صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3956

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

حبر و ورق

  • 08-09-2018

كرز حامض

لم نتحدث أنا وآدم عن الزواج. كنت أعرف أن ذلك غير ممكن من الناحية العملية؛ لا لأنه يكبرني بسبعة عشر عاماً، فذلك لم يكن يشكل معوقاً أمام الزيجات في بلادنا، لكنه كان مسيحياً، وهذا يعني أن الزواج لا يمكن أن يحدث اجتماعياً أو قانونياً أيضاً. لم أجد صعوبة في التصالح مع الفكرة؛ جل ما يهمني كان وجودنا معاً، حتى لو لم يأخذ ذلك الوجود شكله الطبيعي، لكن أن يتزوج من امرأة أخرى، فذلك ما لم أتوقعه.

كان آدم يسارياً عتيقاً وسياسياً نشطاً ككثير من أفراد أسرته. قضى سنوات في سجن صيدنايا لأنه كان شيوعياً، ولإيوائه إخوانياً مطلوباً. ومع أنه خرج بعد هذه السنوات من السجن من دون أن يُدان إدانة مباشرة، إلا أنه فُصل من عمله ومنع من مغادرة البلاد ثلاث سنوات لاحقة قبل أن يُزال حظر السفر بوساطة والد صديق للدكتور سعد الله كان يشغل منصباً مهماً في الدولة.

كنا نمشي في شارع شكري القوتلي ذات ظهيرة باتجاه حي الحميدية حيث يقيم حين كانت عناصر من شرطة التموين تلاحق أصحاب البسطات وتوقعها على الأرض متقصدين إتلاف البضاعة. كان الرجال يحاولون أن يأخذوا ما استطاعوا بأيديهم في أثناء فرارهم، وأصحاب المحال يقفون على أبواب دكاكينهم يشاهدون ما يحدث ويتهامسون مع بعضهم. «انظري»، قال آدم. «مساكين»، قلت.

«لا أقصد أصحاب البسطات، انظري إلى هؤلاء الذين يتفرجون، صاحب المحل رفض أن يدخل ذلك البائع مع بضاعته إلى دكانه خوفاً، وسائق تلك الحافلة لم يسمح لبائع المناديل بالركوب. أترين ذلك الرجل في تلك الزاوية الذي لم يلمس أحد بضاعته؟ إنه مخبر!».

نظرت إليه بدهشة وأنا أشد على يده التي أمسكها. لم ألاحظ شيئاً مما قاله؛ كنت أشعر بالحزن فقط لهؤلاء المساكين الذين لن يستطيعوا العودة في آخر اليوم إلى أسرهم بالنقود.

«أترين ذلك الصبي الذي يمسح الأحذية قرب المقهى، وذلك الصغير الذي يقف قرب الميزان بجوار الكشك؟ هؤلاء لا يراهم أحد، يتجاهلونهم لكي لا يسألهم أحد لماذا لا يقدمون لهم المساعدة بدلاً من تركهم هكذا في الشوارع، لكنهم يلاحقون الباعة لأنهم يخدشون مظهر المدينة الحضاري ويخالفون القانون. أي حضارة هذه التي يتحدثون عنها وأي قانون في بلد يجوع فيها البشر وتسرقهم الدولة؟».

حاولت أن أخرجه من تلك الدوامة. كنت أريد أن أخفف من حزنه وأجره إلى مكان آخر، لكني زدت الأمر سوءاً كما أظن.

«إذا كنت أثق بشيء فهو الوقت. لا شيء ثابتاً في هذه الحياة يا حبيبي، لا بدّ أن هذا سيتغير في يوم ما».

أظنه رغب في أن يضحك، أظن، لكن صوته خرج من حنجرته بصعوبة. كان يختنق بالكلمات التي يقولها كمن يحاول ألا يُهزم أمام دموعه.

