صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3963

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

فادي قباني: «المنتدى الأدبي اللبناني» رؤية متجدِّدة للثقافة

• شارك بين مئة شاعر حول العالم بموسوعة «أنثولوجيا السلام للطفولة»

فادي قباني شاعر وأديب لبناني نذر نفسه لخدمة الثقافة أينما وجدت، سواء في لبنان أو العالم العربي. من هنا يأتي تأسيسه «المنتدى الأدبي اللبناني» محاولةً لتحرير الثقافة والفكر من بعض الاصطفافات السياسية والمادية والاجتماعية التي تسيطر عليها وتدخلها في فوضى عارمة غيَّرت مسارها وفتحت الباب أمام من يحملون زوراً لقب «سفراء الشعر» في حين أن الشعر براء منهم... صاحب مؤلفات تغوص في قضايا الإنسان والوطن، عانى فادي قباني من الحروب التي عصفت بلبنان، لكنه لم يستسلم رغم احتراق مكتبته ومؤلفات كثيرة له إبان حرب تموز 2006، بل أصرّ على متابعة الحضور الفاعل في المشهد الثقافي إيماناً منه بأنه الوحيد الذي يجسد وجه لبنان الحضاري...

ما الذي دفعك إلى تأسيس «المنتدى الأدبي اللبناني»؟

رؤية لمشهد ثقافي أدبي راقٍ فاعل أضع فيه خبراتي وطاقاتي وصداقاتي في خدمة هذا العمل السامي (الذي لا يتوخى الربح)... إيماني بملكوت الشعر والأدب والفنون الجميلة، وتسجيل صفعة على وجه الاصطفافات السياسية والحزبية والحروب التي نحرت العمل الثقافي من الوريد إلى الوريد... لذا قررت فتح آفاق جديدة والخروج إلى الضوء من التقوقع والمناطقية والتكرار والعمل الخجول الذي تقوم به مجموعات ومنتديات أكنّ لها الاحترام. ولأن للبنان مبدعين فمن الضروري الإضاءة عليهم من خلال الأمسيات التي نقيمها لهم، كما الهواة الذين ينتظرون فرصة الانطلاق. وقد فتحنا الباب لهم بعدما ساعدنا كثراً على الأداء اللغوي والإلقاء واعتلاء المنابر وخوض التجربة بثقة.

ما الذي يميز المنتدى في زحمة المنتديات المنتشرة في المناطق اللبنانية؟

منذ نحو عامين شهدت الساحة الأدبية اللبنانية طفرة في تسمية مجموعات ومنتديات، وهذا دليل صحة إلى حد ما إن كانت التوجهات تخدم الثقافة والأعمال الأدبية، لكن للأسف ثمة حوانيت دخيلة على عالمنا استغلت الفوضى الحاصلة وبثت النميمة والرخص في التعاطي الثقافي، بسبب لاهثين إلى المنابر كيفما كانت صفتها. بالنسبة إلينا، نتعاطى بجدية بقوانيننا التي نطبقها في الأنشطة الأدبية من خلال أمسياتنا ومهرجاناتنا التي نحييها في مكان لائق بالكلمة، ونحرص على الاحترام المطلق، ونُعتبر اليوم من الصف الأول في لبنان والمنطقة العربية في التنظيم والعمل المتكافئ، لما تليق به الثقافة، فنحن أهل الأبجدية ونحن من صدّرنا الحرف إلى العالم أجمع.

انثولوجيا السلام للطفولة

شاركت بين مئة شاعر حول العالم بموسوعة “انثولوجيا السلام للطفولة”. أخبرنا عن هذه المشاركة.

الهدف والمحفّز الأول للمشاركة هم أطفال فلسطين الذين يستحقون السلام وعيش طفولتهم. هؤلاء الذين يُذبحون كل يوم عبر عقود من الزمن على مرأى من العالم، والمجازر التي قام بها العدو الصهيوني مراراً وتكراراً في لبنان وقضى تحتها مئات من الأطفال، فضلاً عن الأطفال الذين يعانون الجوع والجفاف والقهر والتعدي على براءتهم وأحلامهم.

