صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3964

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

حبر و ورق

  • 14-07-2018

عنوان مؤجَّل

الكاتبة عائشة فهد

بابٌ مواربٌ عليه ورقة مهترئة صغيرة، مطبوع عليها: ملاحظة: المخفر صار منصة إعدام. تدخل بريبة، هاجس الخوف بسبب الظلام الدامس والصمت المحيط يحتلك، لكنك تدخل علك تستفهم، ممر قصير عند الباب، بطول طابوقة أو اثنتين لا أكثر، حُجَر صغيرة سورها قصير، لا تعدها ولا تلمح منها شيئًا، لكنك تسمع صوتًا من إحداها، صوت أنين كلب، أنين خافت جدًا تخاله لعصفور أو قط أو كل حيوان أليف آخر عدا كلب بهذا الحجم، ترفع نفسك تنظر من فتحة أصغر من أن تكون نافذة، تلمح كلبًا ملتويًا يئن، لا تميزه لأن خطوط الضوء من نافذة عالية لا تسمح لك بذلك، تستحضر الملاحظة؛ تتساءل: أين منصة الإعدام؟

• • •

باب موصد، باب غرفتك موصد على غير عادته، لا صوت لك يبا داخل الغرفة، منذ أن دخلت المستشفى وأنت تطلب مني ساعات استيقاظك ونومك أن يظل الباب مفتوحًا لترى المارة، والممر أمام غرفتك لحسن حظك وسوء حظي كان حيوياً، فيه الاستقبال للأسئلة غير اللازمة والطلبات التي تتعدى المسؤولية، وفي الاستقبال هذا أيضاً صراخ لا يمرّ يوم دونه، وشجار ونقاش وجدال وبكاء، بكاء لا ينقطع إلا باتصال بكاء آخر، كان ذلك قبل شهر أو أقل من الشهر بأيام، ولا يزال، لا أحد هنا ليرعاك سواي، انشغل الجميع عنك فور سقوطك وسط تجمعنا الأسبوعي، تذكر ذلك اليوم يبا؟ كان آخر تجمع لنا قبل عطلة الصيف التي قرّر فيها مسبقًا كل واحد من إخوتي أن يسافر لوجهته، وحين سقطت، التم الجميع حولك وأخذوا بالصراخ والمناداة: اتصلوا بالإسعاف، ماي هاتوا ماي، يبا تسمعني يبا شوفني.. أخذتك من بين كل ذلك إلى المستشفى فورًا، إذ ما فائدة هول اللحظة وذهولك إن لم تفعل شيئًا وتتحرك، وهذا كلامك يبا، كان سقوطك بسبب خلطك لدوائك الحالي مع دواء آخر قديم، لم تفكر برميه لأنك قد تحتاجه، حدث التماس حاد، ساعد بزيادة حدته عمرك، لم تحتمل رئتك ولم يفعل قلبك، ثم سقطت، أتى إخوتي من بعدي، وصلوا وجلسوا ينتظرون، أعرفهم يسمعون طمأنة الطبيب وشرح الحالة بشكل ما: لن يموت الآن، عددهم رغم كثرته صار يقل، يوصوني خيرًا بك، ويرحلون، ثم لم أعد أرى أحدًا منهم بعد أقل من أسبوع، كان ذلك بداعي أنك بخير، وستصحو قريبًا بعافية وصحة حديد، وأنت تعلم أن سفرهم ومشاريعهم هي الداعي الذي لا يؤجل لسقوطك، باعتباري الابن الوحيد والأكبر، الابن الوحيد الباقي هذا الصيف وكل صيف في الكويت، الابن الوحيد الباقي معك، يؤمنني كل واحد منهم عليك: ديربالك على أبوي، طمنا عليه بس يصحى، إذا قدر يتكلم اتصل فينا.. ولا أفعل، ولن تفعل.