«إذا كنت أثق بشيء فهو أن هذه البلاد لن تتغير إلا إلى الأسوأ. ما دام هؤلاء صمتوا في وجه هذه البشاعة التي حصلت الآن، وما دام غيرهم يصمتون عما حدث ويحدث كله في المعتقلات خوفاً على أنفسهم، وما دام ما حدث لسلمى لم يحرك شعرة في جسد من رأوها تقتل نفسها إلا اشمئزازاً من عريها فلا شيء سيتغير إلى الأفضل. هذه البلاد ستغرق في بحر من الدم يوماً ما وأستطيع أن أدخل معك في رهان على ذلك».

«لا أريد أن أراهنك على شيء، أريد فقط أن أخرجك من هذه الدوامة»، قلت في نفسي من دون أن أرفع رأسي عن الطريق. كنت أبكي وكان يعرف. مد يده نحو وجهي ومسح خيطاً من الدمع كان في طريقه إلى عنقي. صعدنا درج منزله، وفتح الباب من دون أن يحدث ضجة لكي لا يفاجئنا أحد الجيران الفضوليين. رميت نفسي على أريكتي المفضلة في الصالة وفككت أزرار قميصي لأتخلص من الحر. «قهوة؟» أشار إلي، فأومأت إيجاباً، «وماء»، قلت.

كان قلبي أكثر اتساعاً من العالم، وأشد ضيقاً من زنزانة في تلك اللحظة التي جلس فيها إلى جواري. كنا وكأن حاجزاً إسمنتياً نما بيننا وفصل أقدارنا بضع ثوان.

«ما زلت تحبها!»، قلت.

«تغارين منها؟».

«بالطبع لم أقصد ذلك».

«وما المشكلة؟ العشاق يغارون».

«لا مشكلة، لكن المسألة ليست كذلك».

«لماذا تسألين إذاً؟».

«لأني أحبها أيضاً، تلك هي المسألة، وعلى الرغم من أن ذلك كان سيعني ألا نصبح ما نحن عليه، لكني أتمنى أنها لم تفعل ذلك لنفسها».

«لقد كانت امرأة شجاعة وحقيقية. وما زلت أحبها نعم، لكن ليس كعاشق، فأنا غير قادر على حب امرأتين في الوقت نفسه».

«أتظن ذلك حقاً؟».

«ماذا؟ إني لا أستطيع حب امرأتين؟».

«أنها كانت شجاعة؟».

«بالطبع، ألا تظنين؟».

«الشجاعة تعني أن تقف على قدميك بعد أن يسقطك الآخرون، ما فعلته يسمى هرباً يا آدم!».

«لو اغتصبك أحد ما كنت ستدركين مدى قوتها في ترجيح الموت بطريقتها، وحين تكبرين ستعرفين أن اختيار الاستمرار في الحياة قد ينطوي على قليل من الجبن أيضاً، وذلك ليس خطأً على الدوام».

وضعت يديّ على وجهي وكأنني أتقصّد إخفاءه.

«آسف، لم أرغب في قول هذا بهذه الطريقة، وطبعاً لا أريد أن تختبري ذلك لتفهمي».

«مشكلتكم أنتم المناضلون أنكم لا تعرفون شيئاً عن الحياة التي نعيشها نحن، تظنون أن الموت في سبيل قضية ما أو دفاعاً عن فكرة ما طريقة مثلى لتصلوا إلى هدفكم. هي قتلت نفسها انتقاماً من آخرين قتلوها أو صمتوا عن موتها؛ وكأن موتها سيجعلهم يشعرون بفداحة ما فعلوا! أنت شيوعي أليس كذلك، وقلت لي إنك ضد ما فعله الإخوان المسلمون في الثمانينيات، هل تستطيع أن تشرح لي الفرق بين موتها والعمليات الانتحارية التي تهاجمها بعيداً عن الحزام الناسف الذي لم تستخدمه؟».

«انظري، أنا لا أمجد ما فعلت، أنا فقط أفهمه، وأرى فيه شجاعة كافية. الجهاديون يقتلون أنفسهم ظناً منهم أنهم ذاهبون إلى مكان أفضل، أما نحن فنؤمن بالعدم، أي بنهاية الحياة وتوقفها تماماً بعد الموت، فهمت الفرق؟».