عشت طفولة مؤلمة جداً، فهل الألم دفعك إلى الكتابة؟

ما من شاعر إلا وولد من رحم الألم، إنها الحقيقة. كانت طفولتي مجبولة بالأسى والألم والفقد بحرمان الأب بعمر التسع سنوات، فرثيته بأول كتاباتي الطفولية ونقحها الشاعر نزار قباني الذي كان الصديق الأقرب للوالد، وهو من حفزني على الكتابة. بعد وفاته بأشهر أُصبت بداء الالتهاب العظمي في الوركين وأسفل العمود الفقري، وكنت على شفير الشلل الكلي، وخضعت على مدار ثلاث سنوات لجراحات عدة، وأنا رهين الجبس الذي يغلف كامل جسدي.

هنا بدأت رحلتي مع القراءة التي سرعان ما اتسعت ونمت من قصص الأطفال، إلى ما وجد في مكتبة البيت الغنية بعصر الكتاب الذهبي أوائل السبعينيات من روايات ودواوين لكبار الشعراء والأدباء العرب، فأخذ الوحي مساره وبدأت الكتابة واتجهت إلى الشعر الذي كان يستهويني.

نبوءة عاشق

ديوانك «نبوءة عاشق» قصائد تتنوع بين العامية والفصحى، لماذا هذا الخلط بين اللهجتين وهل الفكرة هي التي تفرض عندك أسلوب التعبير؟

«نبوءة عاشق» كان آخر إصدار لي بعد سنوات من العدوان الصهيوني على لبنان في 2006 الذي أخذ كتبي وكتاباتي وأرشيفي مع كل ما أملك. فقررت نشر قصائد من الفصحى التي أعشقها ومن المحكية، كل حسب مشهديته والموضوع والظرف الذي جعلني أكتب. لست ممن يكتبون من العدم وإنما أكتب ما أحياه وما يوحى إلي، فأترجمه إلى قصيد يحاكي ما تختلج به روحي من حب وفرح وحزن.

معلقتك «طائر الفينيق» التي اشتهرت بها، ما الذي حفزك على تأليفها في عصر يعتمد الاختصار والسرعة؟ وما أبرز محاورها؟

لم أطلق عليها تسمية «معلقة» بل نقاد وشعراء وأدباء مشهود لهم في الوطن العربي اختاروا لها هذا التوصيف. هي قصيدة من الشعر الحر، لها وقعها المؤثر الذي يحاكي المجتمع الجاهل والعشق الكبير والتحدي والتضحية، فضلاً عن الدفاع عن الحبيبة حتى الرمق الأخير، وافتدائها بنفسه وروحه وكل ما يملك وترك العالم كله لأجلها. وأخيراً بعدما التهمت النيران ذياك العاشق وتهشم لأجل معشوقته وهو يحميها (بالمعنى المجازي) ما ناله منها إلا النكران، تركته وذهبت مع من يملك المال... لكنه عاد بشكل طائر وقال لحبيبته: سأبقى أنا الفادي محلقاً في سمائك... أنا طائر الفينيق.

ليست قصيدة فحسب، بل مسرحية متكاملة تتجدد فصولها أمامنا ونشاهدها على أرض الواقع كل يوم. ولهذا السبب تداولها الجميع وأصروا على تسميتها بالمعلقة ولا أنكر أنها من القصائد التي تمسني في الصميم.

تغني الحب والحياة في مؤلفاتك، هل هي ردّ على المصاعب والمآسي التي واجهتك لا سيما خلال الحرب اللبنانية؟

ما من شاعر إلا وكتب للحب، فالحب هو حبر القصيد الأول عبر التاريخ... أما عن مصداقية ما أكتب في الحب فهذا سؤال يتردد كثيراً وسأجيب بكل صدق. صحيح أن الخيال هو سمة أكثر الشعراء، ولكن ما كانت يوماً خيالاتي وابتهالاتي في الحب إلا من صميم واقع أحياه وأشعره وأغوص إلى أعماق أعماقه. أكتب أحياناً بغزارة وأحياناً أخرى أبتعد عن الكتابة لفترة غير محسوبة بسبب حالة من الفراغ أو الضياع، وأعود لأفجر براكين تتقد في داخلي تحاكي زهوة سعادتي أو معاناتي. ولكن ما خط قلمي يوماً قصيدة من عبث وما بحثت يوماً عن كلمات لأرصفها على سطور لا تحمل معها روحي وذاتي.

الحب هو المعنى المتكامل للوفاء وهو السلاح الأوفى في وجه الغدر والنفاق والأقوى بمواجهة الحروب والنزاعات البغيضة، الحب ثقافة تبني وتهذب مجتمعاً ووطناً.