بعد أسبوع، بعد أن لم يبقَ سواي يستمر بالمجيء إليك يوميًا، صرخت فيّ بعد أن دخلت وأغلقت الباب: يا ابن ال... ! اترك الباب مفتوحاً! ضحكت، ضحكت كما لن أفعل يومًا، يبا، لم أسمعك تشتم من قبل، لتشتمك الآن، تركته مفتوحًا، ودخلت، أنت تتجاهلني، أو ربما لا تراني، أستمر آتيك يوميًا رغمًا عن هذا، ولما أشتهي أن أضحك، أغلق الباب، لأسمعك تشتم كما لن تفعل، تشتمك أنت، وأجلس عند رأسك، ثم أجلس أمامك، ويبقى نظرك معلقًا على الباب المفتوح والمارة، في آخر أسبوعك الثاني هنا، زارك صديق عمرك الباقي، دخل بعصاته وأقبل يطمئن عليك ويتحمد لك على سلامتك، صحت فيه: أيا النذل، ولك عين تزورني! نهرتك، إلا أنك أكملت شوطًا من الشتائم، بادلك إياها صديقك، تركك من فورها وتوعد: ولا بتشوف رقعة وجهي بعد هاليوم، لكنه أتى بعد أيام، كأن شيئًا لم يكن، ولكن ما كان صار مرةً أخرى بذات الشكل الكوميدي، لم أنفر من تصرفاتك تلك، ولم أتنبه لها إلا بعد أن صرت تتشاجر وتصرخ بأشياء ليست موجودة، تطرد قطة، وتنفض فراشك من عصفور، تؤلف حوارًا مع بنغاليًا سرقك، وتشركني في معاونته على السرقة، سألت الطبيب عنك، يقول: معلش، هذا هذيان يصاحب بعض المرضى، لا خطر عليه، بمجرد أن يتشافى ينتهي كل شيء، ولم ينتهِ أي شيء، تناديني همسًا أن أقترب، أقترب منك، تستمر تهمس: طيعني، نتخلص منهم ونصير أخف، نرجع الكويت وينتهي كل شي.

