صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3984

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

حبر و ورق

  • 17-02-2018

النورس

11 أيار (مايو) 1996

- الحمد لله... تنهَّدت سارة زكريا ودموع السعادة تغمر عينيها بعدما خرج مولودها إلى الحياة.

- مبارك مدام سارة. بادرتها الممرضة... ولكن طبيب التوليد قاطعها بصوت متهدج: أسرعي بجهاز التنفس.

إنه مولودها الثاني الذي عانت كثيراً خلال حمله وكادت أن تفقده نتيجة تناولها لمدة طويلة دواءً مغشوشاً لضبط معدل ضغط دمها. وكان طبيبها المعالج قد وصف لها دواء «نورڤاسك» كعلاج، لكن سامر نسناس صاحب «صيدلية نسناس» التي فتحت أبوابها حديثاً قرب منزلها، قدّم لها عرضاً مغرياً أن يبيعها الدواء بسعر أرخص من الذي اعتادت عليه، لتتحوّل إلى زبونة دائمة للصيدلية، فصارت تشتري دواء «نورڤاسك» منها بعد أن تفحّصت علبة الدواء جيداً وقارنتها بالعلبة السابقة وتأكدت من أصالتها... وتابعت استخدام الدواء يومياً حتى بعد حملها بطفلها الثاني. ولكنها لم تكن تعلم أن حبوب الدواء داخل العلبة مغشوشة وأنها لا تحتوي عقاراً طبياً لخفض مستوى ضغط الدم، بل كانت مصنوعة من الطحين، إضافةً إلى ملوّنات ومادة لاصقة، ولكنها موضّبة داخل علب متقنة التزوير؛ فارتفع معدل ضغط دمها إلى مستويات عالية، وازداد وضعها سوءاً بوفاة أبيها، حيث أُصيبت بصدمة وحزنٍ شديدين، خاصة وأنها تولّت ترتيبات الدفن والتعزية بنفسها كونها وحيدته، فلازمها صداع شديد إضافة إلى آلام في الحوض وتشوّش في الرؤية. وتبيّن لطبيبها المعالج عند مراجعته أن معدل ضغط دمها وصل إلى 195 ملمتراً زئبقاً، فأدخلها على عجل إلى قسم العناية الفائقة خوفاً من إصابتها بنزيف دماغي، وحذّرها من خطورة انعكاس وضعها الصحي على الجنين فقد كانت في أسبوع حملها الـ 22، وقد يكون أُصيب بضرر عصبـي أو عضلي، ولكنها أصرّت على الحفاظ عليه مهما حصل، فهي غير مستعدة لقتل روح، وستكون مستعدّة لأي وضع صحي قد يكون انعكس على الجنين، فكل شيء بإرادة الله.

لم يكن الوضع الصحي للمولود الجديد هادي كما تتمنّى كل أُم، ورغم أن سارة زكريا كانت مستعدة لأسوأ الاحتمالات، فإن العناية الإلهية رأفت بها وبطفلها الذي كانت إصابته بالشلل التشنّجي متدنية، فعانى من اختلال بسيط في توازنه أثناء السير ومن صعوبة محدودة في النطق ومن تشنّجات عصبية بعض الأحيان. ولكن وبدعم عائلي ممزوج بالحب والحنان من جميع أفراد أسرته، استطاع هادي متابعة تعليمه الأساسي والحصول على شهادة الثانوية العامة دون مشاكل تُذكر، سوى بعض الإزعاج من زملائه كان يتجاوزه باللجوء إلى المراجع العلمية لتقصِّي الأسباب ومعرفة طريقة التعاطي معهم. ومن منطلق تعلّقه الشديد بصديقه شبه الوحيد «الكتاب»، طلب من والديه تأسيس مخزن صغير له لبيع الكتب، يتولّى إدارته وتشغيله بدلاً من التوجه إلى الدراسة الجامعية. فبرأيه أنه مهما حصل على شهادات جامعية فإنه سيعود في النهاية إلى العمل في مكتبة أو مخزن للكتب الذي هو حبه الأول، لذلك كان على قناعة تامة بأنه من الأجدر لشابٍ في مثل وضعه الصحي أن يبادر إلى تحقيق مشروعه منذ الآن. ولإقناع والديه بمدى علاقته الوطيدة بالكتاب والقراءة، همَسَ لهما بوداعة قائلاً: «لا تنسيا كم ستوفّران من مال لقاء تنفيذ هذا المشروع، فأنا لن أقرأ سوى الكتب التي سأبيعها، ولن أشتري أية إصدارات جديدة خاصة لي، لا بل سأعرض كامل محتويات مكتبتي المنزلية التي تضم حوالى ألفَي إصدار من مختلف الاختصاصات لبيعها ككتب مستعملة، مما سيجعل غرفة المكتبة في البيت خالية وسيتيح لكِ يا أمي تأثيث غرفة استقبال تليق بالضيوف وطالبـي القُرب من أختي هزار». ونظراً لإلحاحه المستمر، انصاعت لرغبة ابنها، واستثمرت المال الذي تمّ توفيره منذ ولادته باسمه في البنك لتعليمه الجامعي، لتأسيس «مكتبة الهادي» في موقع قريب من الجامعة.

