صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3935

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

ما قــل ودل: أمانة الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية ونظام التأمينات الاجتماعية

  • 24-06-2018

فتح الباب على مصراعيه للتقاعد المبكر من شأنه أن يستنفد احتياطيات نظام التأمينات الاجتماعية للوفاء بحقوق الأجيال القادمة.

سؤال مشروع يحسن أن تكون الإجابة عنه واضحة هو: ألم ينص الدستور على أن "الإسلام دين الدولة والشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع؟".

وفي سياق ما ورد في المذكرة التفسيرية للدستور من تفسير للمادة المذكورة، تقول إن النص الوارد بالدستور- وقد قرر أن "الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع"، إنما يحمل المشرع أمانة الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية ما وسعه ذلك، ويدعوه إلى هذه النهج دعوة صريحة واضحة.

استعدت من الدستور ومذكرته التفسيرية هذه الكلمات، وأنا أطالع مشروع القانون الذي أقره مجلس الأمة في جلسته المعقودة بتاريخ 16 مايو الماضي، بتعديل نظام التأمينات الاجتماعية، والذي أصبح التقاعد المبكر هو القاعدة العامة في هذا النظام، ولم يعد كما كان استثناء يطبق في حدوده الضيقة التي كان عليها النظام منذ نشوئه في حالات العجز عن الاستمرار في العمل أو المرض الذي يقعده عنه، أو لأسباب تهدد حياته بالخطر إذا استمر في عمله، وكان من الأعمال الشاقة التي حددها النظام وفقا لأدواته.

وقد أهدر مشروع القانون قيمتين أساسيتين في ديننا الحنيف هما:

القيمة الأولى: قيمة العمل

وهي القيمة التي زخرت بها الآيات البينات من القرآن الكريم في قوله تعالى: "وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ"، وقوله سبحانه: "تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا...".

فضلاً عن أحاديث الرسول- صلى الله عليه وسلم- في قوله: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"، و"من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفوراً له". فقد زاغ مشروع القانون ببصره عن هذه القيمة بالتعديلات سالفة الذكر التي قررها للتقاعد المبكر.

القيمة الثانية: التعاون والتراحم

يقول المولى عز وجل: "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ" ويقول جل وعلا "وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً"، ويقول النبي، صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكي منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى"، وقوله "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا"، و"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"، ويقول، صلى الله عليه وسلم: "إن قوماً ركبوا سفينة فاقتسموا فصار لكل منهم موضع، فنقر رجل منهم موضعه بفأسه، فقالوا ماذا تصنع؟ قال هذا مكاني أصنع فيه ما أشاء، فإن أخذوا على يده نـجا ونـجوا، وإن تركوه هلك وهلكوا".

والبين من الآيات البينات وأحاديث الرسول- صلى الله وعليه وسلم- أن التكافل الاجتماعي هو جوهر العقيدة الإسلامية، فطاعة الله ليست مقصورة على العبادة، بل هي شاملة للمنهج الإلهي كله، في التعاون والتراحم بين الناس وكذلك بين الأجيال المتعاقبة، وفي احترام قيمة العمل كقيمة إنسانية وإسلامية، وهو التكافل الذي يقوم عليه نظام التأمينات الاجتماعية.

ولئن كانت المذكرة التفسيرية في تفسيرها لنص هذه المادة تقول إنه في وضع النص بهذه الصيغة توجيه للمشروع وجهة إسلامية أساسية دون منعه من استحداث أحكام من مصادر أخرى في أمور لم يضع الفقه الإسلامي حكما لها، أو يكون من المستحسن تطوير الأحكام في شأنها تمشيا مع ضرورات التطور الطبيعي على مر الزمن.

إلا أنه وقد تبنى الدستور هاتين القيمتين، فقد أصبحنا في مرتبة أسمى من القوانين العادية، بما ينطوي عليه ذلك من مخالفة أيضا للدستور، فضلا عن مخالفة الدستور، فيما نص عليه من:

- اعتبار العمل أحد المقومات الثلاثة لكيان الدولة الاجتماعي (مادة 16)، يعترف به الدستور كحق فردي له وظيفة اجتماعية ينظمها القانون (مادة 16). تعمل الدولة على توفير خدمات التأمين الاجتماعي له (مادة 11).

- العمل واجب على كل مواطن تقتضيه الكرامة ويستوجبه الخير العام (مادة 41)، وتقوم الدولة على توفيره للمواطنين.

- ينظم القانون العلاقة بين العمال وأصحاب العمل على أسس اقتصادية، مع مراعاة قواعد العدالة الاجتماعية (مادة 22).

- الاقتصاد الوطني هدفه تحقيق التنمية الاقتصادية وزيادة الإنتاج (مادة 20)، ورفع مستوى المعيشة وتحقيق الرخاء للمواطنين، في حدود القانون.

- الوظيفة العامة خدمة وطنية تنال بالقائمين بها ويستهدف موظفو الدولة في أداء وظائفهم المصلحة العامة (مادة 26).

- أن "العدل والحرية والمساواة دعامات المجتمع والتعاون والتراحم صلة وثقى بين المواطنين". (مادة 7).

وأختتم كلمتي بأن فتح الباب على مصراعيه للتقاعد المبكر من شأنه أن يستنفد احتياطيات نظام التأمينات الاجتماعية للوفاء بحقوق الأجيال القادمة، وربما الجيل الحالي، وأن يتحول المجتمع، بدلاً من مجتمع منتج وعامل بشر به الدستور في ديباجته سعياً نحو مستقبل أفضل ينعم فيه الوطن بمزيد من الرفاهية والمكانة الدولية، ويفيء على المواطنين مزيدا من والمساواة والعدالة الاجتماعية، ويرسي دعائم ما جبلت عليه النفس العربية من اعتزاز بكرامة الفرد، وحرص على مصلحة المجموع، إلى مجتمع من المتقاعدين.