صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3901

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

فاطمة إسماعيل: رتّبت دماغي على الورق فخرج رواية

• أرفض التكرار الذي يقيدنا بعبارات تكبِّل أفكارنا وأحلامنا 

روائية ورسامة تشكيلية، وظّفت فاطمة اسماعيل القلم والريشة لتصرخ عالياً متمرّدة على واقع مفروض عليها كامرأة في مجتمع لا يعترف بكينونتها وبحضورها الفاعل، لذلك تصنف نفسها بأنها لبنانية الهوية كونية الانتماء. في روايتها «مرايا الرحيل» الصادرة حديثاً عن دار ناريمان، ترسم فاطمة اسماعيل خطوطاً تشكيلية للعلاقات الإنسانية وتتعمق في دراسة الآخر علّها تكتشف ما يخبئ في باطنه من أفكار وقناعات قد تكون مدمّرة أحياناً. تتكلم على لسان بطلة روايتها سابين ممتشقة الريح لتحلق بعيداً في الأعالي حيث تخطط لأحلامها الوردية بعدما صار واقعها مظلماً بفعل تناقضاته التي كان لها آثارها السلبية في شخصيتها... بعد «مرايا الرحيل» ثمة مواسم روائية أخرى تستكمل فيها الغوص في سرداب الواقع علها تتلمس الضوء الذي ينقلها إلى ضفة الحقيقة، ويجعلها تكتشف «الأنا» الضائعة في متاهات المعتقدات والقواعد التي تخضع لمنطق العادات والتقاليد.

عنوان روايتك الجديدة «مرايا الرحيل»، هل هو رحيل من الذات أم إلى الذات؟

من الذات التي رسمت لنا، إلى الذات التي نرسمها بأيدينا. الرحيل الذي يلاحقنا كلما أردنا الاستمرار، كلما كان علينا أن نوضب أمتعتنا لننتقل إلى مرحلة جديدة من حياتنا. 

عندما نقول رحيل تتبادر إلى الذهن فكرة الهروب من ماضٍ ربما أو من حاضر، فإلى أي مدى للزمان والمكان دور في الرواية؟

هو الهروب والعودة في الوقت ذاته. هي فكرة أن نعود إلى السبب والمسبب، إلى حيث بدأت كل بعثراتنا. الرواية في مسيرة زمنية متسلسلة، وفي الوقت ذاته، فيها كثير من العودة إلى الذات من دون الخروج عن الزمن الحاضر.

للمكان والزمان أهمية كبيرة في تكوين الرواية، لأن الأحداث سببها تغير المكان، والزمان معاً!

 

هل أنت بطلة روايتك أم رسمت البطلة من خيال وأضفيت عليها بعضاً من شخصيتك وتجاربك؟

أظنني بطلة الرواية بطريقة ما، وكل امراة من واقعنا هي البطلة أيضاً، وبالطبع أضفت الكثير، ولكن أكثرها كان من داخلي إلى الخارج. أعانتني تجاربي الشخصية لأخترع شخصية لها هويتها الخاصة بعيدة عن هويتي أنا، وبالوقت ذاته. لا يمكنني أن أنكر التشابه، كذلك الانسجام الذي تكوّن من تلقاء نفسه بيني وبين الشخصية الأساسية، حتى مع الشخصيات الثانوية في الرواية.

طموح وعبثية

ما أبرز محاور الرواية؟

فهمت سابين جيداً أن الحياة شبكة مترابطة مع بعضها بعضاً. لم ترضَ بالواقع كما رُسم لها. وقفت إزاء مرآتها لتصرخ أنا موجودة قبل أن تتخطى أمامها الحكايات.

تزوجت من حبيبها كما تحلم كل النساء، آمنت بأنها ستكون سعيدة، لكنها لم تكن. حاولت أن تتأقلم مع ظروف عمل زوجها، إلا أن رغبتها بتحقيق الأمور على طريقتها كانت كفيلة بأن تجعلها تشعر بأن هذا العالم ضيّق، فعبرت إلى بيروت لتستعيد ما أضاعته خلال سفرها لأجل بناء حياة حلمت بها، ولكنها لم تجد ما تركته، فعادت إلى السعودية حيث كانت تقيم مع زوجها، كذلك لم تجد ما تركته، لتنطلق من المجهول إلى المجهول وتصطدم بأن الشظايا تأتي متباعدة أحياناً وأن الأحلام وحدها تختار متى تتحقق!

يبدو في الرواية صراع بين طموحك وبين الواقع، فهل شخصيتك ككاتبة أرادت الرحيل بعدما يئست من التغيير أم شخصيتك كامرأة ترفض قيود المجتمع التي تكبلها؟

الطموح؛ الواقع، الرحيل، أم البقاء، كوني امرأة أيضاً في هذا المجتمع العربي، كلها عوامل كفيلة بأن تحرضني على النهوض، والكتابة، على تدوين الصراعات التي تدخلنا أحياناً بمتاهات تفقدنا المعنى الحقيقي لوجودنا.