• • •

باب مقفل، الجو قارص في الخارج لكنه خانق هنا، رطب ودبق، لا يزال الزمن في أول ديسمبر من السنة المنكوبة 1990 ذاتها، أنتم ثمانية داخل زنزانة ضيقة بهيئة صندوق وأضيق، في سجن أبو صخيل في البصرة، يشارككم إياها أنواعاً من الحشرات والفئران لم تألفوها بعد، يقف أحدكم حينًا لينام آخر ممدداً بدلاً من نومه جالسًا، وهذا ترف؛ كنت تقول في كل مرة يقف فيها أحد من رفاقك السبعة، أو ربما أعدائك عدا الكويتي كما كنت تقر في نفسك وتقنعه: هذول عراقيين، فاهم شنو يعني عراقيين! يوم نقلكم من مخفر الصليبية الصناعية إلى البصرة كنتم تسعة، ثلاثة كويتيين وستة عراقيين، أحد الكويتيين كان يرتعد، يعاتب زميله بحدة: الله يلعن الساعة إللي طاوعتك فيها، الله يلعنها من ساعة! قلت لي نروح السعودية نرتاح وهذا احنا رايحين للعذاب بايدنا، الله يلعن ذيك الساعة، الله يلعنكم.. ولم يكف يضرب جدران الشاحنة بيديه، يضرب نفسه، يضرب رأسه بالنافذة بينكم وبين السائق، يستمر يلعن ويضرب، سقط، سقط مدمى، سقط قتيلًا، سقط بلعنته الأخيرة: الله يلعن الخوف. يستعر مبارك في مكانه، يرتعد بدوره باكيًا يناديه مرتعشًا: محمد؟ محمد لو صبرت شوي كنا بنرتاح! محمد؟ قوم محمد وأوعدك بنرجع. هذه الشاحنة؛ يقول أحد العراقيين في الطرف الأخير منها متفحصاً قفل الباب: أعرفها زين هذي الشاحنة، أعرفها. يلتفت على مجاوره: شقصتك؟ شإللي جابك هنا ويانا؟ يجيب: انت تعرُف هذي الشاحنة زين، وأنا أعرف السيارة إللي أخذوها مني وقالوا إني بايقها، كنت أحلف لهم سيارتي، والله شاريها مو بايقها من عباس، سيارتي، ما صدقوني ولا سمعوني. ينتحب، يضحك مدعي صاحب الشاحنة، يلتفت على رفاقه، يقول لهم: خارجين منها بإذن الله لبلدنا، بينزلونا بس نوصل البصرة، تنزعج من المدعي، تبتعد عنه، تواسي مبارك، الكويتي الباقي معك: صاحبك حي، راح شهيد عند ربه.. تربت على كتفه، يُسقط ثقل رأسه النابض في حضنك متشنجًا إثر دموعه، ملحٌ، ملحٌ مجموع دموع وعرق يصب، ولا ينقطع، ولا تنقطع تواسيه: يموت هني، ولا يتعذب ويموت ألف مرة هناك، العراقيون معكم ينظرون إليكما، ينظرون للجثة، مشفقون وخائفون هم أيضًا، يقوم حمدي -سارق السيارة أو مشتريها ربما- يطرق الجدار، ينادي السائق: مات مات، يسمعه، يستجيب له، يوقف الشاحنة، يفتح بابها، يصرخ فيكم فاردًا سلاحه في وجوهكم: كل واحد مكانه، انت -مشيرًا إليك- جيبها هنا، تحمله مجبرًا تجنبًا لكل صدام، يأخذه منك ببرود، تنظر لمبارك، ولا ينظر إليك ولا إليه، لا يزال مسقطًا رأسه بيديه، يبكي، يرمي الجندي الجثة، ربما في الكويت، أو ربما عند حدودها مع العراق، ربما في العراق، فوق تل أو صخرة أو لا شيء، فوق تراب، مرمية هكذا، تقول لمبارك: لو نعرف المكان، نجي ندفنه أول ما نطلع، استحالة الفكرة في حالتكم ليست مستحيلة، يكف مبارك عن بكائه، يحكي لك معزيًا نفسه ما حدث منذ تخطيطهم بأن يهربوا بسيارة البلدية، إلى أن أوقفهم: الرفيق فوزي عاشور جار معاون آمر قاطع بغداد، هكذا حافظًا ردد الاسم عليك بطول رتبته، ويقول: وقفنا بنص البر، أقول لمحمد أنحاش، يقول بيذبحونا، نستسلم، كان خايف، الله يلعن الخوف. تحسه يسمعكم بريبة، منصت لحكاية مبارك، هو حمدي صالح ثبات مشتري السيارة الميتسوبيشي من عباس، الذي يجهل اسم والده، كما يجهل تهمته أيضًا، وجندي مجهول كما أطلقوا عليه في محضرهم، سمعته يتحدث مع مزهر عبدعلي، مدعي صاحب الشاحنة: هذي قصتي، وانت؟ انت ورفاقك كلكم بنفس هذي الشاحنة أخذوكم؟ يرد: لا كل واحد جاي بشاحنة، شاحنتي أذكر رقمها 8408 من النجف، إللي احنا بيها هسه، وراي كل واحد بشاحنته كان حمدي توفيق وعادل سلوم وحسين سعيد ويوسف، يوسف.. نسيت اسم أبوه، يقول يوسف بصوت خافت: أحمد، يوسف أحمد. كانت تهمتهم بسبب دخولهم سيطرة المطلاع ليلًا، وحين سؤالهم عن حاجتهم أبرزوا الكتاب المصور الصادر من وزارة التجارة فرع الكويت معنون إلى نقاط السيطرة، كما أبرزوا وصلين من مركز السيوف للدعاية والإعلان باسم جعفر جابر العيداني، طلبوا منهم إيقاف الشاحنات لغرض التدقيق وإبراز النسخ الأصلية، بعد حوالي ساعة من إيقاف الشاحنات ذهب جندي إليها فلم يجدها حيث كانت، هربوا، وبقيت النسخ المصورة معهم، لحق بهم اثنان من جهاز المخابرات، سأل أحدهما سائق شاحنة عن الطريق الأكثر سلكًا من قبلهم للهروب، أجاب: طريق الخط السريع، الناصرية، تابعا التحري دون أن يجدا الشاحنات، وصلا إلى سيطرة الدورة في تمام الساعة الخامسة فجرًا، بقيا في السيطرة إلى أن وصلت أربع شاحنات، تم القبض عليها، والخامسة لم تصل، عثروا عليها في طريق عودتهم إلى الكويت، في الشاحنة الحالية كانوا عائدين، شاحنة المدعي، وفيها عثروا على بندقية صيد، يقول: هذي البندقية بعد أني شاريها من كويتي بـ 40 دينار، ما سألته عن اسمه، شيعرفني بيصيدوني عليها ويسألوني عن صاحبها! حين تم القبض عليهم طُلبت منهم الوصولات الأصلية، وتبين منها أن البضاعة تم نقلها منذ أكثر من شهر، ما عدا ماكينتين نقلتا في إحدى الشاحنات ومعهما عفش، وعندما سأله حمدي عن سبب عودتهم إلى الكويت بعد أن أوصلوا البضاعة إلى العراق، يقول: مو الكويت إلنا؟

