صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3904

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

«الجمع بين رأيي الحكيمين»

  • 30-06-2018

يتبوأ أبو نصر الفارابي منزلة سامقة في تاريخ الفلسفة الإسلامية، والرجل الذي تقسمت سنو عمره الثمانون على السواء بين القرنين الثالث والرابع الهجري، قضاها في مركز العالم الإسلامي بين داري الخلافة الغابرتين، بغداد وأخيرا دمشق، يمثل حالاً استثنائية من شغف بحكمة الإغريق. أبلى أبو نصر في سبيل تحصيل فلسفة اليونان مما تحصل عليه من نصوص مترجمة، ثم تجشم مجهود استيعابها ومشقة شرحها، مما يسر استيعابها وانتشارها في عالم الإسلام.

وضع الفارابي، الذي برع في علوم ومواهب عدة، عددا من رسائل، تطول أو تقصر، كانت مرآة لهذه الأحوال، ومن بين تلك الرسائل ما لا يزال ينشر الحيرة بين المهتمين بالفلسفة الإسلامية، تلك هي رسالة «الجمع بين رأيي الحكيمين»، والحكيمان ليسا إلا قطبي الفلسفة اليونانية في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، أفلاطون وتلميذه أرسطو.

ويكمن مبعث الحيرة، في نظر كل من بعض الإطلاق على تركة الإغريق، في أن الجمع بين فكر كلا الرجلين، وإن اختلف الأخير تلميذاً في أكاديمية الأول، كما الجمع بين محلق في الفضاء وآخر جاثم قريب الأرض، مثلما يصور ذلك رافائيل في إحدى روائعه. ولعل رأي الجمهور من مؤرخي الفلسفة الإسلامية يعيد مبعث وضع تلك الرسالة إلى انطلاء ما نسب باطلا في قرون متأخرة إلى أرسطو من آثار الأفلاطونية المحدثة. إلا أن بونا شاسعا من الخلاف بين الرجلين في مباحث مهمة، سواء في نظرية المعرفة أو الوجود، النفس أو الإلهيات، ذلك كله لم يكن لينطلي على عقل متقد كما لأبي نصر.

إذاً ما الذي يمكن أن يدفع الفارابي إلى ذلك البلاء في جمع ما لا يجتمع إلا قسرا، وهو عين ما حدث؟

أتكون نزعة جدلية تسكن الأفكار الكبرى، الأديان التبشيرية كالفكر الإسلامي مثلاً، تتوسل تجاوز الفروق في سبيل استيعاب الآخر؟ ألم يوظف المعتزلة قبل مولد الفارابي بنحو قرنين آلة المنطق لتقديم الإسلام للغير؟ ثم ألم ينقلب هؤلاء بعد ذلك يؤولون أصول الدين بما يتوافق مع قواعد الآلة ذاتها؟ أولم يعاود القطب الآخر للفلسفة الإسلامية في النصف الآخر من العالم الإسلامي، أي ابن رشد، بعد الفارابي بقرنين من الزمان، الجمع بين الفلسفة والشريعة كما يجمع بين أختين رضيعتين، على حد وصفه؟ ثم ألم يشهد الفقه الإسلامي على مر تاريخه منذئذ، مرورا بمراحل اتصاله بالفكر الغربي في العصور الحديثة وحتى يومنا هذا، رحلة في التوفيق بين مؤثرات أجنبية وأركان دينية؟ وهل يعني التوفيق هنا سوى إبطال الفروق أو هضمها لاستيعاب ما يستوعب من عناصر غريبة.

لا مراء إذاً في أن جمع الفارابي بين رأيي الحكيمين، وإن لم يُتفق معه في فلاح ما ذهب إليه، يعكس سجية طالما زودت الفكر الإسلامي بقوة استيعاب الآخر وتمثل ما يحمله من بضاعة فكرية. خطوة يقدم عليها المتكلمون والفلاسفة لجرأة استمدوها من نزوعهم نحو تمكين العقل من أن يعمل حرا، وعلى مضض يتبعهم الفقهاء والقيمون على العلم الشرعي لالتزامهم المحافظ ولحرصهم على استقرار دعائم الدين ودرء الفتن. لكن الأمر برمته يمثل في المحصلة مكمن مرونة هذا الدين وسر حيويته منذ نحو خمسة عشر قرنا ونيف، في رقعة من العالم لا تغيب عنها الشمس.