صباح 19 أيلول (سبتمبر) 2014

ليل أمس لم يغمض جفنٌ لخليل زكريا من تزاحم الأسئلة وتوالد الشكوك وتصادم التفسيرات في رأسه. وما إن حلَّ الصباح حتى توجّه إلى «المختبر الدولي للتحاليل».

ليل خليل زكريا المشوّش كان انعكاساً لنهاره العاصف. فإثرَ سقوط شحنة الأدوية على رصيف المرفأ واكتشافه وجود علب من دواء «نورڤاسك» ضمن شحنة أدوية ديب سنجب المتعددة، ثم انصراف السيد سنجب السريع وهو يسبّ ويلعن، ليعمد رجال جمارك المرفأ بعد ذلك إلى تطويق محيط الحادث وإخضاع جميع العمال للتفتيش ومصادرة الأدوية التي جمعوها في جيوبهم عن الرصيف، ثم استدعاء الشرطة لرفع البصمات عن قفل الحاوية لشكِّهم بوجود عملية سرقة لصعوبة فتحها تلقائياً، خاصة مع وجود ختم احترازي عليها من بلد المنشأ لا يُفتح إلا بوجود صاحب البضاعة أو من يمثّله، مما يُطلق شبهات عن عبث بآلية القفل. فصادرت الشرطة جوّال خليل زكريا بعد جدال طويل معه. أما رامي أمين مندوب «الوكالة البحرية الوطنية» الذي توقّع حدوث تطورات مماثلة، فكان قد أخفى جوّاله الذي سجّل عليه كل تفاصيل الحادث في جوربه وترك في جيبه جوّاله الآخر وفيه بضع صور من الحادث قبل أن تصادره عناصر الشرطة كدليل، إضافة إلى جوّال وكاميرا التصوير الخاصتين بمندوب شركة التأمين.

بعد ذلك قام رجال الشرطة بتحقيق أولي مع جميع المتواجدين على رصيف الميناء، وتمّ تصوير بطاقاتهم الشخصية والمهنية وسُجِّلت عناوينهم وأرقام هواتفهم وإفاداتهم الأولية، بعد أن قاموا بتصوير الحاوية وآليات إقفالها وعلب الأدوية المنتشرة على الرصيف وتم ضمّها إلى المحضر الرسمي، ثم ثبّتوا شريطاً أصفر اللون حول موقع الحادث كُتب عليه «الشرطة: ممنوع الاقتراب».

بدوره كان ليل أمس ثقيلاً جداً على ديب سنجب، إذ حمل إليه مفاجآت سيئة من العيار الثقيل. فبعد جلسة عمل مع أحد ضباط الجمارك، توجّه إلى شقة صديقته الروسية ڤالنتينا ليروِّح عن نفسه بعد نهاره العاصف. ولكن ڤالنتينا صدّته وأمرته بالخروج من شقتها لأنه لم يلتزم بوعده شراء السيارة الرياضية التي سبق ووعدها بها، فعَلا صوتاهما ودفعته نحو الباب ليخرج فلكَمَها على عينها اليمنى وخرج شاتماً، بينما كانت ڤالنتينا تصيح مهدّدة بأنها ستخرب بيته. وبالفعل لم تتأخر في تنفيذ وعيدها إذ سارعت إلى إرسال عدة صور له في أوضاع حميمة معها إلى زوجته عبر تطبيق «واتس آپ».

