحي، لم أكن على غير علم عندما أغمضت سمعي عن نداء موسيقاك التي تنبت الزعفران في راحتي، ورهنت أذنَي في ذمة الإعياء بأنني أرتكب ذنباً عظيماً، ولكنْ للإثم طعم يغري النفس الأمارة بالسوء لارتكابه!

ليغفر لي الله خطيئتي، خنتك مرات لا حصر لها مع نساء أقل منك فتنة، وأدنى مرتبة في الجمال، ولا يضاهينك غنجاً ولا يفوقنك دلالاً، طاوعت غوايتهن وعصيت غوايتك، أبهجتهن في الوقت الذي كنت أفقد معهن بهجتي، أسعدتهن بينما كانت مأسوراً في حضرتهن بمللي، لم يكن الحال كذلك معك، كنتِ تخرجين السعادة لي من قبعتك كما يفعل السحرة، والبهجة من قبضتي الفارغة بعد أن تضميها في راحة يدك وتتمتمي بعض كلمات وتنفثي عليها من أنفاسك طيباً، فتصبح يدي بيضاء، وقبضتي مملوءة بالذهب، وفي مقابل هذه المتعة العظمى التي تهبينها لي لم يكن مطلبك أكثر من كفايتك من الوقت الخالص لك، وكثيراً من الحب النقي، لم تكوني أكثر أنانية من نساء منحتهن أولوية عليك، وإن لم يكنّ أكثر محبة لقلبي منك، ولم تكوني يوماً جاحدة كبعضهن، وأيضاً... لم أكن على غير علمٍ بذلك، إنما هو شغب طفولي لم ينفك يصاحبني مذ حبَّبْتِه لي ورعَته يداك في قلبي منذ استوطَنْتِه، ليغفر لي الله ما اقترفته بحقك أيتها القصيدة، فما من أنثى اقترفت بحقها الذوب وما فتئت تغفر ذنوبي كأنتِ!