لم تحكِ عنك إلا بعد أيام في الزنزانة، يخنقك الصمت والظلم، أكثر منها الرائحة والمكان، صار مبارك يواسيك بدلًا من أن تواسيه، لا يكف يقول: يفرجها ربك، قريب يفرجها ربك، تعدل من جلستك وتنظر للعراقيين حولك، نائمين كلهم جلوسًا، تقول لمبارك: صار لنا أسبوع هني، ما سألتني شلون خذوني وليش؟ يتذكر مبارك، يحك رأسه: ما سألتك؟ تتجاوز، تحكي: أول شهر تسعة إذا تذكر؟ يهز مبارك رأسه مستفهمًا ما حدث، حدث تبليغ المختار ورؤساء الجمعيات لفرض تبليغ كافة سكان الأحياء السكنية بتسليم أسلحتهم إلى مقر الوحدات العسكرية القريبة منهم، وتم تحديد فترة تسليم كل الأسلحة في أسبوع، من 3 سبتمبر إلى العاشر منه، وحين تسليمها يتم جردها، ثم تعمل بها قوائم أصولية، وترجع بعدها إلى قيادة الوحدات العسكرية حسب المناطق، وبعكسه؛ يعد كل شخص يُمسك بحوزته سلاحًا مجرمًا ومعاديًا عند انتهاء الفترة المحددة للتسليم، تروي: كنا ببيت أبوي، قعدنا عنده بعد أول يومين احتلال، سلاحي معاي، وصاني أبوي ما أسلمه لهم، وخشه تحت طابوقة بطرف الحوش.. لأن كل شيء معدم هنا، لأنه لا شؤون هنا ولا أخبار، ترى مبارك مشدوهاً يسمعك، مثل طفل، تكمل تخبره ما حدث، بعد انتهاء فترة تسليم السلاح بأسبوعين، داهمتكم مجموعة من الجنود، ابنك الأكبر في الحوش يلعب، أنت تداعب ابنتك على درج باب البيت الرئيسي المشرع، يرفس جندي الباب، يحمل ابنك الطابوقة تطفلًا، يلتفت جندي، تفزع متفاجئًا، يعيد ابنك الطابوقة هلعًا، يقترب الجندي منه، تضطرب واقفًا، يجلس ابنك عليها متصنمًا، يزيحه الجندي بفوهة بندقيته، تخنس مكانك، منتكسًا تتفضل معهم. تتنهد: وهذا كل إللي صار.

بعد شهر تم، لم تعد تحتمل كل هذا، كل العذاب، كل الشقاء، كل العسر، وكل التعب، تفكر تهرب، تسترد حقك في الحياة، تفكر بمبارك أو لا، ساعة نومه واستيقاظكما فجرًا؛ توسوس له: لازم نطلع من هني، طيعني، نتخلص منهم ونصير أخف، نرجع الكويت وينتهي كل شي.

• • •

باب مخلوع، لا باب لقبرك، يبا.

الشاه والسلطان

كامبر

هذا الفصل بيان لطفل يجمع النجوم في مكان ما حول أردبيل حول تعرفه على الحب.