لم يعتد ديب سنجب حمل مفاتيح منزله أو مكتبه أو شقة صديقته، فهو يشعر أنه صاحب هذه الأمكنة وعلى مَن فيها أن يفتح له الباب متى شاء، رغم احتفاظه بمجموعة كاملة منها للطوارئ في سيارته. قرع جرس ڤيلا سكنه ثلاث مرات متتالية ولكن أحداً لم يفتح له الباب، فشرع بالصراخ وأخرج جوّاله ليطلب خادمة المنزل لتفتحه، ولكن بطارية الجوّال كانت فارغة، فعاد إلى سيارته وأحضرَ مجموعة المفاتيح وشرع يبحث عن المفتاح المناسب وسط كومة كبيرة منها، وفي الوقت نفسه يقفز ضاغطاً على نفسه لحاجته للتبوّل. وأخيراً وبعد جهد كبير وبعد أن ملأ العرق جبهته وتساقطت نقاطه على المفاتيح وهو لا يزال ساخطاً، دخلَ أحد المفاتيح مكانه بسهولة فأداره وشعرَ بأنه فتح، فدفعه ليدخل، ولكن الباب لم يتحرّك من مكانه إذ كان مقفولاً بالمزلاج من الداخل. رَكلَ الباب مرتين منادياً زوجته ليلى والخادمة صابرين ثم شرع يضربه بقبضتيه وهو يصرخ ويتوعّد، فحضر سعيد حارس الڤيلا مسرعاً على وقع الضجة التي افتعلها.

- سيدي، هل أستطيع مساعدتك؟

- أعطني جوّالك لأن بطارية جوّالي فارغة.

- إنه في غرفتي سأذهب وآتي به لك.

- لا، لا، سأذهب معك لأنني بحاجة لدخول الحمام.

تناول ديب سنجب جوّال الحارس سعيد وأمره بالذهاب إلى سيارته المركونة في الحديقة لإعادة شحن جوّاله الشخصي منها، فيما كان يطلب رقم زوجته أثناء دخوله المرحاض لقضاء حاجته لأنه لم يتذكّر رقم جوّال الخادمة. ثلاث مرات طلب رقم زوجته وفي كل مرة لم يجب أحد، فخرج من الحمام نحو سيارته، حيث أعاد طلب رقم زوجته من جوّاله قيد الشحن في السيارة، ولكن أحداً لم يرد على اتصاله، فطلب رقم الخادمة عدة مرات أيضاً ولم يتلقَّ جواباً كذلك. ففتح تطبيق كاميرات مراقبة البيت متنقلاً من غرفة إلى أخرى إلى أن حدثت المفاجأة التي روّعته، منظر زوجته والخادمة صاحيتين وجالستين معاً إلى طاولة المطبخ تتحدثان أمام فنجاني شاي وجوّالهما أمامهما على الطاولة. امتقع لون وجهه وشرعت عيناه ترُفّان بينما يده تمسح جبهته بقوة وكأنه يعصر دماغه ليفهم ماذا يحدث. تناول جوّاله وكتب رسالة لزوجته في تطبيق «واتس آپ» مستغرباً عدم إجابته مضيفاً أنه شاهدها جالسة والخادمة في المطبخ صاحيتين وجوّالهما أمامهما.

انتفضت ليلى جواد سنجب عند قراءة الرسالة وضربت خدها بكفّها.

- ما أغباني، لقد نسيت كاميرات المراقبة!

الحب...

