صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3901

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

خيبة يوسف

  • 16-06-2018

« في عهد فخامة رئيس الجمهوريّة اللبنانّية الأستاذ إلياس الهراوي وبرعاية دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ رفيق الحريري، تمّ ترميم قصر الأونيسكو وتأهيله بقرض ميسّر من الصندوق السعودي للتنمية».

... وفي جهة أخرى من المدخل الرئيسيّ للقصر هذه العبارة: ممنوع التدخين. التدخين في هذا المكان مخالف للقانون، يعرّضك للغرامة الماليّة.

... ومع هذا، كانت القاعة الداخليّة في القصر تعبق بدخان السجائر من كلّ حدب وصوب.

إنها الذكرى السنويّة لاستشهاده، وها هي قيادة حزبه تنظّم له مهرجاناً تكريمياً في قاعة قصر الأونيسكو في بيروت.

« يا ريت موسّعين هالقاعات أكثر شوي...» همس بهذه العبارة أحد المنظمين في أذن رفيق له. وهو كان على صواب في إبداء هذه الملاحظة. فقاعات القصر الداخليّة، حتى دهاليزه وسلالمه، كانت تعجّ بالحضور، بينما ساحاته الخارجيّة كانت عبارة عن مرآب ضخم للسيّارات.

فبالإضافة إلى الرسمييّن من نوّاب ورؤساء كتل نيابيّة ووزراء قدماء وجدد، كان القصر يموج بالشبّان والفتيات الذين قد تزيّنوا، في أغلبيّتهم، بتيشيرتات بيضاء عليها صورة الزعيم باللون الأحمر أو الأسود.

لم يكن وجه الزعيم على التيشيرتات محدّد المعالم والقسمات. فالصورة مشغولة على الفوتوشوب، لكنّها تشير إلى أنّ مصمّمها ذو ذوق فنّيّ رفيع، لأنّها ـ والحقّ يقال ـ تنمّ عن بعد أسطوريّ، أو لست أدري عمّ تنمّ؟ لكنّها صورة فنّيّة بالإجمال تشبه الصور التي نراها على ملصقات الأفلام الأسطوريّة.

عاد ذلك الذي همس في أذن رفيقه منذ قليل إلى الهمس من جديد، منتقداً هذه المرّة الساحات الخارجية للقصر، والتي تتّسع لكل هذه الحافلات والسيّارات. ووافقه رفيقه بهزّة أتى بها من رأسه، وهو متّكئ على الحديدة التي يرفع عليها علم الحزب، وقد ارتسمت على وجهه علامات التعب والإرهاق... يبدو أنّ مشواره بعيد.

2

أديش فيك اتّضاين تحت الميّ؟

لم أستطع مرّة واحدة مجاراته في البقاء تحت الماء كلّ هذا الوقت. أصلاً، لم يستطع واحد من الأولاد مجاراة يوسف في السباحة وفي الغطس.

«لو ما الحلال والحرام كنت بقول هالصبي كان بالجيل الماضي سمكة!!» كانت تقول أمّه بلكنتها القرويّة الساذجة. فهي من أولئك النساء اللواتي حتى لو عشن مئةً وخمسين عاماً خارج قريتها، تظلّ هذه القرية تسكنها كأنّها ما زالت هناك. من ينظر إليها ولو نظرةً خاطفة، يظنّ أنّها قد نطّت للتوّ من كتب سلام الراسي أو أنيس فريحة أو واحد يشبههما.

لا أذكر متى تعرّفت إليه وكيف... لا صدفة ولا من يحزنون. كان واحدنا كالبداهة بالنسبة إلى الآخر. أفكّر أحياناً في أنّي وجدت هكذا بغتة في البركة التي تقع إلى جانب بيت يوسف، أبرعط في الماء، أنا وهو وكلّ الآخرين. لا زمن في وعيي يسبق هذه البركة الصغيرة، كأنّي بدأت من هناك.

«لا سمكة ولا سلطعون... إنّي مخلّفٌ عفريتاً» قال والده رداً على زوجته وهو يقوم بفحص الزيت في سيّارته العموميّة المركونة إلى جانب بركة الماء. إنها مرسيدس 200 طاساتها جديدة و. . . على كلّ حال، سوف آتي على ذكرها كثيراً جداً فيما بعد.

