صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3905

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

أزمة الهجرة... قد تطيح بأنجيلا ميركل!

  • 23-06-2018

الوضع مشابه دوماً بين هذين الاثنين! ينشأ الخلاف بينهما بوتيرة بطيئة وشبه تدريجية. قبل أن تتجه أنجيلا ميركل إلى قمة مجموعة السبع في كندا، كانت لا تزال تجلس إلى جانب وزير الداخلية هورست زيهوفر بهدوء على مقاعد الحكومة في البوندستاغ. لكن أرادت المستشارة الألمانية أن تُحضِر معها «الخطة الشاملة» التي طرحها زيهوفر حول سياسة الهجرة لقراءتها على متن الطائرة.

همست له: «هل يمكنك أن تتذكّر إعطائي الوثيقة؟». أجاب: «أنجيلا، الوثيقة معك أصلاً في دار الاستشارية». خطط الاثنان للتكلم عبر الهاتف في عطلة نهاية الأسبوع وتحادثا أخيراً في الساعة الواحدة ظهراً.

زيهوفر رئيس «الاتحاد الاجتماعي المسيحي»، الحزب البافاري الشقيق «للاتحاد الديمقراطي المسيحي» الذي ترأسه ميركل، ويحمل الحزبان تاريخاً طويلاً من المشاحنات حول سياسة الهجرة. كاد الخلاف يؤدي إلى شجار علني قبل الانتخابات البرلمانية الألمانية في السنة الماضية. لذا شعر زيهوفر بالريبة فوراً حين بدأت ميركل تشيد بالخطة. كان يعرف أن بعض النقاط في خطّته سيثير استياء المستشارة حتماً... إنشاء مناطق حماية للاجئين في بلدان العبور حيث تُدرَس طلبات اللجوء؟ تقليص المنافع للاجئين؟ تشديد قانون الترحيل؟

قالت ميركل إنها تستطيع تقبّل 62 نقطة من أصل 63 في الوثيقة. لكنّ المسألة الوحيدة التي ترفضها تتعلق باقتراح يدعو إلى صدّ اللاجئين على الحدود الألمانية. أرادت التوصل إلى حل أوروبي، فقالت له: «قدّم خطتك لكن احذف هذه النقطة منها».

اعتبر زيهوفر هذه الخطوة مستحيلة مضيفاً أنه لا يتوقع حل مشكلة اللاجئين على المستوى الأوروبي. قال أيضاً إنه كان ينتظر التوصل إلى حل مماثل منذ سنوات لكن حان الوقت الآن لإعطاء مؤشر على تغيّر الوضع. زاد التشنج في المحادثة لدرجة أن زيهوفر هدَّد بتقديم وثيقته إزاء قيادة «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» من دون موافقة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» الشقيق.

أدركت ميركل على الأرجح في تلك اللحظة، أو ربما قبل ذلك، مدى استعداد زيهوفر و«الاتحاد الاجتماعي المسيحي» للضغط في هذا الملف.

مع اقتراب موعد الانتخابات في «بافاريا» الألمانية، يسعى خصم أنجيلا ميركل، هورست زيهوفر، إلى الضغط على المستشارة الألمانية كي تُغيّر موقفها من ملف الهجرة. ربما يؤدي هذا الخلاف إلى تفكك الائتلاف الحاكم في برلين ويُكلّف ميركل منصبها.

التفاصيل تابعتها صحيفة «شبيغل».

إذا كانت أيام أنجيلا ميركل في منصبها أصبحت معدودة، فمن يُعتبَر مخولاً لأخذ مكانها؟ يتم تداول اسم الأمينة العامة «للاتحاد الديمقراطي المسيحي»، أنغريت كرامب كارنباور، التي كانت سابقاً حاكمة ولاية «سارلاند» الصغيرة، أو وزير الصحة الشاب ينس سبان الذي راح يتباهى حديثاً بصداقته مع السفير الأميركي الجديد في برلين، أو وزيرة الدفاع أورسولا فون دير ليين التي يظهر اسمها في معظم الأوقات في عناوين صحافية سلبية حول الجيش الألماني.