شرارة الإعجاب بعيني ديب سنجب الخضراوين تحوّلت بعد لقاءين معه إلى نار أشعلت قلب ليلى جواد، التي لم تكترث للهوّة الاجتماعية التي تفصل بينهما؛ رغم اعترافه لها بحقيقة وضعه الاجتماعي، بل انغمست معه في بحر الفن الذي جمعهما، تُحرِّك أمواجه عاطفة جيّاشة فاضت نحوه ليبادلها عاطفة مصطنعة وظّف فيها معلوماته الفنية التي استقاها من الإنترنت ليرفع بها مستوى حضوره معها فنياً وأخلاقياً وإنسانياً، وليتحوّلا زائرين دائمين للمعارض الفنية وغاليريات الرسامين، وشبه مقيمين في «مقهى بيكاسو».

- أشكركَ للفت نظري إلى وجود ألوان للرسم صديقة للبيئة، في الحقيقة لم أتخيّل يوماً أن المذيبات والتربنتين والمحاليل هي مواد سامة ومؤذية وسريعة الاشتعال.

- بالفعل، والأخطر من هذا أن الورنيش الذي تغطي به لوحاتك المنتهية تَصدُر عنه مُركّبات عضوية متطايرة قد تؤدي إلى الإصابة بسرطان الكبد والكلى والجهاز العصبـي، فبالله عليكِ توقفي عن استخدامه.

- يا لطيف!

- ليس هذا وحسب، بل إن تنظيف بقايا الألوان عن الپاليت والفرشاة بالمذيبات والتي تُرمى في مصارف الماء، تتسرّب إلى باطن الأرض لتختلط بمياه الشرب والاستخدام حيث تصبح المصيبة كبيرة، وأنا أعرفك رؤوفة بالبيئة والإنسان.

- أنا لا أرضى بتاتاً أن أُسبِّب الأذى للبيئة، ولقد درسنا كيف كان الفنانون القدامى يصنعون ألوانهم من مواد طبيعية فقط ومن ألوان الصباغ الأصلية وزيت الجوز أو الكتّان، لذلك سأتبع الطريقة عينها، كما سأستخدم قماشاً مصنوعاً من نبتة القنب بدلاً عن «الكانڤاس».

أخ

في حياة كل منا أيـام ولحظـات، قــد نجدهـا عادية، عادية جــداً ولكنها ثمينـة، عندمـا تعيشها أغمض عينيك وأطبق على هـذه اللحظة السعيدة واستخدمها سـلاحاً في أيامك القادمـة فإنك لا تدري مـا تخبئه لك.

ترعرعــت في بيـت كبير، ليس كبيـوت هــذه الأيام، لا أقصد مـن ناحية الحجم رغم أن مساحته كانت شاسعة جداً، كنت أراه قصراً في قلـب الرميثية، بألف متر مربع وفناء داخلي عشنا فيـه كل لحظــات شــقاوتنا وألعابنـا القديمــة مـــن لعبــة الألوان، وصيـده ماصيـده، اللبيده، وبالطبع كرة القدم، أيامهــا حين كان الفريــق يتكـــون مــن البنـات والاولاد بنقائنـا نلعب ولا نتعـب حتى تصدر الأوامـر العليـا بتفريقنـا وإعادتنـا إلى شـققنا الموزعـة في هـذا البيـت بالحب، وحتى شـجارنا كان يتســم بالحب أيامها.

اتسع بيــت العائلة ليضــم شقة جـدي وجدتي، وشـقة عمي جمعـة، وشـقتنا عائلـة خضـر أبي، التـي تقابل شقة عمي صلاح، كنا نسمع صـوت غناء جـدي، وهـو يسقي المزروعــات في حديقته التـي امتدت طوال الحـوش، المكان الــذي كنا نفضلـه للاختبـاء ساعة اللعــب وساعة الكارثة الصغيرة التـي نتسـبب بها بين حين وآخــر، ونخبـئ معها ضحكاتنـا التي عادة مـا كانت تفضحنا.

كان الفناء يتميز بوجود حظيرتين، واحدة مخصصة للحيوانات، وكانت تضـم كل أنـواع الحيوانات عـدا الكلاب لأن أهلنا متدينون ويعتقدون أن الكلب في داخل البيـت يطرد الملائكــة، ومـا إلى ذلـك مـن نجاسة، ثـم اكتشفت أخيـراً أن الكلب أوفى رغـم نجاسـته مــن بعـض البشــر.

