صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3935

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

هل تدعم الولايات المتحدة المتمردين الأكراد ضد إيران؟

لعب أكراد سورية وتركيا والعراق أدواراً بارزة في سنوات الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط، ويبدو اليوم أن أكراد إيران سيستحوذون أيضاً على اهتمام الدول التي ترغب في قلب موازين القوى بالمنطقة.

لا يتصدر أكراد إيران عادةً عناوين الأخبار كأكراد تركيا، وسورية والعراق، فأكراد العراق ساهموا في إنزال الهزيمة بداعش وأجروا استفتاء استقلال فاشلاً السنة الماضية. أما أكراد سورية، فما زالوا يسيطرون على جزء كبير من شمالها وتحوّلوا إلى نقطة خلاف بارزة بين تركيا والولايات المتحدة، التي تدعمهم في مواجهتهم مع نظام الأسد. لذلك اجتاح الجيش التركي شمال سورية بغية إبعاد المجموعات المقاتلة الكردية عن الحدود التركية. في المقابل، ظل أكراد إيران هادئين بالمقارنة. صحيح أنهم شنوا حركة تمرد متقطعة منخفضة المستوى ضد النظام الإيراني طوال عقود، إلا أن هذا التمرد يعتمل بخفة تحت الرماد بشكل منتظمة منذ بعض الوقت، لكن الوضع تبدل هذا الصيف.

انسحبت الولايات المتحدة أحادياً من خطة العمل المشتركة الشاملة، التي تُدعى عموماً الصفقة النووية الإيرانية، لذلك من المنطقي أن يبحث الأميركيون عن سبل أخرى تتخطى الاقتصاد من دون أن تبلغ مصاف الحرب المباشرة بغية زعزعة النظام. وثمة سبب يدفعنا إلى الاعتقاد أن الولايات المتحدة عثرت على وسيلة مماثلة في أكراد إيران.

ينتمي نحو 8 إلى 12 مليون إيراني إلى الأقلية الكردية (15 في المئة من السكان)، التي تشكل ثاني أكبر مجموعة أقلية في إيران بعد الأذريين، وعلى غرار الدول الأخرى، يطالب الأكراد في إيران بعنف أحياناً بقدرة أكبر على تقرير مصيرهم أو بالاستقلال منذ عقود، وقد حققوا هذا الهدف مرةً لفترة وجيزة عام 1946 مع تأسيسهم جمهورية مهاباد، الدولة الكردية المستقلة الوحيدة. صمدت مهاباد نحو 11 شهراً قبل أن يطيح بها الجيش الإيراني ويوقف ويعدم الكثير من قادتها، الذين كانوا آنذاك أعضاء في حركة ناشئة دُعيت الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني.

نجا هذا الحزب واستأنف النضال في ستينيات القرن الماضي مع تزايد أعمال العنف بعد الثورة الإيرانية عام 1979، ولكن بحلول عام 1996، أُرغم على إعلان وقف إطلاق نار أحادي الطرف بسبب حملة اغتيالات ناجحة شنها النظام ضد قادته، وفي عام 2004 تابعت مجموعة جديدة دُعيت حزب الحياة الحرة الكردستاني المسيرة، ثم استأنف الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في شهر أبريل عام 2016 اعتداءاته، ويُعتبر هذان الحزبان من المجموعات الكردية الإيرانية الأكبر والأكثر أهمية.

لكن علاقاتهما مع الدول الأخرى في المنطقة معقدة، ويُقال إن حزب الحياة الحرة الكردستاني ينسّق أعماله مع حزب العمال الكردستاني، وهو مجموعة مقاتلة في جنوب شرق تركيا وشمال سورية تُصنّفه الحكومة التركية منظمة إرهابية. كذلك تتهم إيران إسرائيل منذ سنوات بدعمها حزب الحياة الحرة الكردستاني. وخلال الحرب بين إيران والعراق في ثمانينيات القرن الماضي، عمل نظام صدام حسين بادئ الأمر على مد الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني بالأسلحة والمعدات بهدف نشر الفوضى في إيران.

لا عجب، إذاً، في أن إيران حظرت المنظمات الكردية الإيرانية في البلد، لذلك أقامت مقراتها في أماكن أخرى، وخصوصاً إقليم كردستان المستقل في شمال العراق.

