صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3984

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

أساليب جديدة للتحكّم في داء الشقيقة

  • 17-02-2018

إذا سبق أن عانيت داء الشقيقة (الصداع النصفي)، فلا شك في أنك تدرك أنه مختلف تماماً عن الصداع العادي. لا يسبب هذا الداء الصداع الأليم في أحد جانبي الرأس فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى تبدلات في البصر، وحساسية تجاه الضوء، والغثيان.

لمحاربة الصداع الناتج عن «الشقيقة» تلجأ إلى الانزواء في غرفة هادئة مظلمة وتبقى فيها ريثما يزول الألم. ولكن التخلّص منه تماماً يستغرق الوقت لأنه يدوم ساعات أو أياماً.

تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الصداع النصفي يُصنّف بين أول عشر حالات معوِّقة. تؤدي النوبات إلى التغيّب عن العمل أياماً عدة، وتراجع الإنتاجية، وارتفاع كلفة الرعاية الطبية. علاوة على ذلك، يعوقك داء الشقيقة عن الاستمتاع بالنشاطات المرحة وتمضية الوقت مع العائلة.

ولكن مقارنةً مع السنوات الماضية، تتوافر اليوم خيارات كثيرة لمعالجة نوبات الصداع هذه.

هل تُعتبر النوبات مشكلة؟

الدكتورة إليزابيث لودر، بروفسورة متخصصة في علم الأعصاب في كلية الطب في جامعة هارفارد ورئيسة قسم الصداع والألم في دائرة علم الأعصاب في مستشفىBrigham and Women’s، تقول في هذا الشأن: «لا تطلب نساء كثيرات يعانين نوبات صداع نصفي عادية العلاج. يشعرن على الأرجح بأن هذه مشكلة عليهن التكيّف معها وأنها لا تحتاج إلى علاج لأنهن لا يعانينها كل يوم. تقول لي إحداهن: «آسفة! أدرك أن آخرين يعانون صداعاً أسوأ بكثير».

ولكن إن أثرت نوبات الصداع في حياتك سلباً ودفعتك إلى التغيّب عن العمل والنشاطات الممتعة، فلا بد من علاجها. تؤكد الدكتورة لودر: «يمكننا تقديم علاجات تمنح المريض قليلاً من المساعدة».

هل تعاني حقاً داء الشقيقة؟

تقوم الخطوة الأولى في علاج صداع داء الشقيقة على تشخيصه.

يستند الطبيب إلى معايير تشخيص معتمدة عموماً بهدف التمييز بين الصداع النصفي وبين أنواع الصداع الأخرى. كي تُعتبر مريض داء الشقيقة، يجب أن يدوم الصداع بين أربع و72 ساعة ويتركز عموماً في أحد جانبي الرأس. يكون نابضاً ومتواصلاً مع ألم معتدل إلى حاد يزداد سوءاً مع النشاط الجسدي. «كذلك يلزم أن يعاني المريض خمس نوبات على الأقل كي يستوفي معظم هذه المعايير أو كلها ويُعتبر مريض داء الشقيقة».

إذا ظن الطبيب أنك تعاني الصداع النصفي، يختلف العلاج باختلاف وتيرة الأعراض.

في بعض الحالات، تؤدي التبدلات في الهرمونات إلى الصداع. فيلاحظ بعض النساء، مثلاً، أنماط صداع تتزامن مع التقلبات الهرمونية الشهرية أو التبدلات الهرمونية التي ترافق سن اليأس.

تضيف الدكتورة لودر: «تشهد علاجات داء الشقيقة تقدماً، مع أنه قد لا يكون بالسرعة التي نرجوها». رغم ذلك، تتوافر خيارات عدة. يمكننا إدراج العلاجات في فئتين: علاجات تركّز على الصداع الذي يصيبك، وأخرى تحاول منع حدوث نوبات الصداع النصفي.

صداع نصفي مع هالة يثير مخاوف مختلفة!