على المرأة أن تحقق ما تريده، وعلى الرجل أن يحقق ما يريده أيضاً، فكل القصص باتت مكررة، والأخطاء مكررة أيضاً، لهذا أرفض هذا التكرار، التكرار الذي يقيدنا بألف طريقة، بعدد لا يحصى من العبارات والتصرفات التي تكبل حريتنا، وأفكارنا وأحلامنا.

في رأيك هل تحرِّر الكتابة المرأة من التقاليد التي تحدّ من التعبير عن أفكارها في الواقع؟

الكتابة جزء بسيط من هذا التحرر؛ ولكن التحرر الحقيقي يكون في التصالح مع الذات، تأتي بعده طريقة إخراجنا له إلى العلن: ربما بالكتابة، أو الرسم، أو الغناء، أو الرقص، أو حتى مجرد القيام بأدوارنا في هذه الحياة بكل صدق ومحبة.

والمرأة أكثر الكائنات مقدرة على التعبير ونقل رسالتها، فهي دائماً الأم التي تزرع في طفلها كل الأفكار والتصرفات التي ستطبع شخصيته وذاكرته كل عمره، لهذا عليها أن تكون هي بتفاصيلها كافة وحريتها الحقيقية.

هل تعكس نظرة البطلة إلى الرجل نظرتك الشخصية إليه؟

نظرتي الشخصية تختلف من فترة إلى فترة، بحسب موقعي والزمن الذي أعيشه. في الرواية أسلط الضوء على رجل الأحلام؛ والزوج، والشريك! كذلك أحكي عن الأخ والأب!

نمط مختلف

هل تهدفين من خلال سرد أحداث شخصيات الرواية النسائية إلى تحليل واقع المرأة اليوم ومعاناتها في المجتمع الذكوري؟

المعاناة متصلة ببعضها، منذ الولادة إلى الزواج والإنجاب... المرأة لا تعاني الضغوطات الخارجية فحسب، بل أيضاً الصراعات الداخلية. لم تقنعني فكرة أن هذه الصراعات سببها هرمونات وبعثرات داخلية، بل تعرضت لكثير من الشحن، والاضطهاد الفكري والجسدي والقمع النفسي أيضاً!

لا تسير الأحداث وفق تسلسل زماني بل تقفز بين الماضي والحاضر، فهل ترمين من خلال ذلك إلى تصوير عبثية الحياة؟

أرمي إلى عبثية كل شيء، حتى أفكارنا، وتفاصيلنا الداخلية. لا يوجد تسلسل محدد لأي شيء، مهما يبدو منظماً ومرتباً؛ قمت بترتيب دماغي على الورق، فخرج كرواية، وهذا القفز كنت أقفز معه أنا في تلك المرحلة، ولم تكن عبثية أبداً!

تعتمدين عنصر المفاجأة في الحبكة الروائية والأسلوب، فهل ترمين من خلال ذلك إلى طرح نمط كتابي مختلف عن السائد؟

علينا ألا نتكرر، لهذا من الطبيعي أن يخرج إلى العالم أسلوب غير مكرر، بهوية شخصية خاصة، لم أتعمد فعل ذلك، بل بحثت في ذاتي عن الاختلاف، فخرجت بمحتوى وأسلوب مختلفين أيضاً! سعيدة بالنتيجة، وسعيدة بردود الفعل أيضاً!

كيف تقيمين الحركة الروائية النسائية، وهل تؤيدين مقولة إن العصر اليوم هو للرواية؟

سمعت هذه الجملة كثيراً، خصوصاً في حفلة توقيع روايتي {مرايا الرحيل}، لكنني أعتقد أن كل عصر هو عصر الرواية، لأن الحكايات لا تنتهي، والإنسان الذي يعرف كيف يبحث عن الطريق، سيلجأ إلى ملامسة الطرق التي سلكها من سبقه!

لكنني أعتقد أن الحركة الروائية، من دون تصنيفها، نسائية أو ذكورية، تنتمي إلى القضية والفكر والهوية التي تحكي عنها الرواية والواقع الذي ترسمه!

معرض ورواية قيد التحضير

تحضِّر فاطمة اسماعيل لمعرض شخصي ثان، كما تقول، وتتابع: «سيكون محطة أخرى، انتقل فيها إلى هوية جديدة، فكل شيء ينتمي إلينا وننتمي إليه عندما نتصالح معه ونوجد له المكان والهوية الملائمين».

تختم: «وبكل تأكيد رواية جديدة في مراحلها الأولى الآن تستعد للخروج على الورق».

للمكان والزمان أهمية في تكوين الرواية لأن الأحداث سببها تغيرهما معاً