«وسلمى كانت تؤمن بالعدم أيضاً؟».

«كانت تؤمن أنها فعلت كل ما جاءت إلى هذا العالم لفعله!».

صمت آدم بعد كلماته الأخيرة، والتزمت الصمت لكي لا أفتح جروحه كلها دفعة واحدة. أحياناً كنت أريده أن يعود لا لشيء إلا ليرى أن الفكرة ليست في اختيار الموت والحياة، بل بالقدرة على اختيار ما سنعيش أو سنموت من أجله، واللحاق به على الرغم من أن العالم سيقتلنا ذات يوم بشكل مقصود أو بطريق الخطأ، ومن دون أن نخطط لذلك.

أطالع صينية القهوة وصحن الكرز الموضوعين أمامي على الطاولة. فاطمة تعبث بهاتفها المحمول وتقرأ الأخبار، وأنا أفكر في طعم الكرز الحامض الذي لم آكله منذ سنوات. لم أكن أحب فاكهة الشتاء، وكان آدم يسخر مني. كان مغرماً بالبرتقال والرمان، وكنت أشعر بأسناني تصطك ببعضها حين يتناول أمامي أشياء حامضة. لطالما أحببت المذاقات الحلوة التي تذوب في فمي وتشعرني بطعم الحياة التي أتخيلها. أليست الحياة سلة كبيرة من الفواكه نختار منها ما نحبه ولأن المواسم ليست في مصلحتنا غالباً ما نضطر إلى الاستسلام للعبة الفصول وتذوق ما تتركه أمامنا من دون أن نفكر في ما إذا كنا نحبه أو نأكله خوفاً من أن يفرغ الآخرون السلة في أثناء انشغالنا بالتذمر! لكن الحياة أيضاً ربما بحس انتقامي ربّته عاماً بعد عام تصر أن تروِّضنا وتجبرنا على الرضوخ لاختياراتها.

«ألا تحبين الكرز؟».

«ربما أكثر مما أحببت أي شيء، لكنه يوجعني».

«يؤذي معدتك تقصدين؟».

«يؤذي قلبي يا فاطمة!».

كانت فاطمة تحصي عدد الأطفال الذين قتلتهم سيارة مفخخة انفجرت قرب مدرسة ابتدائية في حينا وتصب لعناتها المتلاحقة وكلماتها البذيئة على الجميع، وكنت أتذكر ذلك الطعم الذي لم أتجرأ على تذوقه طوال الأعوام التي مضت.

حين أصبحت حاملاً تغير طعم العالم بالنسبة إليّ، أو لنقل أصبحت رهينة للطبيعة أو لتغيرات لا أفهمها فكرهت كل ما كنت أحب وأصبحت أحب أشياء لم تكن تعنيني. في مرحلة ما أصبحت لا أستطيع تناول أي شيء إلا الكرز. كنت أرسل أولاد الجيران ليأتوني بكميات منه وأبدأ بأكله من الكيس الأسود قبل أن أغسل ما تبقى منه لأحتفظ به لوجبة جديدة. ربما لاحظ أحد ما في المنزل ذلك فأصبح الكرز بنداً في قائمة التسوق اليومية إلى أن انتهى موسمه. حاولت الاستعاضة عنه بأنواع أخرى، لكني كنت أتقيأ كل ما أضعه في فمي، وبقيت أسبوعين أعيش على الماء المثلج حتى وجدت بديلاً جديداً في عصير الكرز المعلب الذي كنت أضيف إليه عصير الليمون لأكسر مذاقه الحلو.

تقرأ فاطمة أسماء الأطفال الضحايا بينما أبحث أنا عن رابط بين تلك الأسماء كلها وبيني. أرغب في البكاء؛ أظن أنني ربما احتفظت بالدموع التي لم أذرفها لموت كهذا، لكني أعرف أن الخيوط التي كنت أمسك بها حتى وقت ما قد انقطعت وفقدت قدرتي على التحكم بالأشياء والعواطف.