أغسطس 1501

رفع كامبر حجاب الكلمات:

خلال أمسيات الصيف الدافئة، كنتُ أتخيّل نفسي أطير بعيداً إلى النجوم المتلألئة من بين أوراق شجر البلوط، وكان ذلك من أكثر الأمور المسلية في حياتي الرتيبة؛ حيث اعتادت عيناي على البحث عن النجوم في الظلام. لم أكن أعير شرود بابيدار الذي تزايد مؤخراً أي اهتمام، ولا أكترث بتمتمته لنفسه بطريقة تبدو وكأنه يريدني أن أسمعه أيضاً:

– أيها المسافر... سر نحو الحب... سر حتى تصل إلى الحقيقة.

إلا أنني استمررت في جمع نجومي.

تمكّنت حينها من سماع صرير الجنادب وأنا أسافر إلى نجمة جديدة، وأشعر بمتعة كبيرة في حصولي على نجمة جديدة أخرى هناك في السَمَوات الفسيحة؛ حيث تمكّنت من ملء حقيبة نجومي بالحجارة التي جمعتها بيدي... أن تكون على سطح نجمة لوحدك في أحلك ساعات الظلام والصمت مخيم على كل شيء... إن ذلك كمملكة بالنسبة للطفل!...

بابيدار قريبي الوحيد، أو هذا ما كنت أظنه. في فصول الشتاء الماضية، جلسنا معاً حول موقد في الغرفة الخاوية في منزلنا المبنيّ من الطوب في القرية. وخلال أيام الصيف انتقلنا إلى العرزال الذي بنيناه في الأعلى بين أغصان شجرة البلوط. وهكذا استمرّت حياتنا، وكل منا متأكد من وجود الآخر. وباستثناء ساعات الفجر التي قضيناها وهو يعلّمني الكتابة والقراءة خلال السنة الماضية، بدت حياتنا مليئة بالروتين. لم أكن أعلم ما هي صلة القرابة التي تجمعنا بالضبط، لكنني كنت أناديه بابيدار من دون أن أدري إن كان أبي أو جدي أو مجرد رجل كبير محسن اعتنى بي، وقد ظل ذلك لغزاً بالنسبة لي حتى اليوم. أظن أنه بالنسبة لصبي وحيد في الثامنة من عمره، تقتصر فكرته عن الثروة والملكية على منزل من الطوب وعرزال، ويظن أن الأرض تنتهي خلف الجبل المقابل للقرية، إن تلك الأمور لم تكن بالغة الأهمية في تلك الأيام. وفي إحدى الليالي سألته عن أمي، فسمعت منه كلمات توبيخ جعلتني أبكي حتى الصباح تحت غطائي. ومنذ ذلك الحين، لم أعد أتفوه بكلمة أخرى عن أمي أو أبي مرة أخرى خوفاً من أن يتخلى عنّي إن عبّرت عن الأفكار التي تدور في بالي حول ذلك الموضوع.

في تلك الليلة، حين بدأ بالتذمر كالمعتاد بشأن الألم الذي يشعر به في ركبتيه، وتقدمه في السن، وعدم قدرته على القيام بتلك الأعمال في الحقول، وأنه يوماً ما سيقع عن سلم هذه الشجرة ويلقى حتفه وهو يصعد أو ينزل من العرزال، كان كلانا منهكين من التعب؛ إذ إننا خلال النهار سقينا حقل البطيخ.

لا يسعني التعبير عن مدى استمتاعي بسقاية البستان بالمياه الباردة في يوم صيفي؛ حيث شقّ بابيدار ترعة من الجدول ليدع الماء يتدفق من المنعطفات. وليتأكد من أن الماء يصل إلى كل بوصة في الحقل، شق الطريق للماء بالمجرفة وهو يتذمر طوال الوقت. وبينما كان يقوم بذلك كنت أجمع الأسماك المتقافزة في آخر بقعة ماء تتدفق إلى حقلنا... لا أدري سبب تسميته هكذا؛ لأنني الآن أشك إن كان حقلنا أو لا. كان ذلك يوماً مثمراً؛ إذ امتلأت سلّتنا الصغيرة بالأسماك الصغيرة والكبيرة. وصلنا إلى فترة المساء منهكين، ولكن تلك الأمسية كانت من أسعد الأمسيات في حياتي.