الحظيرة الثانية كانت تضـم كل أنـواع الحمام الـذي كان عدده بالمئـات وسعره بـآلاف الدنانيـر، فكانت تمثـل لوالدي ثروة وهوايـة، ويعتقد أنها تطرد الجن والشـياطين مــن البيت، وتجلـب الخير والبركـة.

في صغري كانت المهمة الأصعب بالنسبة لي إذا كلفني والدي رحمه الله، بالقيام بوضع الفائض من الطعـام والأرز للحمام، فالدخــول إلى القفص وهـم جيــاع وأنت تحمل الطعام مخاطرة حقيقيـة، لأن جيشاً مـن الأجنحـة سيصفق بوجهك وتطير إليك الحمائـم مــن كل جهـة ولـو فكرت أن أرمي نثار الطعـام على الأرض بسرعـة وأهـرول تاركاً الباب مفتوحاً يعني أنني سأوبخ لجبنــي مـرة، ولأني تسببت بطيـران مئات الدنانير مـرة أخرى.

ارتباطــي بتلك الحيوانــات كان منذ أشهري الأولى، والرواية بلسان والدتي وتؤيدهـا في القصة جــدتي التـي كنا في نهايـــات الأسـبوع، نستجدي مــن والدينا أن يسمحوا لنا بالنوم عندهــا ونقـضي الليـل ونحــن نستلقي إلى جانبهــا نستمع إلى قصصهـا التـي تفــوق بجمالها وعبرتهــا كل مـا سمعناه ورأينـاه في السينما والتلفزيــون.

تقول أمي إن والدي كان يعتقد أنه بفعله هـذا إنما يزيد مـن خشـونتي، وصلابتي.

- «كان يبيك تصيـر ريال مـن صغـرك، تتحمـل الي مايتحملونـه باجــي اليهــال».

فقام والدي بوضعـي تحـت الماعـز، وصرت أرضــع مـن ضرعها مبـاشرة، وهـو يطلق ضحكـة الفرح، وكان رفيقه الموافق له في هــذه الهواية المرحـوم حسـن الباذر، الـذي عاش مـع أبي في كل أيـام حياتـه وكان الأقـرب إليه ثم شـاء القدر أن يتوفيـا معاً وهما عائدان مـن حـج بيـت الله الحـرام.

كنا نستغني مـن تلك الحظائر عــن التسوق اليومي، فالدواجــن كانت تبيض كل صبـاح، وبين فترة وأخــرى نذبح دجاجة أو بطة أو حتـى ديكاً، كان لم شمل العائــلة أجمـل ما يميــز تلك الأيـام وتشاركنا في كل شيء جعـل للحياة معنـى.

لم يكــن ينقصني في تلك الأيـام شيء سوى أن يكــون لي أخ، كان حلمي أن يكــون لي شقيق يشاركني بنفس الأعــمال، نلعب سـوية، نكون بذات الفريق، نفـزع لبعضنا ولا يخيفنــا أحــد، أفصحـت بأمنيتـي لوالدي ووالــدتي أكـثـر مـن مـرة.

في تلك الليلة كانت ماعـز تصيح على غيـر عادتها، وعـلى غير عادته استيقظ أبي مــن نومه ونزل ليجدهــا في حالة الولادة، كنت انـا وأختي سندس نراقـب الوضع عــن كثـب، ولا تخلـو تعليقاتها مـن تعبير عـن الاشــمئزاز:

- ويع محمد شنو هذا؟

كانت تخـرج مـن الماعـز مواد غريبة ولزجـة، ثـم أخرجت كيساً بداخله صغيرها، كان والدي يباشر توليدها بنفسه، استخدم خيشـة لإخـراج مافي بطنها، ولكنها ظلت تصرخ.. فأدخل والدي يده مجدداً ليخرج طفلها الآخــر، لقد كانـا توأماً ونحن ننبهـر ونضحـك فرحـين ونصيـح :

-الله شوفيهم توم.

