صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3906

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

بين غمازتين

  • 28-07-2018

في زحمة الأقدار التي تتلطّى في كل مكان، محمّلةً بحقائب منزوعة الأقفال، يطلّ منها تارةً حزنٌ مباغت أو فرحٌ تعب، جلست في المقعد A39، على متن طائرة الخطوط الجويّة الفرنسية، أنتظر قدري...

ربط الجميع أحزمة الأمـان استعداداً للإقلاع، واستسلمت الطائرة سريعاً لسطوة الصمت. أغمضت عينيّ وأسندت رأسي إلى الخلف في محاولةٍ للاسترخاء، عندما ازدحمت في رأسي أصواتٌ ووجوهٌ لا ملامح لها.

دفقت بيروت إلى ذاكرتي بقوّة، وجهاً ضبابيّاً، وصوتاً بعيداً يهمس لي معاتباً:

- أخيراً!؟ تفكّر بالعودة؟ يا لجحودك وقسوتك!

أتاني على عجل صدى صوت جورج، يعيد عليّ بمكرٍ جملته التي ما فتئت تقرع سمعي منذ أيّام:

- أنت لست شادي نصّار، أنت شادي شعبان، ابن عزّ الدين شعبان، ولك ثلاثة إخوة.

حاولت التفلّت من قبضة أفكاري فرحت أنظر حولي، في وجوه المسافرين المتعبة، وابتساماتهم التي تنتظر اللقاء وقلبي المتوجّس يعثر بأسئلة كثيرة، سرعان ما انتشلتني منها نظراتٌ كانت تختلسها إليّ صبيّة من الواضح أنّها قد تنبّهت لتوتّري كأنّها تعدّ أنفاسي، وتقرأ ما يجول في خاطري.

أتراها استشعرت رغبتي في الكلام؟ وهل سيكون الأمر عاديّاً إن أخبرتها بكلّ ما يجول في رأسي؟ هي لا تعرفني، ولن أشعر بالحرج معها، ففي الغالب، نحن لا نخجل أمام الغرباء لأنّهم يرحلون ويطوون وجوهنا وكأنّهم لم يرونا مطلقاً، أمّا المعارف والأصدقاء فهم من نحتاط في استعراض خيباتنا أمامهم لأننا نخشى ذاكرتهم ولا نثق بظنونهم.

تربّع الصمت في المقعد الشاغر بيني وبينها، وبدا مرتبكاً بحضور ملتبس وفضولٍ مشاكس. فمٌ يطبق على الكلام مخافة انزلاقه خلسة، ونظرات تزدحم بالأسئلة. ولكن، يبدو أنّ كلّ ذلك لن يدوم طويلاً، فما إن رأتني أضع الكتاب جانباً حتى صوّبت نحوي نظراتٍ فاحصة، وباغتتني بسؤالٍ بالفرنسية:

- Cela fait longtemps que vous n’êtes pas venu au liban

هطلت جملتها تلك في قلبي غيثاً دافئاً فابتسمت عيناي وأنا أجيبها:

- ans 22 …

علامات استغرابٍ لطيفة علت وجهها ثمّ تابعت حديثها:

- أنت لبناني... صح؟

- نعم... أنا لبنانيّ الأصل.

- أهاه... وهل ولدت في فرنسا؟

- لا، أبداً، لقد ولدت في لبنان، ولكنّي انتقلت إلى فرنسا طفلاً.

مددت لها يدي مصافحاً:

- أنا شادي، مهندس ديكور في شركة Decolight...

- تشرّفنا وأنا يارا، أستاذة مساعدة في جامعة بيروت العربية...

- وهل كنت في رحلة سياحيّة في فرنسا؟

- لا، أبداً أنا أحضّر رسالة دكتوراه في التربية وآتي إلى باريس باستمرار.

- وهل تفكّرين بالاستقرار في فرنسا مستقبلاً؟

- لا أظنّ... فرنسا محطةٌ جميلةٌ، ولي فيها أصدقاء كثر، ولكن يبقى لبنان بالنسبة لي الهدف، ولا أظنّني أرغب في تشييد أحلامي خارج أسواره.

هو الحديث إذن، قد عرف أخيراً طريقه إلينا.

رحت أحدّثها وأنا أفكر بكل أولئك الذين بقيت أحلامهم معلقةً على مقعدٍ في طائرة، غادروها بصمت وقلوبهم تضجّ بالأماني، ولم يجرؤوا على أن يصنعوا البداية بكلمة، أو ربما بجملة، أو حتى برقم هاتف.

رحلوا ولم يدركوا أنّ بإمكان مقعد حظٍ أن يقلب موازين سعادتهم، ويهبهم شريكاً، أو صديقاً لما بقي من حياتهم.

وانساب الحديث بيننا... رقراقاً، وأنيقاً.

- ...

- ...

- ...

- وهل تعيش مع ذويك في فرنسا؟

أشحث عن سؤالٍ لا أرغب في سماعه، ونظرت من نافذة الطائرة نحو الغيوم المعلّقة بين السماء والأرض. أأجيبها؟ لا... لست مضطراً لذلك... ولكن، شيءٌ غريبٌ يشدّني لمتابعة الحوار معها، وكأنّي لا أريد لهذا الحديث أن ينتهي.

