صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4023

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

السرطان... حتى النسيج السليم مليء بالطفرات!

  • 10-12-2018

ينشأ السرطان بسبب طفرات موجودة في حمضنا النووي. ولكن لم يكتشف العلماء حتى الآن معلومات كثيرة حول ما تفعله تلك الطفرات كي تتراكم في النسيج السليم مع مرور الوقت. تطرح دراسة حديثة مجموعة من التفاصيل في هذا المجال.

مع التقدّم في السن، تتراكم الطفرات في الحمض النووي ببطء، وتُعرَف المجموعة الموجودة في النسيج السليم بالطفرات الجسدية.

لما كان السرطان ينجم عن تراكم الطفرات الجينية، فسيكون فهم طريقة التجمّع هذه أساسياً لاكتشاف كيفية نشوء المرض.

يشكّل هذا التراكم البطيء والتدريجي للطفرات على الأرجح جزءاً مهماً من مسار الشيخوخة أيضاً.

حتى الفترة الأخيرة، كان يصعب تحديد طريقة تصرّف الطفرات الجسدية مع مرور الوقت بدقة، ذلك بسبب بعض المصاعب التقنية.

لكن تتعمق دراسة جديدة ومنشورة في مجلة «العلوم» للمرة الأولى في طريقة تحوّل الخلايا وتنافسها في ما بينها داخل النسيج السليم على مر الحياة.

خريطة الطفرات

أخذ باحثون من معهد «ويلكوم سانغر» ومن وحدة السرطان التابعة لمجلس الأبحاث الطبية في جامعة «كامبريدج» في بريطانيا عينات أنسجة سليمة من مريء تسعة أفراد يتراوح عمرهم بين 20 و75 عاماً. لم يكن أي من هؤلاء الأشخاص يحمل تاريخاً بسرطان المريء أو أي مشاكل صحية أخرى في ذلك الجزء من الجسم.

في المرحلة اللاحقة، استعمل الباحثون تقنية تجزئة الجينوم الكامل لرصد وجود أي خلايا متحوّلة في تلك العينات السليمة.

فتوصلوا إلى اكتشاف مفاجئ حين لاحظوا أن الناس في عمر العشرينات كانوا يحملون مئات الطفرات في كل خلية. ارتفع هذا العدد إلى أكثر من ألفَي طفرة في كل خلية من خلايا المشاركين الأكبر سناً. ولكن اكتشف الباحثون أن التغيرات الحاصلة في جينات محددة هي التي تعطي أثراً بارزاً.

كانت الطفرات الموجودة في بعض الجينات كفيلة بجعل الخلايا تتفوق على المجموعة التي تحمل الطفرات، حين كانت تنقسم وتغزو مناطق جديدة، كذلك استعمرت مساحات واسعة من النسيج، وهذا ما أدى إلى نشوء مجموعة من الخلايا المتحولة.

في منتصف العمر، قد يحمل أكثر من نصف الخلايا في المريء السليم بعض الطفرات في جينات السرطان.

يقول الأستاذ فيل جونز الذي شارك في الإشراف على الدراسة: «تحت المجهر، بدا نسيج المريء طبيعياً للغاية وكان يشتق من أفراد أصحاء لم يواجهوا أي مؤشر على السرطان. لكن بعد دراسة المعطيات الوراثية، صُدِمنا حين رأينا أن المريء السليم كان مليئاً بالطفرات. اكتشفنا أن الشخص يحمل طفرات أكثر من الخلايا الطبيعية على الأرجح عند بلوغه منتصف العمر».

استكشاف الجينات المرتبطة بالسرطان

اهتم العلماء تحديداً بجينة متحوّلة اسمها TP53 موجودة في جميع الكتل السرطانية في المريء. فاكتشفوا أنها كانت قد تحولت أصلاً في 5 إلى %10 من الخلايا الطبيعية. يظن الباحثون أن السرطان قد يشتق من هذه المجموعة الفرعية من الخلايا.

كانت جينة NOTCH1 من بين الجينات الأخرى المثيرة للاهتمام، علماً أنها تُعتبر ضرورية في عملية انقسام الخلايا. في منتصف العمر، تحمل نصف الخلايا تقريباً طفرات في هذه الجينة.

لكن كانت الطفرات في جينة NOTCH1 أكثر انتشاراً في النسيج السليم مقارنةً بحجمها في سرطان المريء، وهذا ما يطرح أسئلة جديدة حول دور الجينات في نشوء السرطان. لكن على عكس الأفكار الشائعة في هذا المجال، قد تحمي طفرات NOTCH1 من السرطان.

يقول الدكتور جو فولر الذي شارك في الإشراف على الدراسة: «طوال سنوات، كنا نستعمل تقنية تجزئة جينوم السرطان ونبحث عن جينات متحوّلة ومشتركة لدى المرضى. كنا نفترض أن الطفرات المشتركة هي التي تُسبب السرطان. لكننا درسنا مؤخراً الأنسجة الطبيعية وتفاجأنا حين اكتشفنا أن جينة NOTCH1 المرتبطة عموماً بسرطان المريء كانت تحمل طفرات في الخلايا الطبيعية أكثر من الخلايا السرطانية».

قد تُغيّر هذه النتائج الطريقة التي يستعملها الباحثون لدراسة مسار تشكّل الأورام أو إنتاجها أو نموها.

يوضح فولر: «تكشف هذه النتائج أن العلماء قد يضطرون إلى إعادة النظر بدور بعض جينات السرطان على ضوء تجزئة الأنسجة الطبيعية».

تطرح الدراسة الراهنة طريقة جديدة للتفكير بأصل سرطان المريء. لما كان المريء «السليم» بدا أشبه بشبكة كثيفة من الخلايا المتحولة التي تحمل طفرات جينية مرتبطة بالسرطان، فقد يُغيّر الباحثون اتجاهاتهم من الآن فصاعداً.

تُسلّط النتائج الضوء على مسار تطور الخلايا مع التقدم في السن. يقول د. إينيغو مارتينكورينا، أحد المشرفين على الدراسة من معهد «ويلكوم سانغر»: «من اللافت أننا لم نكن ندرك نطاق هذه الظاهرة حتى الآن. تطرح الدراسة أيضاً بعض الأسئلة حول طريقة تأثير تلك الطفرات في الشيخوخة وأمراض أخرى، ما يُمهّد لنشوء آفاق مثيرة للاهتمام في البحوث المستقبلية».

قد يتحوّل التركيز في بحوث السرطان نحو دراسة الأنسجة السليمة. شاركت الأستاذة كارين فوسدن من «جمعية أبحاث السرطان» البريطانية في تمويل الدراسة الأخيرة وعلّقت عليها قائلة: «باعتبارنا باحثين في مجال السرطان، لا يمكننا أن نستخفّ بأهمية دراسة الأنسجة السليمة».

في منتصف العمر يحمل أكثر من نصف الخلايا في المريء السليم بعض الطفرات في جينات السرطان