صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3960

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

اللعبة الكبرى في كوريا الشمالية

  • 11-09-2018

يلعب كل طرف في الأزمة الكورية، باستثناء الكوريتين، مرة أخرى لعبة أكبر، ويُعتبر هذا دوراً مألوفاً بالنسبة إلى كوريا الشمالية التي لطالما شكلت بيدقاً بيد قوى خارجية، وكان هذا السبب الذي دفع الشمال في المقام الأول إلى تطوير أسلحة نووية.

لا تسير عملية نزع الأسلحة النووية في كوريا الشمالية على قدم وساق، فقد أعلن وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس أن الولايات المتحدة لا تخطط لتعليق أي تدريبات عسكرية كبرى إضافية مع كوريا الجنوبية، كذلك ألغى دونالد ترامب فجأة زيارة إلى بيونغ يانغ كان وزير الخارجية مايك بومبيو يخطط لها منذ مدة. وجاءت هذه الخطوة بعد أيام فحسب من تسمية بومبيو أخيراً المبعوث الخاص الذي سيترأس على المستوى العملي المفاوضات مع كوريا الشمالية.

ما من سبب يدفعنا إلى الاعتقاد أن كوريا الشمالية تلتزم بما تعهدت به، بل على العكس تشير معظم الأدلة المتوافرة إلى أن بيونغ يانغ تواصل تطوير أسلحتها البالستية وقدراتها على التخصيب.

لم تتعهد كوريا الشمالية بنزع أسلحتها النووية وفق جدول زمني محدد، صحيح أن البيت الأبيض أعلن بالتأكيد أنها ستقوم بذلك، ولكن منذ قمة سنغافورة، عرقلت العملية الدبلوماسية بسبب مسائل رمزية عموماً.

ما دامت الولايات المتحدة غير مستعدة لمعالجة مسألة برنامج كوريا الشمالية النووي بالقوة، لا يملك البيت الأبيض نفوذاً كبيراً ليدفع هذه الدولة إلى الخضوع، وتعجز واشنطن عن التأثير في حجم ترسانة كوريا الشمالية النووية والصاروخية وشكلها، فضلاً عن التحكم في سلوكها كقوة نووية.

تقبل «النووي» الكوري

وتستطيع الولايات المتحدة أن تتقبل دولة كورية شمالية نووية للكثير من الأسباب ذاتها التي علمتها التعايش مع دولة باكستان النووية، إذ لا تملك إسلام آباد التكنولوجيا الصاروخية الطويلة المدى التي تحتاج إليها لضرب الولايات المتحدة، علاوة على ذلك، تقتصر الخيارات البديلة على حرب بالغة الكلفة. في المقابل، تفتقر الولايات المتحدة إلى النفوذ للأسباب التالية الأقل أهمية. ضعفت العقوبات الدولية تدريجياً، كذلك تبدو كوريا الجنوبية منشغلة باتباع مسارها الخاص للمصالحة مع الشمال بطرق ستساهم على الأرجح في التخفيف من الضغط الدولي على بيونغ يانغ. وسبق أن لعبت الولايات المتحدة ورقة تدريباتها العسكرية، ولن تسحب بالتأكيد القوات الأميركية من شبه الجزيرة، في الوقت الراهن على الأقل.

وقد وعدت واشنطن بتقديم استثمارات اقتصادية بغية استمالة خطط كيم بشأن التنمية الاقتصادية، غير أن كيم عاجز عن القيام بذلك من دون تهديد حكم نظامه المستمر، ومع إعلان ترامب في شهر يونيو أن كوريا الشمالية ما عادت تمثل خطراً نووياً، يتعرض البيت الأبيض لضغوط سياسية كي يقدّم النتائج، بالإضافة إلى ذلك، تُعتبر كوريا الشمالية المستفيد من مرور الوقت.