تقول فاطمة: «منذ أن بدأ كل شيء وأنا أحمد الله أنني لم أنجب، لم أكن لأحتمل أن يموت لي طفل ما ذات يوم فقط لأنه استيقظ صباحاً وذهب إلى المدرسة».

«كانوا سيكبرون يا فاطمة ويموتون بطرائق أخرى، حوادث مرورية، أمراض سارية، غرق»...

«الأعمار بيد الله».

«إن أحداً لم يعد يصغي إلى الله يا فاطمة، وهؤلاء الذين يستخدمون اسمه في كل يوم مروجين للآخرين أنه يبارك أفعالهم لا يعرفون شيئاً عنه».

«ستدخلين النار تعرفين؟».

«دخلتها من زمان ومشي الحال، دعيني على الأقل أجد أسباباً لذلك».

«كيف يموت الناس إذاً يا دكتورة؟».

«الناس يقتلون بعضهم بعضاً يا فاطمة، أظنك ترين ما يحدث، ولو كان الله قد أمرهم بقتل بعضهم بعضاً لما كنا بحاجة إلى النار التي تتحدثين عنها!».

«الله حرّم القتل ووضع له عقاباً شديداً وقتل النفس بغير حق إثم عظيم وأنت تعرفين».

«ولماذا يموت الناس يا فاطمة؟».

«أنت تلعبين بالكلام معي».

«لنتفق على أحد أمرين: إما أن الله يتدخل في حياتنا كما تقولين وهذا يعني أنه راضٍ عمّا يحدث وأنك تؤمنين بالشيء ونقيضه معاً وبأن الخير والشر جوهر واحد وهذا يعني أنك غبية، وإما أنه وضعنا على هذه الأرض ليرى ماذا يمكن أن نفعل، ولم يوقفنا لأنه يدرك تماماً أن معظمنا حين وضعنا أمام خياراتنا اخترنا الشرّ في داخلنا، ولذلك تركنا لحروبنا الشخصية معه منحازاً إلى العدل لا إلينا».

«ألم تؤمني بالله أبداً في حياتك؟».

«لا أعتقد أنك تطرحين السؤال المناسب يا فاطمة، أنا فقط لا أرى الإيمان من دون تفكير مجدياً، وأظن أن استخدام العقل الذي مُنحناه جزء من الإيمان، وإلا لقبلنا كل الذي يحدث كقدر لا كفعل بشري، ولما خضنا هذا الحوار».

سراب

لفتح الصناديق يجب تدوير مقبض القفل مع الضغط عليه. عندها ينفصل النابض وتعمل الأليّة وهي تصدر صوتاً معدنياً، فتبدأ الدواليب الصغيرة بالدوران أوتوماتيكيّاً على سككها الصغيرة لتنطلق الصناديق الموضوعة عليها والمائلة عادةً بعض الشيء وتنجرّ وتخرج وحدها. في البداية تظهر القدمان، ثمّ البطن، ثمّ الجذع، ثمّ رأس الجثمان. أما إن كانت الجثث لم تخضع بعد للتشريح فيجب عندها سحب الصندوق باليد لمساعدة آليّة الجر، لأنّ بعض الجثث يكون بطنها منتفخاً بشكل يضغط على الجانب الأعلى من الصندوق ويعرقل حركته. أمّا الجثث المشرّحة فتكون في العادة ناشفة، وكأنّها جفّفت. يوضع لها أيضاً شيء كالسحّاب ينجرّ على طول البطن بعد أن يحشى بالنشارة. وعلى هذا فإنّ هذه الجثث قد تذكّر بدمى كبيرة أو ألعاب مسرح العرائس التي ترمى في مستودع الأشياء القديمة بعد انتهاء المسرحيّة. والواقع أنّه يمكن اعتبار هذا المكان نوعاً من مخازن الحياة، أو محطة أخيرة يوضع فيها ركام المسرحيّة بانتظار تصنيفه تصنيفاً ملائماً. وبما أنّه لا يمكن إغفال سبب الميتة، فإنّ على الجثث أن تنتظر في هذا المكان، وهو لا يتوانى عن مراقبتها وتقديم المساعدة المطلوبة. كيف لا وهو يدير من الناحية العمليّة هذه العتبة التي تنطلق منها الصورة المرئيّة لترحل رحيلاً نهائيّاً. إنه يسجّل عمليّات دخولها وخروجها، يصنّفها، ويرقّمها، وقد يصوّرها أحياناً، ثمّ يملأ بطاقتها الأخيرة أي الاستمارة التي تخوّلها مغادرة عالم المحسوس. إنّه بالفعل رفيقها الأخير، بل وأكثر من ذلك، أي أنّه الوصي اللاحق عليها، وصيّ موضوعيّ النظرة جامد القسمات.