وكأنّ الجرح القديم أُعيد فتحه! خلال الحملة الانتخابية الاتحادية في السنة الماضية، خاض «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» و«الاتحاد الاجتماعي المسيحي» معركة مريرة لتحديد مدى صوابية وضع سقف لعدد اللاجئين المسموح بدخولهم إلى البلد. دام الخلاف حتى يوم الانتخابات وصبّ هذا الوضع في مصلحة حزب «البديل من أجل ألمانيا» الشعبوي اليميني الذي نجح بدخول البوندستاغ بعدما حصد 6.21% من الأصوات، بينما سجّل المحافظون أسوأ نتيجة لهم منذ عام 1949. هكذا استنتج «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» أن تأخير الخلافات غير منطقي ويجب أن يفرض البافاريون إرادتهم في وجه حزبهم الشقيق إذا اقتضى الأمر.

أصل المشكلة

لهذا السبب، يريد البافاريون الآن أن يجبروا ميركل على صدّ اللاجئين على الحدود. لكن يحمل الخلاف بُعداً أعمق من ذلك. يظن كثيرون في الحزبَين أن ميركل قادت المحافظين في اتجاه خاطئ حين اتخذت موقفاً وسطياً ومهّدت سياستها لزيادة نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا». يقول السياسي النافذ في «الاتحاد الاجتماعي المسيحي»، ألكسندر دوبريندت، إن المحافظين يجب أن يعودوا أخيراً إلى المعسكر اليميني من الطيف الديمقراطي. يوافقه كثيرون الرأي، من بينهم الحاكم البافاري السابق إدموند شتويبر الذي لا يفوّت فرصة لمهاجمة ميركل، أو ينس سبان الذي عارضها صراحةً خلال اجتماع قادة «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» أخيراً، أو ماركوس سودر، حاكم «بافاريا» المنتمي إلى «الاتحاد الاجتماعي المسيحي». يبدو أن هؤلاء السياسيين الثلاثة يريدون سقوط ميركل.

عند مراجعة ظروف نشوء الأزمة الراهنة، يتّضح لنا أن السبب الأساسي يتعلق بضعف المواقف، تحديداً المنافسة بين زيهوفر، نتيجة خوف حزبه من «البديل من أجل ألمانيا»، وميركل التي فشلت سياستها في ملف اللاجئين في أوروبا.

في اللوكسمبورغ

يشمل جدول اللقاءات مع وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي مشروعاً ضخماً لا يزال قيد النقاش منذ ثلاث سنوات من دون التوصل إلى حل نهائي: إنه اقتراح ميركل بإصلاح نظام اللجوء في الاتحاد الأوروبي عبر استقبال اللاجئين على الحدود الخارجية ودراسة طلباتهم هناك قبل إرسالهم إلى دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي استناداً إلى نظام الحصص. سيكون ذلك الاجتماع آخر فرصة لتحقيق إنجاز معيّن في هذه القضية قبل انعقاد قمة الاتحاد الأوروبي التي تنوي استلام الملف في نهاية شهر يونيو الجاري. طرحت بلغاريا التي تتولى راهناً الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي تسوية من تحضيرها لكن من الواضح أن احتمال قبولها معدوم.

كان الاجتماع محكوماً بالفشل منذ البداية، فقرر لاعبون أساسيون التغيّب عنه.

كذلك، رفضت بلدان حلّ ميركل المبني على نظام الحصص منذ فترة طويلة لأنها لا تريد استقبال أي عدد من اللاجئين. كتب السياسي البلجيكي ثيو فرانكين المنتمي إلى حزب «التحالف الفلمنكي الجديد» اليميني التغريدة التالية: «إصلاح دبلن انتهى. لا إجماع عليه».

حتى ميركل أدركت الآن أن سياسة اللاجئين التي طرحتها فشلت في أوروبا. قالت بعد يوم على اجتماع البرلمانيين الأوروبيين المحافظين في «ميونيخ»: «لا أظن أن توزيع الحصص بغالبية الأصوات أدى إلى نشوء تسوية ناجحة، بل يجب أن يطوّر الاتحاد الأوروبي نظاماً مبنياً على التضامن المرن».