ماذا عن كتابك «الحب الخالد»؟

يحتوي على مئة وخمسين قصيدة تقريباً. لم ير النور واحترق مع بيتي بعد إصداره بأيام في حرب تموز كما ذكرت سابقاً. عنونته «الحب الخالد» نسبة إلى قصائدي التي تخلد الحب بمعناه السامي النقي والصادق، فحب الروح يبقى إلى الأبد فكيف إن خلد بكلمات توثقه عندما نغادر هذه الحياة...

بين القيمة والمجاملة

لديك قصائد شعرية ونثرية غير منشورة في حين أن مؤلفاتك المنشورة لا تتعدى أصابع اليد. لماذا هذا الاحتجاب عن النشر؟

بسبب عوامل منها ظرفية ومنها مادية وأكثرها بسبب الفوضى العارمة التي تسود اليوم وتطغى على عالمنا الأدبي الثقافي، وعدم الاكتراث للكتاب عموماً، فثمة من يطبع الكتاب طمعاً بربح مادي من الحضور الذي يدفع ثمن كتاب، مجاملة لا أكثر، أضعافاً مضاعفة من تكلفته ومصاريفه الأصلية، والبعض يظن أنه لو طبع كتاباً سيحظى بلقب شاعر أو شاعرة وهو لم يبلغ أشده في هجاء الحرف. في المقابل، ثمة من نأنس لكتاباتهم ونسعى إلى أن نمتلك نسخة لهم نضيفها إلى مكتبتنا.

والمضحك المبكي أن الكتاب القيم لا يتجاوز ثمنه نصف الكتاب الذي نشتريه خجلاً ونمسح به زجاج السيارة... لذا ما عادت الطباعة تغويني إلا إذا كنت ميسوراً وجمعت قصائدي ووزعت مجموعتي هدية على قرائي والأصدقاء.

برأيك هل الشعر صناعة أم يجب أن يعتمد العفوية في التعبير عن الأحاسيس والحالات؟

ليس الشعر صناعة كما يدعي البعض. الشعر نبوءة وإلهام تنتجها أحاسيسنا، نصقلها بحرفية كما يُصقل الألماس، ونصوغها بذوق كما تصاغ المعادن النفيسة لتتجسد صورة حسية يتأنق فيها المعنى وفن التعبير بأبجديتنا.

ما الجديد الذي تحضره راهناً؟

أجمع قصائدي وأعيد تنقيحها إلى أن يحين الظرف لطبع ديوان يضم كتاباتي وقصائدي الشعرية. كذلك أنوي نشر مذكراتي كاملة التي تحكي قصة حياتي بدءاً من طفولتي. أما في «المنتدى الأدبي اللبناني» فنحن دائماً في تجدد وتطور ونسعى إلى توسيع انتشارنا في العالم العربي والمهجر من حيث الأعمال المشتركة وتوفير أرضية مناسبة لنا.

ألقاب واهية

للأديب فادي قباني رأي خاص حول ظاهرة الألقاب التي يغدقها البعض على نفسه، يقول: «في ظل الفوضى التي تعم العالم العربي وعدم المراقبة الفاعلة للحكومات المعنية، انتشر وباء من يطلقون على أنفسهم سفراء الشعر العربي أو سفراء الأدب وما شابه، ولا شرعية لهم لا في وزارات الثقافة ولا في الخارجيات المعتمدة ولا في منظمة اليونيسكو المخولة الوحيدة بمنح هذه الألقاب. كذلك ثمة من يجاهر بنيله دكتوراه فخرية وهو لم يكمل الصفوف الابتدائية ولا يمت إلى الأدب والشعر بصلة».

يضيف: «هذه الألقاب التي يتم تداولها لا أساس لها ولا شرعية قانونية لمانحيها الذين يوزعونها على العامة بسعر بخس لا يتجاوز ثمنها 50 دولاراً... حسب ما تبين أن وراء هذه الفوضى منظمات صهيونية تنتشر تحت غطاء وتسميات وهمية تعمل على استغلال ضعاف النفوس لضرب ما تبقى لنا من إرثنا وثقافتنا العربية الأصيلة. وعلينا كمجتمع أدبي بمؤازرة السلطات المختصة ملاحقة هؤلاء وعدم التهاون أبداً مع هذه الظاهرة المشينة.

ثمة حوانيت دخيلة على عالمنا استغلت الفوضى الحاصلة وبثت النميمة والرخص في التعاطي الثقافي