والواقع أنّه يتساءل في بعض الأحيان سؤالاً من نوع آخر: هل هناك فعلياً مسافة كبيرة تفصل بين الأحياء والأموات؟ ليس هناك طبعاً جواب عن هذا السؤال، لذلك فإنّه سرعان ما ينظّر للقضيّة بادّعاء أن التعايش بين الفئتين قد يساعد في تقليص تلك المسافة. يجب أن تحمل الجثث بطاقةً تربط عادة بإبهام القدم وعليها رقم التسجيل، وهو يضع تلك البطاقة رغم أنّه واثقٌ من أنّها كانت تكره خلال وجودها القديم أن تصنّف بالأرقام كما لو أنّها شيءٌ من الأشياء. لهذا فإنّه كان يخترع لها، في ذات نفسه وعلى سبيل المزاح، ألقاباً غريبة يلقّبها بها، ألقاباً قد لا يكون لها أيّ أساس، أو قد تخطر على باله بسبب شبه ما بين الجثّة وشخصيات بعض الأفلام القديمة أو لأنّها تذكًّر بظرف معيًن مرت به تلك الشخصياًت: ماي ويست، بروفسور اونرات، مارشيللينو بان اي فينو. مارشيللينو مثلاً يشبه بالبيتو كالفو: رأسٌ مستدير، ركبتان ناتئتان، غرّة سوداء برّاقة. ثلاث عشرة سنة، سقط عن السقالة، عامل بالسرّ. الأب مفقود، الأمّ تعيش في سردينيا ولا يمكن أن تعود. سيرسلونه لك غداً.

لم يبق من المشفى القديم إلاّ جناح التخدير والمشرحة في هذه الأنحاء من المدينة القديمة حيث يقع ما يسمّى المركز التاريخيّ. فالمنطقة تمرّ منذ زمنٍ طويل في مرحلة الدراسات والترميم، بينما تمضي السنون وتتعاقب إدارات البلديّة وتتغيّر المصالح. لكنّ مشاكل المناطق المصابة تتعقّد، ويشتدّ ضغط المناطق الأخرى ليهدّد المدينة برمّتها، وهذا يحوّل انتباه الخبراء نحو المناطق التي يحتشد فيها السكّان «المنتجون» وتتكاثر فيها مهاجع عملاقة. هناك توجد أبنية تحتاج إلى تدخّل المكاتب الفنّيّة: فقد تنهار الهضبة مثلاً كأنّها تريد أن تنفض عنها تلك القشور والرواسب القبيحة، عندها تنطلق الإجراءات العاجلة والمخصّصات الماليّة الاستثنائيّة، ثم يجري الكلام عن طرق ستبنى، وأنابيب ستمدّد، ومدارس، ودور حضانة، واستشاريّات . أمّا هنا فالاحتضار شائع، والجذام البطيء يغزو الجدران، والبيوت المتهاوية أصلاً تتداعى تداعياً نهائياً، لأنّها أدينت وتمّ إبرام إدانتها. يعيش في تلك المناطق عجّزٌ ومومسات، باعة متجّولون، باعة أسماك، فتيةٌ عاطلون من العمل، بقّالون يعملون في دكاكين قديمة مهترئة مظلمة تفوح منها روائح البهارات والسمك المقدّد وتعلو أبوابها لافتاتٌ باهتة الألوان عليها كتابات لا تقرأ إلا بصعوبة، مثل: «نبيذ - عطورات - تنباك». أمّا عمّال النظافة فنادراً ما يمرونّ من هناك، لأنّهم هم أيضاً يزدرون ركام هذه البشريّة المنحطّة. في المساء تلمع في الحارات الحقن وأكياس البلاستيك وكتلٌ مبهمة الشكل لبعض القوارض النافقة المرميّة على أطراف الطرقات، حيث تحذّر الإعلانات التي تضعها دائرة مكافحة الأمراض من لمس أيّ طعام مخضرّ مرميّ على الأرض.

