صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3984

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

هل ترضى واشنطن بمبادرات دفاع أوروبية مستقلة؟

  • 15-11-2018

للولايات المتحدة سجل طويل محبِط من محاولات تثبيط جهود أوروبا لتطوير قدرة أمنية مستقلة. فلطالما شدد تهويل واشنطن على حلفائها في (الناتو) لدفعهم إلى "المشاركة أكثر في حمل أعباء" هذا الائتلاف على تقديم مساهمات أوروبية أكبر ضمن إطار الحلف لا خارج هذه المنظمة. ولا نعلم يقيناً ما إذا كانت إدارة ترامب ستواصل اتباع المقاربة القديمة ذاتها التي طبقها أسلافها أو أن القادة الأميركيين صاروا مستعدين أخيراً لتقبّل تغيير الطبيعة غير المتوازنة للعلاقة الأمنية عبر الأطلسي.

استخلص البروفيسور كريستوفر لاين، مؤلف الكتاب الغني "سلام الأوهام: الاستراتيجية الأميركية الكبرى من عام 1940 حتى اليوم"، أن الولايات المتحدة، رغم كل هذا الحديث عن تشاطر الأعباء، لم ترغب مطلقاً في المسائل الأمنية في قارة أوروبية ديمقراطية مساوية لها حقاً، فكم بالأحرى مستقلة؟ ويضيف موضحاً أن ردود فعل صانعي السياسات الأميركيين السلبية دوماً تجاه اقتراحات تدابير دفاعية "أوروبية بحتة" تثبت أن "الولايات المتحدة لطالما خشيت أن تؤدي أوروبا المساوية والمستقلة إلى الإطاحة بوصاية واشنطن".

شهدنا أيضاً إشارات ذعر داخل الإدارة الأميركية ومجتمع السياسة الخارجية الأميركية الأشمل، ففي خطاب في لقاء وزراء الدفاع في الناتو في بروكسل في شهر ديسمبر عام 2000، حذّر وزير الدفاع آنذاك وليام كوهين من أن الحلف سيصبح "من مخلفات الماضي" إذا أنشأ الاتحاد الأوروبي قدرة دفاعية خارج الناتو، كذلك أعرب المسؤولون في إدارة جورج بوش الابن التالية عن موقف مماثل، وفي شهر أكتوبر عام 2003، انتقد السفير الأميركي إلى الناتو آنذاك نيكولاس بورنز بشدة خطة الاتحاد الأوروبي لتطوير قدرة عسكرية مستقلة، ووصف بورنز هذه الجهود بـ"أحد أكبر المخاطر التي تهدد المجتمع عبر الأطلسي".

هدفت معارضة واشنطن التخطيط الأوروبي للتنمية المكانية وإنشاء قوة تدخل سريع إلى اقتراح تشكيل قوة تفاعل عسكرية داخل الناتو، ومارست واشنطن ضعوطاً كبيرة لتحقيق هذا الهدف، فاضطرت أخيراً فرنسا والقوى الأخرى التي تفضل قدرة تفاعل سريع تتحكم فيها أوروبا إلى الرضوخ، ودخلت نسخة الناتو حيز التنفيذ في عام 2003، واكتسبت أهمية جديدة خصوصاً مع تنامي التوتر بين الحلف وروسيا.

لكن اقتراحات إنشاء قدرة عسكرية خاصة بالاتحاد الأوروبي عاودت الظهور، خصوصاً كرد فعل تجاه تعبير ترامب عن شكوكه حيال الناتو، فنادى ماكرون بتأسيس جيش مستقل للاتحاد الأوروبي في خريف عام 2017، وفي خطابه أمام السفراء الفرنسيين في أواخر شهر أغسطس عام 2018، وسّع حججه، مؤكداً أن على أوروبا أن تكون مسؤولة أكثر عن دفاعها الخاص. وفي خطاب لاحق في لقاء في الاتحاد الأوروبي أقر بأن "أوروبا اعتمدت لزمن طويل على حماية الولايات المتحدة هدفنا الواضح أن تحقق أوروبا الاستقلال الاستراتيجي وتعيد تعزيز تضامنها الدفاعي".

في شهر يونيو عام 2018، صدقت تسع أمم في الاتحاد الأوروبي الخطة الفرنسية لإقامة "مجموعة تدخل دفاعي" بغية تسهيل التوصل إلى رد فعل عسكري مستقل يتصدى للمخاطر والاضطرابات، سواء داخل مناطق الاتحاد الأوروبي أو خارجها، والأكثر أهمية أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أعربت عن دعم ألمانيا لخطة ماكرون لتأسيس قوة تدخل أوروبية مماثلة.

حتى هذه المرحلة، ما زال رد إدارة ترامب مكبوتاً وغير حازم، لكن تولي جون بولتون منصب مستشار ترامب للأمن القومي يمثل عامل قلق، إذ سبق أن اعتبر بولتون التخطيط الأوروبي للتنمية المكانية "حنجراً موجهاً نحو قلب الناتو"، وأضاف: "إذا عمد حقاً الاتحاد الأوروبي، لا دوله الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، إلى تطوير قدرة عسكرية متينة، فسيتحدى لا محالة مفهوم التحالف المؤسس".

فعلى واشنطن أن تتخلى عن إصرارها التقليدي على بقاء هيمنة الناتو شبه الحصرية، فتستطيع أوروبا الديمقراطية تولي القيادة في دفاعها الخاص، علاوة على ذلك لا تؤثر كل المشاكل الأمنية في أجزاء الغرب كافةً بالمقدار عينه، لذلك من غير المنطقي الافتراض أن الاضطرابات في البلقان، مثلاً، يجب أن تُعتبر مهمة للولايات المتحدة بقدر أهميتها للأوروبيين، وفي المقابل ينبغي ألا نتوقع من دول الاتحاد الأوروبي أن تقلق بقدر الولايات المتحدة بشأن مشاكل أميركا الوسطى.

صحيح أن مصالح أوروبا والولايات المتحدة تتداخل، إلا أنها ليست متطابقة، لذلك من المنطقي والحكيم إنشاء منظمة أمنية أوروبية قادرة على مواجهة عموماً الحالات الطارئة الأوروبية، ومن الضروري أن تشجّع إدارة ترامب هذه الخطوة لا أن تتبع بشكل أعمى الإدارات السابقة وتسعى إلى تخريبها.

* تيد كاربنتر

* «أسبينيا»