لكن من المعروف أن مصطلح «التضامن المرن» يُستعمَل دوماً من رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان، عدو ميركل اللدود في أزمة اللاجئين. بالنسبة إلى هنغاريا، يعني «التضامن المرن» أن تتمكن دول الاتحاد الأوروبي من اتخاذ قرارها بشأن استقبال المزيد من طالبي اللجوء أو إرسال عدد إضافي من عناصر الشرطة إلى وكالة حماية الحدود الأوروبية «فرونتكس» أو حتى بناء سياج كما قرر أوربان.

تكلم زيهوفر وميركل مجدداً عبر الهاتف لكنهما لم يقتربا من التوصل إلى اتفاق. في فترة بعد الظهر من ذلك اليوم، كتبت صحيفة «بيلد» عن إلغاء طرح الخطة الشاملة الذي كان مقرراً في اليوم التالي بسبب الخلافات المستمرة بشأنها. خلال اجتماع البرلمانيين المحافظين في تلك الأمسية، أدرك الزعيم المحافظ فولكر كودير والأمينة العامة لحزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، أنغريت كرامب كارنباور، أن عدداً كبيراً من كبار القادة في «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» يؤيد طرح «الاتحاد الاجتماعي المسيحي». حتى أن المُشرّع كريستيان فون ستيتن طلب إجراء تصويت بين البرلمانيين المحافظين. خلال اجتماعات المشرّعين من ولايات بافاريا وشمال الراين وستفاليا، أبدت غالبية واضحة من المشاركين دعمها لزيهوفر أيضاً. مع تقدّم الاجتماع، اتّضح بشكلٍ متزايد أن أحداً لا يدافع عن المستشارة الألمانية، ولا حتى حلفاؤها من أمثال وزير الاقتصاد بيتر ألتماير والأمينة العامة لحزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» كرامب كارنباور.

ثم تكلم زيهوفر أخيراً في نهاية النقاش لمنع تصاعد الجدل وخروجه عن السيطرة. فذكر مجدداً خطته الشاملة ثم التفت إلى ألويس راينر وقال له: «عزيزي ألويس، تعرف رأيي جيداً، لكن يجب أن أنهي هذا النقاش الآن».

ثم تكلمت ميركل. صُدِم مؤيدوها من معالم المرارة التي بدت عليها. أوضحت المستشارة أنها لا تريد تطبيق حل ألماني أحادي الجانب بل تفضّل التوصل إلى حل أوروبي. سرعان ما عبّرت عن إحباطها صراحةً، فقالت إنها تفاوضت بشأن الاتفاق التركي ودعمت «عملية صوفيا» ضد تجّار البشر في منطقة البحر المتوسط ونجحت في تخفيض أعداد اللاجئين بدرجة ملحوظة، لكنها لم تتلقَ مقابل هذه النتائج كلمة شكر واحدة.

مشاكل إضافية

استضافت ميركل زيهوفر في مكتبها، إلى جانب الحاكم البافاري سودر وحاكم «هيسه» المنتمي إلى «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، فولكر بوفييه، علماً بأن هذين الرجلين سيخوضان الانتخابات في شهر أكتوبر. كان ذلك الاجتماع بمنزلة محاولة لإخماد الخلاف القائم. عرضت ميركل على الأول تسوية تقضي بالسماح برفض طالبي اللجوء على الحدود إذا كانت السلطات الألمانية رفضت طلباتهم سابقاً. لكنه اعتبر ذلك العرض مزحة. كيف يمكن اعتبار رفض طالبي اللجوء المرفوضين أصلاً خطة ناجحة خلال الحملة الانتخابية؟ قال سودر: «إذا لم نفهم أخيراً أن العد العكسي بدأ بالنسبة إلى الديمقراطية في ألمانيا، سيزيد الوضع تعقيداً».

دعا بوفييه «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» إلى منع تصاعد الخلاف قائلاً: «يجب أن نتماسك. الوضع على الحدود ليس مأساوياً جداً في الوقت الراهن». لكن أجابه سودر: «فولكر، كم كيلومتر من الحدود تشمل ولايتك؟».

اقترح زيهوفر من جهته تطبيق سياسة رفض طالبي اللجوء في حال عدم التوصل إلى أي حل خلال قمة الاتحاد الأوروبي حول ملف الهجرة في نهاية يونيو الجاري. لكن اعترضت ميركل معتبرةً أنها لن تسمح بالحد من قدراتها التفاوضية لهذه الدرجة.