منطق استراتيجي

كتب جون بولتون، قبل وقت طويل من انضمامه إلى إدارة ترامب بصفته مستشار الأمن القومي، تقريراً بطلب من كبير استراتيجيي البيت الأبيض آنذاك ستيف بانون قدّم فيه بعض النصائح للإدارة بشأن سياستها الإيرانية. في هذا التقرير، نصح بولتون «بإعلان الدعم الأميركي للطموحات القومية للأكراد، بمن فيهم أكراد إيران، العراق، وسورية»، فضلاً عن «تقديم المساعدة للبلوش، وعرب خوزستان، والأكراد، وغيرهم»، فهل تطبق الولايات المتحدة اليوم هذه النصيحة؟

سرت شائعات خلال عهد الرئيس جورج بوش الابن عن أن الولايات المتحدة تساعد حزب الحياة الحرة الكردستاني ضد إيران، ونشرت وسائل الإعلام الإيرانية ادعاءات مشابهة عن مدّ الولايات المتحدة وإسرائيل حزب الحياة الحرة الكردستاني بالأسلحة والمال خلال عهد الرئيس باراك أوباما.

تحمل هذه المسألة منطقاً استراتيجياً معيناً، إذ تواجه الحكومة الإيرانية معارضة متنامية وتظاهرات مستمرة في الداخل. كذلك تتعرض لإجهاد مالي فيما تحاول في آن واحد تمويل مغامراتها في الخارج وتأمين استثمار محلي كافٍ لاسترضاء المتظاهرين الإيرانيين. لكن كل هذا لم يبدّل عناد النظام في وجه العقوبات الاقتصادية الأميركية، وبالنظر إلى كل المخاطر التي يواجهها النظام الإيراني اليوم، لا يُعتبر تفاقم أعمال العنف التي تنفذها الميليشيات الكردية الإيرانية مجرد شوكة صغيرة في خاصرة النظام.

تمارس الولايات المتحدة راهناً ضغطاً كبيراً على الاقتصاد الإيراني، ويتيح لها دعم حركة تمرد كردية الضغط أيضاً على مؤسساتها الأمنية، ولا تهدف الولايات المتحدة بالضرورة إلى تغيير النظام، بل تكمن مصالحها في حمل إيران على التخلي عن جهودها لنشر نفوذها من خلال مجموعات تابعة لها في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.

التواصل مع الشعب الإيراني

في عام 2006، أنشأت وزارة الخارجية الأميركية مكتب الشؤون الإيرانية، الذي تشمل أهدافه «التواصل مع الشعب الإيراني بغية دعم رغبته في الحرية والديمقراطية». وفي وقت سابق من هذه السنة، حضر الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني مصطفى هجري إلى واشنطن بدعوة من إدارة ترامب. صحيح أن هذه الزيارة لا تُعتبر بحد ذاتها غريبةً، إلا أن هجري التقى بعد ذلك ستيف فاغن، الذي كان آنذاك مدير مكتب الشؤون الإيرانية، وبعد بضعة أيام من هذا اللقاء، عُيّن فاغن القنصل العام في القنصلية الأميركية الجديدة الضخمة التي تُبنى في أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق حيث تحظى المجموعات الكردية الإيرانية بوجود كبير.

في هذه الأثناء، يسود الاعتقاد أن الولايات المتحدة توسّع وجودها في مطار باشور في منطقة حرير في محافظة أربيل على بعد 65 كيلومتراً فقط من الحدود الإيرانية، فيظن بعض السكان أن الولايات المتحدة تخطط لبناء ثكنات عسكرية في الموقع إلى جانب المطار.

لا نكون دقيقين إذا لم نذكر أن حزب الحياة الحرة الكردستاني اقترح أيضاً، بعد بضعة أسابيع من زيارة هجري، العمل على تعاون أكبر ووحدة بين المجموعات الكردية الإيرانية. وشملت اقتراحاته إنشاء وكالة إعلامية تغطي أخبار كل الأحزاب الكردية الإيرانية (يملك اليوم كل حزب منظمته الإعلامية الخاصة)، إلا أن طرحه هذا جوبه بالرفض من الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني ومجموعات أخرى. ولكن بالنظر إلى أعماله السابقة، نرى بوضوح أن الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لا يعارض الوحدة، بل يرفض على الأرجح الوحدة وفق شروط حزب الحياة الحرة الكردستاني، فلهاتين المجموعتين رؤية مختلفة عن التمرد، ومن الصعب تخطي هذه الاختلافات، ولكن مع ضعف إيران والتشجيع الأميركي المحتمل، تبدو حظوظهما كبيرة جداً اليوم.

لعب أكراد سورية، وأكراد تركيا، وأكراد العراق أدواراً بارزة في سنوات الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط، ويبدو اليوم أن أكراد إيران سيستحوذون أيضاً على اهتمام الدول التي ترغب في قلب موازين القوى في المنطقة.