صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3957

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

‎مهام الكاتب قديماً!

  • 24-07-2018

سماها ابن قتيبة "أدب الكاتب"، بينما هي المهام التي يقوم بها الكاتب حيال عصره ومجتمعه، وهذا ما وضحه هو نفسه في كتابه "أدب الكاتب"، ففي القرن الثالث الهجري، الذي عاشه أبومحمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، كانت الحركة الثقافية قد ورثت من القرن الهجري الأول، حين اتسعت رقعة الإسلام شرقاً وغرباً، من أواسط آسيا إلى المحيط الأطلسي، وانتشرت مع الإسلام لغة كتابة دولته، فأخذ الملايين من غير العرب يتعلمون اللغة العربية، ويكتبون في آدابها مؤلفاتهم، ويستعملها الكثير منهم لساناً للتخاطب في الحياة اليومية، لأن الحضارة الإسلامية اتجهت أيضاً إلى الإفادة من تراث الأمم الأخرى، بنقل الكثير منها إلى اللغة العربية، وأخذ العهد الجديد يفرض على المثقفين العرب ضرورة خدمة دينهم وكتابة سننه، من هنا نجد أنه في القرنين الثاني والثالث الهجريين أرسى العرب القواعد الأولى لتقنين اللغة في نحوها واشتقاقاتها ودلالات ألفاظها، وبيان القياس والشاذ والفصيح والغريب والجيد والضعيف من وجوه استعمالها، والبدء في وضع المعاجم لها، وأن تتجه بعض جهودهم كذلك إلى وضع الأسس الأولى لنقد الأدب العربي، وتصنيف شعرائه وضبط موسيقى الشعر وأوزانه.

***

‎• وهذه المرحلة التي خلد تاريخ الثقافة العربية أسماء أعلامها من أمثال الأصمعي وأبي عمرو بن العلاء والنسائي والفراء والأخفش وأبي زيد الأنصاري والخليل بن أحمد وسيبويه وأبي عبيدة وابن سلام الجمحي.

‎وكان من الطبيعي في مرحلة الازدهار الثقافي وتنوع التأليف، وخصوصاً في القرون الهجرية الثالث والرابع والخامس، أن تكثر الكتب ذات الطابع التوجيهي في اللغة والشعر والكتابة والخطابة والنقد والبلاغة، وأن يُعنى المؤلفون بإيضاح معالم الطريق وبيان الأدوات الضرورية للمتخصصين في مهن التعبير في مختلف الفنون الأدبية.

***

‎• ومن أوائل من عنوا بهذا الاتجاه في كتبهم، ووضعوا له منهاجاً التزموه في معظم ما كتبوا، ابن قتيبة، وتحديداً في أدب الكاتب، فإلى جانب أنه رائد في هذا الميدان، وفي تصوير المعارف التي كانت تعد ضرورية للأدباء وكُتاب الدواوين، في بيان ما لابس مرحلة الترجمة في العصر العباسي من إقبال على العلوم المستحدثة المنقولة من الثقافات الأخرى، وما كان لذلك من أثر على الأسس الثقافية الإسلامية، حيث كان لابن قتيبة موقف من هذه الثقافات المترجمة من اليونانية والفارسية والهندية، فتصدى لها بعد أن لاحظ إقبال العرب عليها لأنها جديدة عليهم، ولكل جديد لذة، فشغف بها الناس، فكان طبيعياً أن يثير هذا الإقبال والشغف غيرة علماء الثقافة العربية الإسلامية وفي مقدمتهم ابن قتيبة.

‎ورغم أن هذا الرجل كان على معرفة باللغة الفارسية، قراءة وكتابة، وأفاد منها كثيراً، فإنه كان حريصاً أشد الحرص على أن تأخذ الثقافة الإسلامية المكان الأول من الاهتمام، وألا تطغى الفلسفة والمنطق والفلك فتشغل الناس عن ثقافتهم الإسلامية، لهذا نجده في أدب الكاتب قدم لقارئه كل المعلومات التي تجعله يقف على قدميه في مهنة الكتابة لخدمة دينه الإسلامي... فابن قتيبة كان من علماء الدين قبل أن يكون من الكُتّاب.