اعتبرت ميركل اجتماع المشرّعين من «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» والجو السائد فيه متشنجاً بقدر ما كان عليه قبل يومين. لكن كانت المستشارة أكثر استعداداً لما ينتظرها هذه المرة. خلال مؤتمر صباحي عبر الهاتف، ضمنت تأييد قادة الحزب والتوصل إلى اتفاق واسع النطاق. اتخذ قائدان فقط مواقف معادية لها: سبان وحاكم «ساكسون» مايكل كريتشمر الذي اعتبر مزاج الشارع قاتماً فعلاً. بحسب رأيه، سيتضرر جميع الأفرقاء عند اعتراض مسار زيهوفر.

خلال الاجتماع، استلمت ميركل الكلام بعد ملاحظات كودير الأولية مباشرةً، فقالت: «الوضع خطير. يعرف الجميع ذلك». ثم حددت موقفها بكل وضوح وأكدت عدم اتخاذ خطوات فردية من ألمانيا. تأمل المستشارة أن يجري العمل على إيجاد حل خلال قمة الاتحاد الأوروبي بعد أسبوعين.

نجحت ميركل في كسب تأييد معظم المشرّعين بفضل الحجّة القائلة إن «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» لا يرغب أصلاً في منحها مهلة أسبوعين. لكن خلال الليلة السابقة، كان زيهوفر اقترح تأخير تطبيق سياسة رفض اللاجئين إلى ما بعد القمة. لذا شعر بالسخط حين سمع تعليقات ميركل.

بعد ذلك، تكلم معظم المشرّعين المنتمين إلى «الاتحاد الاجتماعي المسيحي»، واحداً تلو الآخر، دعماً لزيهوفر واكتفى عدد صغير منهم بتحذيره من عواقب التعارك مع «الاتحاد الديمقراطي المسيحي». يقول فولكر أولريش، خبير قانوني من «أوغسبورغ»: «تتعلق هذه المسألة بعقد مصالحة طويلة الأمد بين «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» و«الاتحاد الديمقراطي المسيحي». ستتضرر صورتنا حين نتشاجر في ما بيننا».

رفض زيهوفر الاقتراح الذي يدعو قادة «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» إلى تمرير الخطة الشاملة خلال الجلسة الخاصة يوم الجمعة، على اعتبار أنه يريد أن يضمن حضور جميع قادة الحزب. لكنه كان يلعب فعلياً على عامل الوقت. على عكس سودر، لا يهتم زيهوفر بسقوط ميركل.

هكذا استعاد زيهوفر توازنه. خلال مؤتمر صحافي في «ميونيخ»، قال إنه سيمنح ميركل أسبوعين لإيجاد حل أوروبي وأضاف أنه يتفق مع المستشارة على «62 نقطة ونصف نقطة» من أصل 63 في خطته الشاملة.

أكد زيهوفر دعمه جهود المستشارة لعقد اتفاقيات مع الشركاء في الاتحاد الأوروبي، لكنه شدد على عجز الحكومة الألمانية حتى الآن عن السيطرة على مسألة الهجرة، موضحاً أنه لا بد من تكثيف العمل في هذا المجال.

في مؤتمر صحافي منفصل في برلين، قالت ميركل إن الحزبين يتقاسمان أهدافاً مشتركة مثل تخفيف توافد المهاجرين وتحسين طريقة تنظيم الهجرة نحو ألمانيا وأكدت أنهما اتفقا على التعاون معاً. لكن ما لم يتم التوصّل إلى اتفاق أوروبي خلال أسبوعين، من المتوقع أن يحتدم الخلاف مجدداً.

تكمن المفارقة الكبرى في واقع أن ميركل وزيهوفر اللذين خاضا معارك كثيرة على السلطة طوال سنوات أصبحا الآن على شفير الدمار المتبادل. إذا لم تسقط المستشارة بسبب هذه القضية، سيخسر زيهوفر منصبه الوزاري ويضطر «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» حينها إلى التساؤل عن احتمال تحسّن وضعه عبر إطلاق بداية جديدة من دونه.