علّقنا الأسماك على أغصان الصفصاف، وطبخناها بالعنبر. وبينما كنا نتناول الطعام، طلب مني بابيدار على خلاف عادته أن أجلس مقابله قائلاً إن لديه أموراً مهمة يريد إخباري بها. ارتعشت وقد راودني شعور بأنها ستكون ليلة مختلفة عن أية ليلة أخرى. كنت حينها في الثامنة من عمري فقط، وارتعشت لأجل حقيقة ستكون كبيرة جداً على روحي الطفولية. وبالطبع، بدأ كلامه مجدداً بعبارة:

– في كل ثانية تتنفس بها، سِر نحو الحب يا ابني العزيز... سِر نحو الحب لتصل إلى الحقيقة!

ثم أكمل كلامه بوضوح تام وكأنه يعطي تعليمات:

– الحب أساس كل المعتقدات. فكل من يحب شيئاً أو شخصاً ما سيؤمن في ما أو في من يحبّه، وسيخضع لمن يحبه ويخدمه. العبودية إحدى المراحل السبع للحب؛ وهي التي تُنشِئ الصداقة. وتلك المراحل تبدأ «بالألفة»، ليتبعها بعد ذلك «الحب»، ثم «العاطفة»، يليها «الغرام» «فالحماسة» و«العبودية»، لينتهي الأمر «بالصداقة» الأبدية. وسواء أكانت جيدة أم سيئة... مفيدة أم ضارة... فإن لكل أنواع الحب تأثيراً ونتيجة وثمرة وقوة... الحماس والمتعة والتوق والحميمية والانفصال والبعد والهجر والفرح والأسف والبكاء والضحك...

هذه كلها تأثيرات الحب وطرقه؛ إذ يجب على المرء دائماً التقدم على خطى الحب بالكسب والقوة، وبعد إحراز بعض التقدم، يستفيد المرء منها إن بكى أو ضحك لأجل الحب، أو إن كان فرحاً أو حزيناً بسببه، أو حتى إن قلق أو تحمّس. وسيكون ذلك في الواقع العكس تماماً حين يشعر ذلك المرء بالغربة عن الحب؛ حيث سيشعر بالأسى في كل الظروف، والشخص الذكي لن يرغب بالحب الذي سيؤذيه.

إن حبَّ الحقيقة يا بنيّ أسمى أنواع الحب؛ لأن الحقيقة تنشأ من الجمال المطلق، والمرء يحب كل ما هو جميل لأنه يحمل إلهاماً من الجمال المطلق. إن عرفت كيف تميّز الحقيقة فلن تفكر سوى في محبوبك... حب المحبوب... حبّ أولئك الذين يحبهم المحبوب... الحبّ لأجل المحبوب وفي سبيله... الحب مع المحبوب... كل تلك الأمور خفية على الطبيعة البشرية. ستفهم كل ذلك بشكل أفضل حين تكبر، لكن الآن يمكنك تخيّل الحب كالماء؛ إذ إن الوصول إليه سيمنح المرء المتعة، كما أن البعد عنه سيمنحه الألم!

كنتُ قد بدأت أجد صعوبة في فهم كلمات بابيدار؛ حيث بدا الأمر وكأنه يخبرني سرّاً بلغة لا أعرفها. فأنا لا أذكر أي مرة أخرى تعامل فيها معي بهذه الجدية والغموض... ربما يكون إدراكي لمدى معرفته هو ما أربكني؛ إذ كان يصيغ عباراته ببطء وكأنه يتلو تعويذة وهو جالس بفخامة أمامي... ربما كنت أراه أكثر فخامة مع كل لحظة تمر بسبب كل ما كان يقوله؛ وكأن عينيه تنظران إلى وجهي وتريان ما في قلبي. كنتُ كلي آذاناً صاغية، حاولتُ تذكّر كل عبارة من عباراته التي لم أتمكّن من تكرار بعضها أو حتى تفسيرها وفهمها، لكنني حرصت على حفظها في ذاكرتي. وكما قلت، لم أرَ بابيدار هكذا من قبل؛ إذ بدا جليلاً ويركز على واجبه ويمنحه كل ما لديه.

