صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3904

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

اكتشاف «عضو مجهري» يشكّل «مقر» ردود الفعل المناعية

  • 06-09-2018

نُدرك أن أجسامنا تتعلم كيفية بناء دفاعات فاعلة ضد المرض والعدوى بعد التعرّض لمخاطر صحية مماثلة. باختصار، «تتعلم» أجسامنا تحديد المذنبين وكيفية تدميرهم. ولكن أين تنشط هذه «الذاكرة» ويُنظَّم رد الفعل هذا؟

بفضل التقدمات في تكنولوجيا الأبحاث السريرية التي قادت إلى ابتكار أجهزة متطورة جداً، صار بإمكان العلماء اليوم تعلّم المزيد عن جسم الإنسان وكيفية عمله على المستوى المجهري.

ما زلنا نجهل الكثير عن آليات جسمنا، ولا ينفك العلماء يتوصلون إلى اكتشافات مذهلة. على سبيل المثال، سمحت تقنيات مبتكرة للباحثين في مطلع هذه السنة بمعرفة أن النسيج الخلالي، الذي اعتُبر «نسيجاً داعماً»، يعمل في الواقع كعضو وأنه أكثر أهمية لصحتنا مما نعتقد.

تمكن أخيراً علماء من معهد غارفان للأبحاث الطبية في دارلينغهرست بأستراليا من التثبت بدقة من الموضع الذي «تتذكر» فيه أجسامنا تعرضها سابقاً للممرضات، سواء من خلال العدوى أو اللقاح، والذي تبدأ فيه «برسم الإستراتيجيات» وتنظيم رد الفعل المناعي المناسب.

يوضح الباحثون في تقرير نُشر في مجلة Nature Communications أنهم اكتشفوا نوعاً من «الأعضاء المجهرية» يتشكّل داخل العقد اللمفاوية ويعمل كـ{مقر» لردود الفعل المناعية.

يحفّز جهاز المناعة

استخدم العلماء على مجموعة من الفئران الفحص المجهري الحساس الثلاثي الأبعاد، وهي تقنية مبتكرة أتاحت لهم تتبع التبدلات على المستوى المجهري.

عندما استخدم العلماء هذه التقنية، لاحظوا بنى مميزة تتشكّل على سطح العقد اللمفاوية حين يتعرَّض الجسم لعدوى سبق أن واجهها.

لم يكتشف العلماء هذه البنى، التي أسموها «بؤراً تكاثرية تحت المحفظة»، في الفئران فحسب، بل أيضاً في عينات من العقد اللمفاوية جمعوها من مرضى بشر.

عندما تأمل العلماء هذه البؤر عن كثب، اكتشفوا أن أنواعاً مختلفة من الخلايا المناعية تتكتل في هذه البنى، خصوصاً خلايا الذاكرة البائية، التي تحمل المعلومات المتعلقة بكيفية محاربة الممرضات التي سبق أن تصدى لها الجسم.

في هذه البؤر التكاثرية تحت المحفظة أيضاً، تحولت خلايا الذاكرة البائية إلى خلايا بلازما، التي يشمل دورها الدفاع عن الجسم ضد العدوى. تولّد خلايا بلازما الأجسام المضادة، التي تميّز الممرضات وتسعى إلى تدميرها.

يذكر الدكتور إيموجين موران، باحث أشرف على إعداد تقرير الدراسة: «من المثير للاهتمام أن نرى خلايا الذاكرة البائية تنشط وتتكتل في هذه البنى الجديدة التي لم تُكتشف سابقاً».

يتابع بحماسة: «استطعنا مشاهدتها وهي تتنقل، وتتفاعل مع تلك الخلايا المناعية الأخرى كافة، وتتحوَّل إلى خلايا بلازما إزاء أعيننا».

بنيته مذهلة

اللافت أن البؤر التكاثرية تحت المحفظة تحتل موضعاً استراتيجياً يتيح لها تنظيم رد فعل مناعي سريع ضد العدوى. ويؤكد الباحثون أن هذا أمر بالغ الأهمية عند تحديد مدى احتمال النجاح في محاربة الممرضات.

يوضح تري فان، الذي شارك في إعداد تقرير الدراسة: «عندما تحارب بكتيريا تستطيع مضاعفة أعدادها كل 20 إلى 30 دقيقة، تُعتبر كل لحظة بالغة الأهمية. بصريح العبارة، إذا احتاج جهازك المناعي إلى وقت طويل لجمع الأدوات الضرورية لمحاربة العدوى، تموت».

يضيف أن اللقاحات أساسية في تعليم جهاز المناعة تنظيم ردود فعل ناجحة. «تدرّب اللقاحات جهاز المناعة كي يتمكن من إعداد الأجسام المضادة بسرعة عندما تظهر العدوى»، وفق فان.

يؤكد فان أيضاً: «ما كنا نعرف حتى الآن كيفية حدوث ذلك وموضعه. أما اليوم، فقد أظهرنا أن خلايا الذاكرة البائية تتحوّل بسرعة إلى أعداد كبيرة من خلايا البلازما في البؤر التكاثرية تحت المحفظة».

«تقع البؤر التكاثرية تحت المحفظة في مواضع استراتيجية حيث تعاود البكتيريا دخول الجسم، وتحظى بالمكونات الضرورية كافة لتنتج أجساماً مضادة مجموعةً في مكان واحد. وهكذا يتبين أنها معدة هندسياً بطريقة مذهلة لمحاربة تجدد العدوى بسرعة»، حسبما يوضخ فان.

السبب الوحيد الذي حال دون اكتشاف العلماء وجود هذه البنى المناعية الأساسية قبل اليوم بسيط: لأنها صغيرة جداً ونشيطة جداً.

لم يملك الباحثون القدرة على الغوص عميقاً وتعلّم المزيد إلا مع تطوير أخيراً الفحص المجهري الثنائي الفوتون، وهي التقنية التي اعتمدت عليها الدراسة الجديدة.

يذكر الدكتور موران: «لم نستطع رؤية تشكّل بنى هذه البؤر التكاثرية تحت المحفظة إلا عندما استعنا بالفحص المجهري ثنائي الفوتون، الذي سمح لنا بتأمل بأبعاد ثلاثية الخلايا المناعية وهي تتحرك في جسم حيوان حي».

يختم فان: «إذاً، هذه بنية كانت قائمة طوال الوقت، إلا أن لا أحد رآها قبل اليوم لأننا لم نكن نملك الأدوات الملائمة. ويشكّل هذا الأمر بالتأكيد مذكّراً مذهلاً بأن ألغازاً كثيرة ما زالت مخبأة داخل جسمنا».