يرى نحو 15% إلى 30% من مرضى داء الشقيقة هالة قبل بدء نوبة الصداع. الهالة حدث عصبي يكون عادةً خللاً بصرياً مثل ضوء وامض أو نابض، أو تشوش في الرؤية، أو حتى خسارة البصر جزئياً. ربطت البحوث هذا النوع من الصداع النصفي بخلل محدد في القلب يُدعى عيب الحاجز الأذيني، وهو ثقب في النسيج الفاصل بين الغرفتين العلويتين من القلب. يُعتبر هذا الثقب طبيعياً في الجنين النامي، إلا أنه يُقفل تلقائياً عند الولادة. ولكن في بعض الحالات، يبقى هذا الثقب مفتوحاً. يعاني نحو 40% إلى 60% ممن يُصابون بصداع نصفي مع هالة عيب الحاجز الأذيني، وفق الجمعية الأميركية للصداع. لكننا لا نعلم ما إذا كان هذا العيب يسبب الصداع النصفي أو أن مَن يعانون هذا النوع من الصداع يكونون لسبب ما أكثر عرضة للحالتين.

إذا كنت مصاباً بهذا العيب، فلا داعي لأن تصلحه على الأرجح لأن التجارب السريرية أظهرت أن الجراحة لا تعود بأية فائدة على داء الشقيقة، وفق الدكتورة إليزابيث لودر، بروفسورة متخصصة في علم الأعصاب في كلية الطب في جامعة هارفارد. ولكن على النساء اللواتي يعانين هذا النوع من الصداع اتخاذ تدبير احتياطي مهم وفق الدكتورة لودر. اكتشف الباحثون أن مَن يعانون داء الشقيقة مع هالة يكونون أكثر عرضة بقليل للسكتة الدماغية. لهذا السبب، يجب أن تحذر النساء اللواتي يعانين هذه الحالة من تناول حبوب منع الحمل التي تحتوي على الإستروجين أو العلاج بالإستروجين بعد سن اليأس، بما أن هذين العلاجين يزيدان خطر السكتة الدماغية، وفق لودر.

كيف تخفِّف من الألم؟

إذا كنت تعاني الصداع النصفي من حين إلى آخر، تشكّل الأدوية التي لا تتطلب وصفة طبية، كالأسبرين (مع أو من دون كافيين)، وسيلة جيدة للتخفيف من الألم. ولكن حذار النوبات المرتدة التي تنجم عن الإكثار من الأدوية المسكنة للألم.

ولكن إن كانت نوباتك أكثر تقارباً وحدة، فمن الأفضل أن تناقش مع طبيبك المقاربة الوقائية التي يجب اتباعها، فضلاً عن أدوية معالجة النوبات التي تتطلب وصفة طبية.

توصف أدوية «التريبتانات» عادةً لمعالجة النوبات الفردية.

تتوافر التريبتانات على شكل حبوب، أو رذاذ أنفي، أو حقن، وتعمل بتحفيز الدماغ على إنتاج السيروتونين، وهو ناقل عصبي (مادة كيماوية مرسلة) ينشط في الدماغ. يسهم السيروتونين في الحد من الالتهاب ويؤدي إلى تقلص الأوعية الدموية في الدماغ، وفق المؤسسة الوطنية للصداع، ما يخفف من الألم. يحصل معظم المرضى على الراحة من الألم في غضون ساعتين عقب تناول الدواء، إلا أن البعض يحتاج إلى جرعة إضافية.

تشير الدكتورة لودر: «كانت أدوية التريبتانات مكلفة جداً سابقاً، إلا أن توافرها بنسخ عامة خفض أسعارها. وتحقق هذه الأدوية نجاحاً كبيراً في 70% إلى 80% من الحالات».

لكن البعض يعجز عن تناول هذه الأدوية بسبب تأثيراتها الجانبية أو لأنه يعاني حالات صحية معينة، كداء القلب.

لا تعوق التريبتانات تدفق الدم إلى الرأس فحسب، بل إلى القلب أيضاً، ما يحوّلها إلى مصدر خطر في حالة مَن يعانون مرض الشريان التاجي أو عوامل خطر تجعلهم أكثر عرضة لهذه الحالة.

هل تسهم التغييرات في نمط الحياة في تفادي الصداع النصفي؟

تسهم التغييرات في نمط الحياة في الحد من نوبات الصداع في بعض الحالات. أولاً، «يستطيع المريض أن يحدد ما يجعله أكثر عرضة لنوبة صداع»، وفق الدكتورة إليزابيث لودر، بروفسورة متخصصة في علم الأعصاب في كلية الطب في جامعة هارفارد.