– حين تنفصل المادة عن أصلها الطبيعي تنفصل بالحب، وتحاول العودة مجدداً بالحب، وما يكتسب الطاقة منذ زمن سحيق سيتجه نحو الأبدية بالحب. وما هو موجود في السماء والأرض وما بينهما موجود بالحب؛ إذ إن الأجرام السماوية تدور بفضل الحب، والنجوم باقية في مكانها بفضل الحب؛ كما هو الحال مع نجوم الحب في قلوبنا... ولهذا السبب، من الضروري أن نحب الداخل لا الخارج... أن نحبّ الروح لا الصورة. الحياة حلوة بالحب، وفضاء الحياة في هذا العالم بدون المحبوب أمرٌ لا طائل منه.

وبينما حضنني بين ذراعيه وأفلتني قال:

– أتفهمني يا ابني العزيز!

كان صوته رقيقاً للغاية ولكنني لم أجبه. وبعد زمن طويل، أدركت أن الحقيقة بالنسبة لي ستتكون من تذكّر تلك الليلة المليئة بالحب، وتذكّر الحب في تلك الليلة من خلال حب العالم، وتذكّر بداية الحب من خلال نتيجة الحب. إذ ما من حقيقة أخرى سترمز إلى القيمة التي تتجاوز قيمة الحب.

كنت طفلاً عالقاً في مخالب الأفكار المعقدة والمعضلات الفكرية؛ إذ كانت كل كلمة من كلمات بابيدار تعلق في ذهني كشظية تجرحني ثم تنسحب. في تلك الأثناء، حل الليل واستقرت النجوم في أماكنها وخيّم السكون. وبعكس ليالي الصيف الأخرى في أردبيل، لم تهب أي رياح، ولم تتحرك أوراق الشجر، ومن بعيد علا عواء الذئاب ونباح الكلاب من القرية. قرّرت أنه عليّ تخفيف الثقل في رأسي، والهروب من رباط الكلمات المتزاحمة في دماغي. وهكذا، ما إن طبعت كلمات بابيدار في ذهني حتى بدأت بالتفكير في أشياء أخرى.

أحطت نفسي بعواء الذئاب المخيمة على الليل، وحاولت قياس استمرارية العواء... لماذا يعوي الذئب؟ هل هناك سبب لتزايد ذلك العواء الليلة مع أننا لا نسمعه دائماً؟ لقد علّمني بابيدار كيفية التمييز بين أصوات الأرانب وابن عرس وابن آوى والنمور والدببة، بالإضافة إلى الأصوات التي تصدرها القوارض الصغيرة. بدأت بالتفكير في القوارض لأشتت تركيزي، ثم ضحكت وأنا أتذكر كيف رحنا نهزّ أغصان الشجر في أعلى شجرة البلوط المبني عليها عرزالنا حين بدأوا يهاجمون حقل البطيخ الذي زرعناه، وكيف هربوا متقافزين بطريقة مثيرة. أحياناً، كان بابيدار يضع العود الحديدي الذي كان بحجم إصبع بين شفتيه ويصدر أصوات صفير، وإن لم يفلح ذلك ينزل من العرزال ويطاردهم بعصاه الطويلة بينما أراقبهم أنا فرحاً. وفي أحيانٍ قليلة، أتت بعض الحيوانات الخطرة إلى حقل البطيخ الذي زرعناه، ما اضطرنا إلى طردها من دون أن ننزل عن أغصان الشجرة التي كنّا نجلس فوقها؛ حيث استخدم بابيدار ناياً من الخيزران لتقليد أصوات الحيوانات المختلفة، وكان ينوي تعليمي تلك المهارة في المستقبل، كما ينوي إعطائي الناي.