لست أدري متى ترك والد يوسف مسقط رأسه واستقرّ في خلدة في بيت قرب البحر. عندما أتى من حاصبيا واستأجر هذا البيت. لم يكن في الواقع بيتاً بالمعنى المتعارف عليه للبيوت، كان –فلنقل- أقلّ من بيت وأقل من حطام . كان، باختصار، في حاجة إلى ترميم كثير، فرمّمه والد يوسف في غضون أيّام، ثم جلب عائلته إليه. وهو الآن في غاية الفخر والحبور لأنّه وفّر ما يكفي من المال أيضاً لشراء هذه المرسيدس العمومية ذات الباكاج الذي يحمل «قد ما بدّك غراض».

أذكر جيدّاً البدن الذي أكله يوسف يوم سرق مفاتيح المرسيدس وقادها عدّة أمتار. لم ترحمه يومذاك لا شفاعة أمّه ولا تدخل الجار القديم الذي يدعى أبا محمود، والذي تخانق في أحد الأيّام خناقةً شديدة مع والد يوسف وترك خلدة ولم يعد. لذا، لن تريه ثانية في هذا الكتاب.

«حاجي تخبّط فيه... راح يبلع لسانو»، صاحت أمّه أخيراً وهي تفلش ورق الملوخيّة أمام الدار.

«بدي فخّتلو دواليبا»، قال لي وهو يزاحم بقدميه ماء البركة التي كان جالساً على إحدى حوافّها يتأمّل التموّجات التي تحدثها قدماه ببطء.

3

حتى لو بلغت المئة من العمر فلن أنسى خلدة.

نظر إلى ساعة الحائط وغمزني، ثم ورب رأسه ناحية الباب.

« يلّلا ... عجّل، بكونو إجو»، قال لي وهو يهمّ بالقفز على الدرج، وأنا خلفه غير دارٍ بشيء.

سألته: «لوين؟» فلم يرد على سؤالي، وكان يركض كأنّه قطّ. هي لحظات وصرنا أمام أوتيل الميرا دور المطلّ مباشرة على البحر.

أوتيل الميرادور كبير جداً، لكنّه مهجور. كان في فترة من فترات الحرب اللبنانية مكان إقامة للمهجّرين الفلسطينيّين . أمّا الآن، فهو في بعض طبقاته مسكن مهلهل جدّاً لبعض السوريين العاطلين عن العمل. أمّا في الطبقات السفلى، فتنتشر روائح البول وروائح جيف الفئران والجرذان . بناه واحد من أهل الخليج، ربّما كان من قطر أو السعوديّة، فالأمر سيّان، يبيع النفط والغاز والمازوت لليابان وأوروبا، ولكن لم يدشّنه المسكين. أندلعت الحرب في لبنان لحظة الانتهاء من تجهيزه، ولم يستلحق موظّف الاستقبال الذي يعطي النزلاء مفاتيح الغرف، استقبال حتى زائر واحد، لأنّ الميرادور عجّ، لحظة افتتاحه، بمئات المهجّرين، ومن كلّ حدب وصوب. هو فندق ضخم جداً، ويتسع لآلاف المهجّرين، وقطن فيه مهجّرون فلسطينيون وسوريّون ومن عرب المسلخ. وكان، في مرحلة من المراحل، ملجأ للدروز من أبناء الشويفات وبشامون وعرمون والجوار. ولست أدري ماذا حدث في الضاحية يوماً، فاستوعب مئات العائلات من شيعة البقاع والجنوب، من الذين يعيشون في الضاحية الجنوبيّة لمدينة بيروت.

كان يوسف يتقافز على الدرج في اتّجاه الطوابق العليا، ويخبرني بأنّ الساعة الآن هي السادسة عصراً، “بعد ساعة بتعتّم، شوي... وبيجو”.

قطعنا ستّة طوابق أو سبعة حتى وصلنا إلى طابق «أحسن من غيرو شوي» ، خالٍ إلا من فراشٍ سميك زهريّ اللون، مرميّ بإهمال على الأرض.

«آه... بعد ما إجو»، قال، وقد جعلني أنزوي معه في غرفة صغيرة تشرف على الفراش بشكل مباشر. صرت أتأفّف وأنقّ عليه كي نرحل. «اسماع شوي.. هلأ بتشوف شو مننبسط!!» قال لي قبل أن يصمت فجأة على وقع صوت أقدام يتناهى إلينا عبر الدرج، وصوت شابٌ وهو يضحك: بإيش أتحجّجت لأمّك اليوم؟!

«هسّ.. شكلن إجو»، أردف هامساً، وقد نمّت عن وجهه ابتسامةٌ عريضة.