صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3986

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

«صباح الخير أيها الحزن»... رواية المشاعر المُتناقضة

غزارة الإنتاج الأدبي قد لا تُكسبُ صاحبها صفة المبدع، ولا تمكن من نيل امتياز إحداث تحول في المجال الذي اختاره. ثمة من يخطفُ الأضواء مع ظهوره الأول ويصبحُ اسمهُ قريناً لأول أعماله الإبداعية. إذاً يتحولُ إصدارُ بعض الأعمال الأدبية إلى حدث ثقافي ويتمُ التعامل مع المنجز الإبداعي باعتباره مؤشراً لمرحلة تتطلبُ حساسية مُختلفة في مُقاربة المُعطيات الجديدة وتحديات الواقع. ومن المَعلوم أنَّ النصوص الأدبية تُعبرُ عن هواجس الذات الكاتبة وما يتصفُ به العصر والبيئة من الخصوصية في آن. عندما صدرت رواية «صباح الخير أيها الحزن» عام 1954 كانت صاحبتها فرانسواز ساغان في التاسعة عشرة من عمرها. وأثار هذا العملُ الروائي جدلاً صاخباً في الوسط الثقافي وأصبحت الشابةُ التي حلت على باريس أيقونةً أدبية.

أشارَ علي حسين في كتابه «سؤال الحب» إلى ما خطته فرانسواز ساغان على أوراقها المدرسية: «أنا لا أنتمي إلى هذا العالم المتزمت بالمرة. لا أحبّ أن أكون ابنةَ عائلة غنية»، لذا هي تُغامر بِمُلاحقة مصيرها في مكان آخر حيث تندمجُ في أجواءِ مدينة باريس وتجدُ ضالتها في إرث الأدباء الفرنسيين أمثال أندريه جيد، ومارسيل بروست، وبول إيلوار.

هنا تستلهمُ عنوان روايتها الأولى من قصيدة بول إيلوار، من ثم تحجزُ مكانها في صفوف المبدعين بعدما تحررت من العالم الذي سئمتْ من أجوائه الرتيبة. كتبتْ ساغان عدداً من الروايات والمسرحيات وسيناريوهات الأفلام غير أن رواية «صباح الخير أيها الحزن»، صدرت عن دار «المدى» أخيراً بترجمة جديدة للشاعرة رجاء الطالبي، رسخت حضور الروائية الفرنسية، إذ نُقلت أحداث باكورتها الروائية إلى فيلم سينمائي.

تدور «صباح الخير أيها الحزن» حول حياة فتاة بلغت السابعة عشرة للتو، تعيشُ مع والدها الأرمل وهو في العقد الرابع من عمره يتمتعُ بالوسامة، ما يزيدُ من حظوظه في تواصله مع النساء.

تصحبُ ليزا، وهي فتاة فاتنة، ريمون وابنته في رحلةٍ صيفية إلى شاطئ البحر المتوسط، ويُصبحُ هذا الموقعُ مسرحاً لأحداث الرواية التي تسردها الابنة سيسيل بضمير المُتكلم. إذاً فإنَّ الشخصية الأساسية مُوكَل إليها بوظيفة رواية القصة وتنسيق أجزائها، فضلاً عن أنَّ المقاطع الحوارية مسبوكةُ في خطابِ الساردة. ويتابعُ القارئ وقائعَ الرواية على لسان سيسيل ولا يُصادف وجود شخصية تسترسلُ في التعبير بلهجتها أو أسلوبها. في المُقابل تتداعى الذكريات لدى البطلة ويتموضعُ قارئ النص المُحتمل موقعها.

رفض الوصاية

تُستهلُ الرواية بصيغة مونولوجية توحي بحيرة الساردة في تسمية ما تشعرُ به، ولا تريدُ توصيف الإحساس الذي يساورها بالحزنِ لأنَّ الشعور بالحزن حسب رأيها جديرُ بالاحترام. تنتقلُ بعد ذلك إلى المشهد الذي يجمعها بوالدها المترمل منذ 15 عاماً وعشيقته ليزا وما تسمعه على لسانها حول ريمون ينمُ عن إعجاب به وتعاطف وغيرة عليه.

بعدما تغادرُ سيسيل مدرسة الراهبات عائدةً إلى كنف والدها تلاحظُ سرعة استبدال الأخير عشيقاته، أمر تحاولُ الابنة استيعابه ومعايشته وإدراك حاجة الرجلِ الشديدة إلى النساء. لذلك لا تُمانعُ مشاركة إليزا في الرحلة، ويُفهمُ من سلوك الوالد الاهتمام برأي سيسيل وإيجاده التوازن بين رغبته الجانحة وبين ضرورة مراعاته الابنة. إلى هنا لا يوجدُ ما ينبئ بكسر هذا الإطار، فإنَّ سيسيل بدورها تخوض غمار الحياة حرةً طليقةً من القيود، وتُمَثِلُ علاقتها مع سيريل صورة واضحةً لشخصية الساردة الشغوفة بالحياة وتذوق ملذاتها الحسية، إذ تردُ عبارات وامضة تُضيءُ جانباً من شخصية سيسيل المُغامرة التي تَمضي جل أوقاتها بصحبة الأصدقاء في باريس ولا يكونُ اهتمامُها بالدراسة وقراءة الكُتبِ إلا قليلاً.