أصرّت سارة عدّة مرّات على المجيء لاصطحابه في الأمسيات التي ينتهي فيها عمله عند العاشرة، لكنّه كان يرفض على الدوام . ليس خوفاً من الناس، لأنّه لا يسكن في الحارة إلاّ ثلاث مومسات هادئات عليهنّ حرّاس يقظون يراقبونهنّ من نوافذ الطوابق الأولى، بل خوفاً من جوقات الجرذان الشرسة التي لا يمكن تصوّر حجمها وهي تجوب في الليل، ولا بدّ أن تخاف منها سارة وتفزع بطريقة لا تستطيع الآن أن تتخيّلها. وإن كانت الجرذان كثيرة في كل أنحاء هذه المدينة فإنّها وجدت في هذه المنطقة مركزاً خاصّاً لها تتكاثر فيه وتنمو. لذلك كان سبينو يلوك في رأسه نظريّةً لم يخبر بها أحداً، وسارة قبل الجميع. إنّه يظنّ أن وجود المشرحة في هذا المكان هو ما يستهوي الجرذان.

مساء السبت يذهبون عادة إلى «المصباح السحري». وهو نادٍ سينمائي في أعلى طريق فيكو كاربوناري، يقع في رواق ضيّق كأروقة البلدات الصغيرة التي تذكّر بالبيوت الريفيّة القديمة. على ذلك الإرتفاع يظهر الميناء ومفصل دروب حيّ اليهود القديم، والبرج الورديّ للكنيسة المحشورة بين البيوت والجدران، وهي تتخفّى بينها بحيث لا يمكن رؤيتها إلّا من هذا الارتفاع، ولا يمكن الوصول إليها إلاّ عن طريق ذلك الدرج الآجرّي المتآكل من كثرة الاستعمال. نصب على الدرج درابزين من حديد مصقول يلتوي على الجدار، اجتاحته فروع نبات القبّار فغطّت ما عليه من كتابات باهتة. ورغم ذلك يمكن للمرء أن يقرأ: «عاش كوبّي، قانون اللصوصيّة لن يمرّ» وغير ذلك من شعارات عفا عليها الزمن. في ليالي الصيف، بعد السينما، ينهون الأمسية في مقهى صغير في آخر الحارة، على شرفة عليها عريشة، ويتصدّرها حجران من الغرانيت بينهما جنزيرٌ وجدارٌ متهالك. ليس في المقهى إلاّ أربع طاولات رخاميّة رسمت عليها بقايا النبيذ والقهوة دوائر امتصّها الرخام حتّى ليظنّ أنها محفورة في داخله، أو أنّها كتابات هيروغليفيّة يجب أن تترجم ليفهمها الإنسان. إنّها آثار من ماضٍ قريب يتحدّث عن زبائن آخرين وأمسيات أخرى ومقارعات كؤوس وسهرات كانت تتخلّلها ألعاب الورق والأغاني.

تتهاوى المدينة تحتهما بهندستها الفوضويّة، وأضواء بلدات الخليج، بل والعالم كلّه. تتناول سارة شراباً مثلّجاً بالنعناع ما زالوا يحضّرونه في هذه الأرجاء بأداةٍ بدائيّة لقشط لوح الثلج المجمّد، وهي مجرّد علبة ألمنيوم يتجمّع داخلها الجليد المقشوط رخواً ناعماً مثل الثلج المندوف.