تحاول الولايات المتحدة راهناً استعادة جزء من النفوذ الذي خسرته، ونتيجة لذلك فإنها تهدد بإعادة إطلاق تدريباتها العسكرية التي تعتقد بيونغ يانغ أنها تمرين للغزو، ولهذا السبب أيضاً، تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة تدعيم نظام العقوبات، ولكن من الصعب توقع أن تحقق التدريبات العسكرية أو العقوبات أي تقدّم نحو كسر حالة الجمود، فلم تحققا ذلك بعد، حتى عندما بلغ الضغط الدولي ذروته عام 2017. يعني ذلك أن الولايات المتحدة كانت تفكر في مسائل أكبر عندما صاغت إستراتيجيتها بشأن كوريا الشمالية، وخصوصاً الصين وروسيا، الدولتين اللتين كانت لهما المساهمة الكبرى في إبقاء نظام كيم عائماً.

في الشهر الماضي مثلاً، سعت الولايات المتحدة، دون جدوى، إلى تمرير قرار في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة هدفه وقف شحن منتجات النفط المكررة إلى الشمال، كذلك فرضت واشنطن عقوبات جديدة على مصارف روسية متهمة بتبييض أموال شركات كورية شمالية صورية (مقر إحداها في الصين)، فضلاً عن شركتين شحن روسيتين متهمين بإجرائهما عمليات نقل نفط من سفينة إلى سفينة مع السفن الكورية الشمالية.

تحذير

علاوة على ذلك، أفاد موقع «فوكس» قبل أيام أن الولايات المتحدة تدرس فرض عقوبات ثانوية جديدة تستهدف مصارف وشركات صينية وروسية، وجاءت هذه العقوبات الأخيرة أصغر من أن تُسبب ضرراً يُذكر، لكنها قد تشكّل رسالة تحذّر من الأسوأ القادم، ونظراً إلى هشاشة الاقتصادين الروسي والصيني، فلا شك أن هاتين الحكومتين فهمتا الرسالة.

في الوقت عينه، بعث البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية إشارات إلى الصين وروسيا في تصريحاتهما بشأن كوريا الشمالية، ويمكننا أن نفترض أنهما حوّلا اللوم لأسباب سياسية، إلا أن الصين وروسيا شكلتا دوماً خطراً إستراتيجياً أكبر من كوريا الشمالية. قد تكون الولايات المتحدة عاجزة عن حل أزمة كوريا الشمالية النووية، إلا أنها تستطيع بالتأكيد استغلالها كسلاح في وجه أعدائها.

على سبيل الإيضاح، لا ترغب روسيا ولا الصين في دولة كورية شمالية نووية، لكن الأهم في هذه المسألة أن كوريا الشمالية النووية تمثل بالنسبة إليهما خطراً أقل مما تواجهه الولايات المتحدة، إذن تشكّل كوريا الشمالية ورقة مقايضة، كذلك حافظت موسكو على دعمها الاقتصادي المنخفض المستوى لبيونغ يانغ كوسيلة تعزز من خلالها صورتها كصانع قوى عالمي، وتحصل على تنازلات من الولايات المتحدة في مسائل مثل أوكرانيا وسورية، أما الصين، فقد دعمت العقوبات بغية تأخير حرب قد تنتهي بعودة الجنود الأميركية إلى حدودها، غير أنها واصلت التعاون بعدئذٍ لأنها ظنت أن ذلك قد يبقي الولايات المتحدة راضية في المجال التجاري.

بكلمات أخرى، يلعب كل طرف في الأزمة الكورية، باستثناء الكوريتين، مرة أخرى لعبة أكبر، ويُعتبر هذا دوراً مألوفاً بالنسبة إلى كوريا الشمالية التي لطالما شكلت بيدقاً بيد قوى خارجية، وكان هذا السبب الذي دفع الشمال في المقام الأول إلى تطوير أسلحة نووية. بعد ثلاثة أسابيع، سيحتفل كيم بالذكرى السبعين لتأسيس بلده (تشير تقارير إلى أن مبعوثاً من الرئيس الصيني شي جينبينغ سيحضر الحفل) في وقت تحتل فيه بيونغ يانغ موقعاً يتيح لها تغيير مسار هذه اللعبة لمصلحتها.

* فيليب أورشارد

* (جيوبوليتكال فيوتشرز)