-انته حقك اللي لونها بني وانا اللي لونها أبيض.

سرعان مـا تملكناهــما وأســميناهما أيضاً مــن غيـر تفكير الأولى (شمسـة) والثانية (قمـرة)، كنا متأثرين جــداً بمسرحيـة (الـواوي وبنات الشـاوي)، وكنا نحفظ أشـعارها ونرددهـا للماعـز، ولكـن عندمـا كبرنـا اكتشفنا أن تأثرنـا كان خاطئاً في أمـر أننـا أسـمينا الماعزتين باســم البطلتين اللتين كانتا ترعيـان الأغنـام مــن دون أن نقصـد الإساءة لهما، بـل كنا نعبـر حينها عـن نقائنـا وبراءتنا.

في تلك الحظيـرة نفسها دفنـوا أعـز الأشـياء وأثمنها، دفنوا كل مـا يشير إلى أن والدي يعمل في السلك العسكري، صـوره، ملابســه، قبعتـه، والأوســمة التـي تقلدهــا، وعمــي صـلاح أيضاً الذي كان يعمل في سلاح الطيران ثم اختفيا.

لأول مـرة أحـس بالرعـب، وأني بحاجــة لوجـود أخ معــي، أعمامـي سـافروا، خلــت بيوتهــم ولم يبق سـوى جدي، ونحن يجب أن نختفي عما قريب لأن قوات الاحتلال تبحث عنا، وعن أي عائلة فيها شخص مقاوم.

وفي أعقاب ذلك المصاب الذي شتتنا وشتت كل الكويتيين، وبعد فترة من التحرير والهدوء والسواد الذي خيم على هذا الوطن، ولد لكل منا أمل جديد، وتحقق لكل منا حلم طال انتظاره، وأنا ولد لي أخ، نذرته أمي، لأن ولادتها كانت متعثرة، للإمام الحسين (ع)، وكان هو الوحيد الذي رفض الخروج إلى الحياة إلا بولادة قيصرية.

كبر ثامر شيئاً فشيئاً حتى لاحظنا أنه يختلف عنا، بل أنه أفضل منا، وأن به الكثير لنعتبر..

ثامر البكّاء

رغم أنها كانت ليلة روحانية يتطلع فيها كل عبد للرجوع إلى ربّه، وكان القمر ينير كل الجادات ويفرّق كل إنسان بين ماضيه وحاضره، عداي أنا فأحسّني وكأني أضعت جادة الوصول.

حمل الناس أكفّهم طوال الليل فوق أعناقهم، تناقلوا أن الملعون هذه الليلة من يبقى في نفسه شكّ بأن رحمة الله لم تشمله، وأن إبليس سيزوره قبل الصباح ليوسم جبينه بوسم الإياس من الجنّة.

أغمضت جفني وأذبلت عيني صوب الأرض، فتحت شراع قلبي نحو السماء، وبكل ما أوتيت من قوّة الاعتقاد جلبت كل قوى إيماني، لأجدد إيماني برحمته ومغفرته، وأنه مع طلوع الفجر سيبدأ عهد جديد في حياتي، كحياة كل العبيد الموجودين الآخرين الذين بذلوا إيمانهم.

ها هو ثامر الذي اختلف فيه القائلون، فمنهم من وصفه بالأشقر، ومنهم من وصفه بالأسمر، حتى أطلقوا عليه الأشقر الأسمر كغصن مليء بالسنابل الشقراء التي غيّر لونها حرّ الشمس فصمدت في أشعّتها طويلا لتثمر وتطعم الجوعى.

بدا بين المصلين المتراصين في ليلة القدر، كمفصل مصنوع من الزبرجد بين حبات السبحة في يد ناسك عاكف على التسبيح، ها هم يتحركون يمنة ويسرة متهادين. إذا أجهر بكلمات الدعاء أجهروا، وإذا تمتم بحاجة يلحّ عليها بصمت تمتموا، وإذا استسلموا للبكاء ضجوا حوله بالأنين.