صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3902

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

رياح وأوتاد: عندما ينطق الرويبضة عن اقتصاد الحرير!

  • 16-07-2018

كل الدول في العالم تتسابق لاستقطاب المستثمر الأجنبي لأنه سيزيد دخل البلاد ويوفر فرصا وظيفية، ولكي نضمن نحن نجاحه في بلادنا لابد من الالتزام بالدستور والقوانين التي تكفل الشفافية والأخلاق وتوظيف الكويتيين والقيم العادلة لاستثمار أو تأجير أملاك الدولة، وبناء بنية قانونية متكاملة لجذب المستثمر.

ثبت عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال في وصف السنوات الخداعات أنها ينطق فيها الرويبضة وعندما سأله الصحابة عن الرويبضة قال: "الرجل التافه يتكلم في أمر العامة".

قفز إلى ذهني هذا الحديث وأنا أقرأ ما وصلني من رسائل إلكترونية وتغريدات وتحليلات كتبها غير متخصصين في الشأن الاقتصادي أو القانوني بشأن زيارة صاحب السمو الأمير إلى الصين وتوقيع بعض مذكرات التفاهم هناك.

هذه الكتابات يصدق فيها ذلك الحديث عن النبي، صلى الله عليه وسلم، فمنهم من كتب أن الصين ستودع خمسين ملياراً في الكويت وستأخذ فيلكا، ومنهم من زعم أن الصين ستستثمر ما قيمته 450 ملياراً في مشروع طريق الحرير، ومنهم من هلل بأن الصين ستوظف في المشروع 200 ألف كويتي، ومنهم من استنتج أن الكويت هي التي ستقوم بإعداد وإنشاء البنية التحتية، ومنهم من نشر أن الصين ستتولى بهذه الاتفاقيات الدفاع عن الكويت في مواجهة إيران أو إحدى الشقيقات، ومنهم من فهم أن الاتفاقات موجهة ضد أميركا، ومنهم من استعبط فكتب أن منطقة مشروع الحرير لن يُسمح للكويتي بدخولها، وأنها ستكون مفتوحة، وإلى آخر هذه الرسائل والكتابات التي تضلل الناس، ومن المؤسف أن الحكومة لم تقم بتصحيح هذه الأغلاط إنما قام ببعض التصحيح الناشط مشعل النامي والدكتور نواف الياسين، جزاهما الله خيراً.

مشكلة أجهزة الاتصالات الذكية أنها وفرت وصول ما يكتبه المتخصص وغير المتخصص إلى نطاق هائل من البشر، والمشكلة الأكبر أن كلام ورأي غير المتخصص قد يجد قبولاً وتصديقاً من أعداد كبيرة جداً، خصوصا في مجتمع لا يتابع غالبيته الآراء والدراسات المتخصصة مثل مجتمعنا، فيقع فريسة لهذه الأخبار والرسائل المغلوطة.

الاتفاقيات التي تم توقيعها في الصين هي مجرد مذكرات تفاهم ليس فيها تحديد باستثمار مبالغ معينة أو استغلال أراض معينة، وهي لا شك مطلوبة وجيدة وخطوة على الطريق، ولكن ربما لا يعلم كثير من الناس أن الدستور نص في المادة 152 على "كل التزام باستثمار مورد من موارد الثروة الطبيعية أو مرفق من المرافق العامة لا يكون إلا بقانون ولزمن محدود، وتكفل الإجراءات التمهيدية تيسير أعمال البحث والكشف وتحقيق العلانية والمنافسة"، فهل تمت جميع هذه الشروط الدستورية؟ وهل تم إعداد هذه الاتفاقيات التي فيها التزام ثم عرض قوانينها على مجلس الأمة ووافق عليها؟

بالإضافة إلى ذلك فهناك قوانين تحكم استغلال وتنمية الأراضي في الكويت مثل قانون البلدية والمجلس البلدي وقانون أملاك الدولة وقانون BOT، وقانون المستثمر الأجنبي، وغيرها من القوانين التي لم تقرر الحكومة ولا المجلس ما إذا كانت هذه القوانين هي التي سيتم إعمالها أو أنه سيتم إقرار قوانين بديلة لهذا المشروع استثناء منها؟ وكيف ستكون هذه القوانين البديلة؟

أي مستثمر في العالم سيقوم بدراسة جدوى المشروع والعائد الذي سيحققه، وهل سيقوم هو بإنشاء البنية التحتية؟ أم سيمتنع ويطلب أن تقوم بها الحكومة لكي يكون مشروعه مجدياً اقتصادياً؟ وإذا وافقت الحكومة على إنشاء البنية التحتية فكم ستكون الكلفة المالية وهل سيوافق المجلس عليها؟ وما العائد على الدولة من إيجار الأراضي ومدة الإيجار إذا وافقت أو لم توافق الحكومة على بناء هذه البنية؟ وأين الدراسات التي تكفل توظيف الكويتيين في المشروع الذي قيل إنه سيكون للقطاع الخاص؟ وهل سيطبق قانون 19/2000 الخاص بدعم العمالة الوطنية في القطاع الخاص أم سيتم الاستثناء منه؟ وهل سيتم تطبيق قانون الجزاء في هذه المنطقة الحرة (المفتوحة) أم سيتم إلغاؤه أو تجميده فيها؟

هذه بعض الأسئلة التي يجب أن يتناولها المستثمر والمختصون ومجلس الأمة، وعلى غير المختصين انتظار إجابتهم قبل أن يكتبوا وينشروا أخبارهم المغلوطة في وسائل الاتصال.

كل الدول في العالم تتسابق لاستقطاب المستثمر الأجنبي لأنه سيزيد دخل البلاد ويوفر فرصا وظيفية، ولكي نضمن نحن نجاحه في بلادنا لابد من الالتزام بالدستور والقوانين التي تكفل الشفافية والأخلاق وتوظيف الكويتيين والقيم العادلة لاستثمار أو تأجير أملاك الدولة، وبناء بنية قانونية متكاملة لجذب المستثمر تشمل إصلاح واختصار البيروقراطية الحكومية والقضاء على الفساد وإصلاح التعليم وإقرار البديل الاستراتيجي للرواتب والعمل الحكومي.

أما إذا لم تقر هذه الإصلاحات واستمر الاختلال الهائل في آلية سوق العمل فإن استغلال الأراضي بعد إعدادها المكلف من قبل الدولة سيكون من مصلحة القطاع الخاص وحده وعمالته الأجنبية دون عائد عادل للدولة من قيمة الأرض أو الضريبة، ولن يكون في مصلحة الاقتصاد أو توظيف مئات الآلاف من الكويتيين المقبلين على سوق العمل خلال السنوات القليلة القادمة.