- كلا...

- وكيف تحتمل الغربة إذن؟

- لم تعد غربة... الغربة الحقيقية تقطن اليوم في مكانٍ آخر...

وكمن يتوعّدني باستجوابٍ لاحق، ابتسمت بعينين محمّلتين بالكثير من الكلام.

عبثاً حاولث أن أغفو بعدما انشغلت عنّي جارتي اللطيفة بحديثٍ طويلٍ مع مسافرةٍ مسنّة كانت تجلس في الجانب الآخر. تصفّحت الجريدة المطويّة في جيب المقعد أمامي، فيما المضيفة تجول في ممرّ الطائرة بعربة الساعات والأكسسوارات والعطور، والركّاب مشغولون إمّا بالطعام، أو بالأحاديث، أو بهاجس الوصول بسرعةٍ وأمان.

ابتسم قلبي عندما عاد صوت يارا من جديد، متحدّثاً عن عطلةٍ بنكهة الثلج تتوقّعها الأرصاد الجويّة، ومتسائلاً عن مدّة إجازتي في بيروت، وعن مشاريعي المتوقّعة خلالها.

كانت إجاباتي مقتضبة حيناً ومواربة أحياناً. تعجّبت من أسلوبها الفضولي الأنيق، فرغم استفاضتها في طرح الأسئلة لم ينل منّي التذمّر والملل؛ بل على العكس، وجودها أشعرني بالارتياح، ومنحني إحساساً بالسكينة لم أعرفه من قبل.

تمنّيت لها عودةً طيّبة، ورحبّت بلقائها في فرنسا، دون أن أسأل نفسي إن كنت أحاول أن أجرّ القدر للقاءٍ مستقبلي معها، أم أنّني اكتفيت برجاء ذلك؟ لكنّي لمحت في ابتسامتها سحباً تعبق بالفرح.

هل انتهى الحديث؟

كم كنت أرجو أن تعاود أسئلتها، ولكن...

شارفت الرحلة على نهايتها بعد خمس ساعاتٍ من المطبّات الهوائية والنفسية، وتفاقم شعوري بالضيق عندما سمعت القبطان يعلن عن بدء الهبوط.

ها أنا ذا أمام الأمر الواقع، ولا إمكانية للتراجع أبداً.

ها هي ذي الطائرة تتوقّف أخيراً في مدرج المطار، فهل حان الوقت لأولد من جديد من رحم بيروت وفي حضنها؟ هل حان الوقت أخيراً لتصفية كل الحسابات العالقة بيني وبين هذه المدينة؟

وقف الجميع في الطائرة استعداداً للخروج، وبدوا على عجلةٍ لتناول حقائبهم من الخزائن العلويّة. بقيت وحدي جالساً في مقعدي، أنظر من نافذة الطائرة.

كانت تمطر بغزارة. السماء تنبئ بليلةٍ مجنونةٍ عاصفة.

أعـادني المشهد إلى شتاء باريس، إلى صخب أمطارها ولامبالاتها، إلى جنون مدينةٍ تحتفل كلّ يوم بالمطر، معلقةً أفراحها عند قدميه...

لكّل مدينةٍ في هذا العالم ملامحها الفريدة، وسحرها الخاصّ، وأنوثتها المميّزة. لكل مدينة وجهٌ وذاكرةٌ وأبجديةٌ لا يشاركها فيها أيّ مكانٍ آخر، فكيف سيكون وجه مدينتي يا ترى؟

استفقت من تأمّلاتي على صـوت يـارا، تذكرني بحقيبتي. التفتّ إليها، وعيناي تغصّان بالكلام والأسئلة، فابتسمت بيروت في عينيها وقالت:

- مرحباً بك في لبنان...

أنهيت بعد وقتٍ إجراءات الدخول وسط ازدحام المسافرين، واستوفيت كلّ الأختام اللازمة، وعيناي تجولان في كلّ أرجاء المكان. كل شيء حولي يشي بالميلاد.

زينةٌ حمراء وخضراء تتوزّع في معظم زوايا المطار، شجرةٌ بوسامة العيد تتوسّط القاعة الرئيسية، وموظفّون باسمون يرتدي بعضهم على رأسه قلنسوة بابا نويل ويبادلون المسافرين المعايدة.

{ميلاد مجيد}...

أعادتني الذاكرة إلى مشهدٍ قديم، في هذا المكان عينه، يوم رحلت عن بيروت طفلاً... لم تكن هناك أيّ زينة يومها... أو مطر... لم يكن هناك سوى الخوف، وصوت الرصاص، فهل سيتكرّر ذلك المشهد؟ وهل سأقف هنا من جديد، باكياً كالأطفال، مردّداً {لا أريد الرحيل}؟

عند بوابة الخروج، التقيت يارا مرّة أخيرة قبل أن أغادر. كان برفقتها شابٌ وفتاة أتيا لاستقبالها، فيما لم يكن برفقتي سوى حقيبتي الأنيقة، وجوازي الأوروبي، وأشباح القلق.