تبوحُ الابنةُ بما استخلصته عن مفهوم الحب من خلال مُشاهداتها سلسلة غراميات ريمون اللامُتناهية. وكان من المفروض وجود رؤية مُغايرة عن هذه التجربة بوصفها مصدر المسرات. إلى هنا لا وجود لما يخل بإطار العمل الموغل في عمق الذات الساردة، وعلى هذه الوتيرة تتوالى فصول الرواية، وقد يحسبُ المتلقي بأنَّ السرد ينساب دون أية مُفاجأة. ولما كانت بنية الحدث لا تنفصلُ عن الشخصية، فتتصاعدُ بوادرُ الصراع في مساحة النص مع ظهور شخصية آن، وهي عامل وراء تقلب الأدوار، من ثم يدخلُ السردُ مستوى جديداً.

شرك مرعب

يقومُ السيناريو الذي نسجته سيسيل على طرفين، وهما ليزا وسيريل، فالأولى هي عشيقة ريمون التي لم يعدْ لها دور بعد حضور آن في حياة ريمون، أما سيريل فهو حبيب الابنة التي لا ترتاح لتوصيات آن وتدخلاتها في تفاصيل حياتها.

يحدثُ الشرخُ بين الاثنتين عندما تعترضُ آن على العلاقة العميقة بين سيسيل وسيريل، وتكبرُ الهوةُ أكثر مع إعلان ريمون الزواج بآن، ومن هنا تتولّد فكرة سيسيل للإيقاع بريمون وإثارة غيظه من خلال لعبة يقومُ بها كل من سيريل وليزا.

يمثلُ الاثنان دور العاشقين تحت مراقبة الابنة سيسيل، وما يلفتُ الانتباه بأنَّ صاحبةَ الفكرة حين تراهما تصبحُ نهب الشعور بالتوتر رغم أنَّ اللعبة من صنيعها.

يتعمدُ كل من سيريل وليزا الظهور بوضعية العاشقين في الأماكن التي يرتادُها ريمون. عليه، فإنَّه لا يمكن للأخير تجاهل هذه الوضعية. وتبدأُ محاولاته لاستعادة ليزا. هنا تتدخلُ الساردة لتقديم تفسيرها حولَ رغبة ريمون في كسب ود ليزا مجدداً، فالسر يكمنُ في أنها تعادل الشباب والحيوية، ما يعنى أن الوصول إليها يُشعر ريمون بالثقة أكثر ويقتنعُ بأنه لا يزال شاباً. ذلك إضافةً إلى تخلصه من عُقدة الفقدان بعودة ليزا. أكثر من ذلك أبان الموقف عن وجود ما يسميه كارل يونغ بعقدة الكترا في شخصية سيسيل التي لا تجدُ بديلاً لوالدها في رجل آخر رغم تواصلها الحسي مع عشيقها.

واللافتُ في هذا السياق أن سيسيل لا تُنكر إعجابها بشخصية آنْ وتميزها في الآراء ولكن ما يحدوها إلى التفكير في إقصاء غريمتها من حياة ريمون تحجيمُ شخصيتها إلى جانب آن ورغبة الأخيرة في فرض وصايتها عليها.

يذكرُ أنَّ الساردة تمرر مُفردات تعبرُ عن النزعة النسوية، كذلك ثمة احتفاء بالجسد والحب الحسي، وتضمُ الرواية مشاهدَ تكشفُ عن الترابط بين السعادة والملذات الحسية.

وفقت الكاتبة في ترتيب مادتها الروائية وتأتي النهاية مدورة حين تختمُ الساردةُ العمل بجملة «صباح الخير أيها الحزن»، كما يفتحُ مجال لتفاعل المُتلقي مع مصير آن التي يُقال إنها توفيت جراء حادث سير بينما تعتقدُ سيسيل أن مُنافستها انتحرت بعدما رأت زوجها المُستقبلي مع ليزا في وضعية ساخنة.

بالطبع، مناجاة الساردة التي تفصحُ عما يعتملُ في دواخلها من مشاعر مُتناقضة تستدعي إلى الخاطر شخصيات الروائي الروسي دويستويفسكي الذي برع في سبر أغوار أعماق الإنسان، إذ ترى شخصياته المركبة تتنازعها مشاعر مُختلفة.