لم ينجح زيهوفر في التمسك بقيادة «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» إلا عبر الانتقال إلى برلين بعد خسارة صراع القوة في «بافاريا» إزاء ماركوس سودر الذي خلفه في منصب الحاكم. تبدو الأوساط الداخلية في الحزب متأكدة من أن سودر يفضل عدم تقاسم السلطة مع أحد. إنه سبب آخر لتفسير ما يدفعه إلى تشجيع المواجهة مع ميركل. قال: «لا يمكن أن نتابع تطبيق التدابير الجزئية في ملف الهجرة».

يبدو «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» مهووساً بخوفه من حزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي يكسب نفوذه بشكلٍ شبه حصري من السخط الموجّه ضد ميركل. ظهرت الأخيرة في مناسبات متعددة في «بافاريا» خلال الحملة الانتخابية الاتحادية في السنة الماضية، لكن كانت إطلالتها الأخيرة مع زيهوفر في ساحة «ميونيخ» المركزية كارثية، إذ تعرّض كلاهما لصيحات الاستهجان من الحشود الغاضبة. استخلص «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» استنتاجاته الخاصة بعد ما حصل ومن المقرر ألا تقوم ميركل بأية إطلالة علنية خلال الحملة الانتخابية الراهنة في «بافاريا».

يُعتبر سودر ودوبريندت وسبان وكريستيان ليندنر، زعيم «الحزب الديمقراطي الحر» المؤيد لتحسين الاقتصاد، جزءاً من جيل السياسيين الذين بدؤوا يخططون لمرحلة ما بعد ميركل. يبدو جميعهم مقتنعاً بضرورة الفصل بوضوح بين المعسكرات السياسية، كما أنهم متأكدون من أن مسيرتهم السياسية لا يمكن أن تبدأ فعلياً إلا بعد تنحي ميركل من منصب المستشارة.

يقوم ليندنر من جهته بكل ما يلزم لتصعيد الخلاف بين الحزبين المحافظَين. طرحت الكتلة البرلمانية المنتمية إلى «الحزب الديمقراطي الحر» اقتراحاً بإجراء تصويت في البرلمان لمعرفة الجهات التي تدعم خطة اللجوء الخاصة بزيهوفر. كانت هذه الخطوة تهدف بكل وضوح إلى كشف داعمي ميركل ومعارضيها في معسكر المحافظين.

اليوم، يبرز تساؤل مُلِحّ أكثر من أي وقت مضى حول صوابية قرار ميركل في خريف عام 2016، حين قررت أن تترشح مجدداً لمنصب المستشارة. كان ترامب حينها انتُخب للتو رئيساً للولايات المتحدة وكانت أوروبا تشهد انقساماً عميقاً. مع ذلك، قررت ميركل الترشّح مجدداً لأنها شعرت بأن التنحي خلال أزمة مماثلة سيكون عملاً غير مسؤول.

في 21 مارس، حين طرحت ميركل أول بيان حكومي لها بعد أداء القسم، غداة أشهر من المفاوضات الشاقة لتأليف حكومة ائتلافية، قالت المستشارة إنها تريد تجاوز الانقسامات السائدة في ألمانيا. خلال الحملة الانتخابية، لاحظت ميركل حجم الكره الموجّه ضدها. كان يصعب سماعها أحياناً خلال إلقائها الخطابات الانتخابية لأن أصوات الصفير والصراخ الصادرة عن منتقديها كانت صاخبة. استغل حزب «البديل من أجل ألمانيا» ذلك الغضب وحصد 92 مقعداً في البرلمان.

قالت ميركل في خطابها الذي كتبت معظم أجزائه بنفسها: «في نهاية هذه الفترة التشريعية، أودّ تحقيق النتائج التالية: تعزيز الطابع الإنساني في مجتمعنا، وتقليص الانقسامات والخلافات القائمة أو حتى تجاوزها، وتجديد التماسك بين مختلف الأفرقاء». لكن في ظل الأوضاع الراهنة، لا مفر من التساؤل: هل تستطيع ميركل تحقيق هذه النتائج كلها؟

في النهاية، يبدو أن ميركل شخصياً أصبحت مصدر ذلك الانقسام الذي تسعى إلى تجاوزه.