في حالة البعض، تعود نوبات الصداع إلى الانقطاع عن الكافيين. ومع أن الأطباء يعتقدون أن المسببات الغذائية تؤدي دوراً كبيراً في نوبات الصداع النصفي، فإن لا بيانات جيدة تدعم وجهة النظر هذه.

فضلاً عن تحديد مسببات الصداع المحتملة، قد ينجح المريض في الحد من احتمال تعرضه لنوبة بتناول وجبات منتظمة واتباع عادات صحية جيدة، كالحصول على قسط وافٍ من النوم وضبط الإجهاد.

ولكن لا تنسَ أنك لن تتمكن من تفادي بعض نوبات الصداع النصفي، مهما كان نمط حياتك صارماً.

درهم وقاية

تشمل أنواع علاج داء الشقيقة الأخرى أدوية مصممة لتفادي نوبات الصداع تشمل حبوباً وحقناً، فضلاً عن القيام بتغييرات سلوكية.

تُخصص هذه العلاجات عادةً لمن يختبرون نوبات صداع مزمنة ومتكررة.

كذلك أُضيفت إلى ترسانة الأطباء في السنوات الأخيرة خيارات جديدة نسبياً تسهم في تفادي نوبات الصداع، وتشمل:

حقن البوتوكس: يُدعى أحد العلاجات التي حظيت بالموافقة لمرضى الصداع النصفي المزمن عام 2010 onabotulinum toxinA، علماً بأن هذه المادة تُعرف باسم الماركة «بوتوكس» وباستخدامها في التخلص من التجاعيد. يُعتقد أن حقن هذا الدواء في فروة الرأس والعنق يعوق انتقال الألم، وتبين أنه فاعل في منع نوبات الصداع في حالة البعض. ولكن كي تنجح هذه المقاربة، عليك الخضوع لعلاجات عدة خلال فترة من الوقت. تدوم جلسة العلاج بين 10 و12 أسبوعاً، وفق المؤسسة الوطنية للصداع.

أدوية فموية: من المتوقع في عام 2018 إطلاق فئة جديدة من الأدوية تُدعى الأجسام المضادة لمستقبل الببتيد المرتبط بجين الكالسيتونين (anti-CGRP antibodies). تعوق هذه الأدوية تأثير الببتيد المرتبط بجين الكالسيتونين، وهي مادة كيماوية ينتجها الجسم طبيعياً تسبب، من بين تأثيرات عدة، تمدد الأوعية الدموية. سبق أن استعمل الأطباء أدوية مشابهة تقوم على أجسام مضادة في علاج الاضطرابات الروماتيزمية أو العصبية، كالتصلب المتعدد. واتضح أن هذه الأجسام المضادة الجديدة تسهم إلى حد ما في الوقاية من الصداع النصفي، وفق الدكتورة لودر. تضيف: «تبين في التجارب السريرية أنها أكثر فاعلية من العلاج الوهمي». صحيح أنها لا تبدو أكثر فاعلية من الأدوية الراهنة، إلا أنها قد تمنح المرضى الذين لم يتجاوبوا بفاعلية مع هذه الأدوية خياراً إضافياً، فضلاً عن أن تأثيراتها الجانبية أقل مقارنةً بالعلاجات الأخرى. لكن العلماء لم يتمكنوا بعد من تحديد مدى سلامتها على الأمد الطويل. تذكر الدكتورة لودر: «من المثير للاهتمام أن نكتشف ما إذا كانت تنسجم مع العلاجات المعتمدة اليوم».

مع قليل من الحظ، سيتوافر المزيد من العلاجات في المستقبل. ولكن في هذه الأثناء، إذا كنت تعاني نوبات الصداع النصفي، فناقش هذه المسألة مع طبيبك. وتذكر أنه ربما يُضطر إلى اختبار تراكيب مختلفة من الأدوية قبل التوصل إلى أفضل مقاربة تلائم حاجاتك الشخصية.

لكن الخيارات العلاجية المتوافرة اليوم، سواء استُخدمت منفردة أو في تراكيب مختلفة، تساعدك في الحصول على بعض الراحة.

إذا دفعتك النوبات إلى التغيّب عن العمل والنشاطات الممتعة فلا بد من علاجها

كي تُعتبر مريض داء الشقيقة يجب أن يدوم الصداع بين أربع و72 ساعة