صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3935

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

تنوير: القيادة واللعب

  • 09-08-2018

بين قيادة السيارات واللعب صلات عميقة، ولهذا أصبحت السيارات من أشهر ألعاب الأطفال والصبية، منها مجسمات صغيرة تتحرك بدفع اليدين أو بالبطاريات وأخيراً بالريموت كنترول، ومنها ألعاب الفيديو التي يجتمع حولها الصبية والشباب في تشوق وإثارة. ولا أحسب أن فكرة اللعب قد ابتعدت تماماً عن قيادة السيارات التي تنقل الناس من مكان إلى مكان. السيارة آلة كبيرة تحملك بداخلها، وتنتقل بك في شوارع واسعة معدة لسيرها طبقاً لقواعد محددة لا تختلف عن قواعد الألعاب المنظمة كالكرة والشطرنج، وتحتاج إلى مهارة في تحريكها هي جزء من مهارة القائد/ اللاعب. ولعل أهم فرق بين اللعب الخالص بالسيارات الصغيرة، وبين القيادة المقرونة باللعب في السيارات الحقيقية أن القيادة الأخيرة محملة بمسؤولية خطيرة هي مسؤولية الحفاظ على الحياة: حياتك الشخصية وحياة من يقودون سياراتهم حولك. من جهة أخرى، تعد المخاطرة جزءاً من متعة اللعب، بل إن المتعة العميقة لدى اللاعب تزداد كلما ازدادت المخاطرة. المخاطرة جزء من متعة الحياة نفسها، هي ما أنتجت الاختراعات والاكتشافات الحديثة في الفيزياء والجغرافيا والفضاء وغيرها، وكلما اتسمت المجازفة بالواقعية ازدادت متعتها العميقة التي ربما تصل حد التهور. لذلك تسعى ألعاب الفيديو إلى استخدام مؤثرات صوتية وبصرية كي تساعد اللاعب على دخول تلك المنطقة الغائمة اللذيذة بين الواقع والخيال. أحياناً، يتسع التداخل بين الواقع والخيال فتصير الألعاب خطرة حين يزداد شعور الواقعية لدى من يلعب، ليعاني ضغطاً عصبياً منهكاً ويصبح ميالاً إلى العنف وهو يقود سيارته الخيالية، أو حين يزداد شعور اللعب لدى من يقود في الواقع فيمثل بلعبته الحقيقية خطراً على نفسه وعلى من حوله.

ورغم كل محاولات الفصل بين اللعب والجد، يبقى الشعور باللعب قوياً في قيادة السيارات الحقيقية، ولا أحسب القوانين المنظمة للمرور في عالمنا المعاصر إلا محاولة لضبط حالة الانتشاء باللعب التي يمكن أن تصيب قائد السيارة فتجعله يندفع بمتعته إلى أقصاها، فيترك العنان لرغبة الإنسان الدفينة في الانفلات من الجاذبية، والتحليق الموهوم في الفضاء عن طريق السرعة الكبيرة التي تكاد ترتفع بالسيارة من على وجه الأرض، أو ربما استجاب قائد السيارة الحقيقية لشهوة المراوغة والتلاعب بجسد السيارة كمن يتراقص بجسده هو شخصياً، وهو سلوك يخفي كذلك رغبة في الانفلات من القيود التي تضعها قوانين المرور، ولعل هذا ما يجعلنا نظن المناورات الخطرة والتلوي بالسيارات في الطرق خلط مرعب بين ألعاب الفيديو والحياة الواقعية.

لا تغيب تلك المساحة الخطرة بين الجد واللعب عن أعين منتجي السيارات الذين لا يعنيهم شيء أكثر من مراكمة المكاسب وتحقيق التفوق في سوق رأسمالي قد توحش، فنجد تصميم السيارات الحديثة مهموماً برفع إمكانات المناورة والسرعة، وهو ما يخفي فكرة اللعب تحت عبارة “متعة القيادة”، كما حدث تداخل كبير بين تصميم هياكل السيارات في ألعاب الفيديو وهياكلها في الواقع، وهو ما يظهر في الشكل الهجومي الذي تتخذه السيارات، والأصوات المرتفعة التي تميز السيارات الرياضية. ولعل تعبير “السيارة الرياضية» نفسه أن يشي باستخدام مصنعي السيارات تلك المساحة الخطرة بين اللعب والواقع. لا ينفصل اللعب عن الواقع في أمور كثيرة منها الحروب المهلكة التي لا تعني بالنسبة إلى مشعليها وقادتها أكثر من آلاعيب على الورق وفي الخيال ينفذها جنود، هم إلى الدمى أقرب، هناك في ساحات الحرب البعيدة. ولعل الوعي بالمساحات المشتركة والفاصلة بينهما هو الضامن لعدم تحول اللعب في شؤون الحياة إلى كارثة.