صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3903

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العبودية المختارة

  • 11-08-2018

"من أين له بالعيون الكثيرة التي تراقبكم لولا أنكم أعطيتموه إياها؟ وكيف امتلك هذه الأيدي التي يضربكم بها لو لم يأخذها منكم؟ والأقدام التي يجوب بها مدنكم من أين جاء بها لو لم تكن هي أقدامكم؟ كيف تسنى له أن يستقوي عليكم لو لم تمكنوه من ذلك؟ كيف يجرؤ على مهاجمتكم لولا تواطئكم معه؟ ماذا بوسعه أن يفعل لو لم تكونوا أنتم من يؤوي اللص الذي يسرقكم وشركاء السجان الذي يقتلكم وخونة أنفسكم؟ تغرسون زرعكم لكي يقتلعه". كانت هذه عبارة لإيتان دولابويسي في كتابه "العبودية المختارة" الذي يناقش فيه الكثير من التساؤلات الجوهرية حول العبودية التي يختارها الناس تحت ظل الطاغية، فهل الناس هم من يصنعون الطاغية؟ ولماذا يقبلون أصلاً أن يتسلط عليهم رغم أنهم مفطورون على الحرية؟ ولماذا يفضل هؤلاء العيش تحت نير العبودية على التحرر؟ لعله من الطبيعي أن نقول إن الناس الذين لم يذوقوا طعم الحرية لا يشتاقون لها، ومن ولدوا في رحم مستعبد لن يقدروها أبداً، وحسب رأي لابويسي فثمن الحرية غال جداً لمن لا يعرفها، بيد أن الحصول عليها ممكن جداً وليس صعباً، بل يمكن للناس الحصول عليها دون فعل أي شيء! ومعنى ذلك أن الشعب متى ما أراد التحرر من طاغيته فما عليه سوى ألا يقوم بأي عمل مساعد للطاغية، فمثلاً يمتنع عن التعاون معه والعمل من أجله، وهذا من شأنه الإطاحة به، فالنار تخبو إذا لم تجد ما تأكله. من المؤسف جداً أن نقول إن الحيوانات يمكنها تعليم الإنسان الحرية، والتي فقدها الأخير بسبب تضييع فطرته، فانظر إلى الأسماك كيف تموت إذا أخرجت من بيئتها عنوة، والطيور كذلك، ويضرب لابويسي مثلاً الفيلة التي تؤسر كيف تعترض على فقدان حريتها، وتحتج بغرس أنيابها العاجية في جذوع الأشجار وتكسرها، وتقدمها قرباناً للصيادين في سبيل تحريرها، وكذلك فإن الجياد تحتج بقوة على مروضيها، فهي لا تقبل القيود والسروج والتمرين بسهولة، ونحن البشر نتساءل من الذي علمها ذلك؟ إنها الفطرة يا أيها الإنسان. يتعرض الكاتب إلى الطرق المختلفة التي يستعملها الطغاة لإجبار شعوبهم على البقاء تحت نير عبوديتهم، فالبعض يستخدم المسارح والملاهي والنوادي لإشغال الناس عن التفكير بالأهم وهي حريتهم، فكلما حافظ النظام على انشغال شعبه بالترفيه والالتهاء عن التفكير في جوهر وجوده وجدوى انتمائه لهذه الحياة الأرضية، كان الناس بعيدين عن الاعتراض والتظاهر وإثارة الفوضى للحصول على حقهم الأصيل في أن يقرروا مصايرهم، وأما غيرها من الأنظمة الطاغية فهي تقوم بإغداق الشعوب بالعطاءات والهبات، وبذلك تكمم الأفواه وتغمض العيون عن النظر بشكل جلي للفساد والسرقات والظلم والتعديات، هذا ممكن بالطبع، فغالبية الناس بسذاجتهم ينسبون ذلك الفعل إلى الكرم والسخاء وطيب النفس على الرغم من أن دوافعه شريرة جداً.

انظر حولك، يعيش الناس حالة مؤلمة من الاستعباد يحسبونها طبيعية، بل منهم من وصل في تشويه فطرته إلى الحد الذي يحب فيه أن يشتري طاغية إذا فقد من يستعبده!