صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3692

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

النُّعمان

  • 10-02-2018

شرب النُّعمان بن المنذر، أحد ملوك العرب في الجاهلية، الخمر ذات ليلة، حتى فقد وعيه، وأمر بقتل أعز صديقيه. أفاق من سكره وحزن كثيرا فأدمى الحزن قلبه لما حدث، لذا بنى لهما قبرين ببناءين عاليين أسماهما «الغريين»، وحدد يوما للبؤس ويوما للسعد بكل سنة لذكراهما. كان يخرج في هذين اليومين بكل حشمه وجلاله، ويجلس بين «الغريين»، فيقتل من يصادفه بيوم البؤس، ويقدم عظيم الإحسان لمن يأتيه بيوم النعيم.

استمرت هذه القاعدة حتى ذهب يوما للصيد، لمح فريسة فانطلق نحوها حتى تأخر الوقت وخيم الظلام وضاع في الصحراء، يئس من العودة إلى قصره. لمح خباء بالبادية، انطلق نحوه، وقال: «أتستضيفونني؟» فاستقبله صاحب الخباء حنظلة الطائي ورحب بقدومه وأبلغ زوجته أن النجابة تلوح من ناصية هذا الرجل، فابذلي الجهد بإكرامه، فقالت: «لدينا شاة فاذبحها، وادخرتُ قدرا من الدقيق ليوم كهذا». قدم حنظلة قدحا من حليب الشاة للنعمان ثم ذبحها لإطعامه. قضى النعمان ليلة سعيدة بمحبة وكرم حنظلة، طلع الفجر وتأهب للرحيل، فشكر لحنظلة صنيعه قائلا: «أنا النعمان بن المنذر، سأرقب قدومك علي مشتاقا». مضت السنوات وحل القحط بديار طيئ، وأصابت حنظلة فاقة شديدة، فذهب للنعمان، ولسوء حظه وصل بيوم البؤس، غضب الملك وعاتبه: «لماذا حضرت بيوم البؤس الذي لو لمحت فيه ابني الوحيد لقتلته»، فردّ: «لم أكن أعلم بيوم بؤسك؟»، فقال النعمان: لا مفر من ذلك. طلب حنظلة مهلة لتفقد أهله والعودة بيوم البؤس من السنة القادمة، وافق النعمان بشرط أن يضمنه أحد حتى يقتل ضامنه إذا خالف وعده، نظر حنظلة بحثاً عن الضامن حتى تطوع أحدهم بكفالته، فأنعم النعمان على حنظلة بخمسمئة ناقة وصرفه. في السنة التالية أقبل يوم البؤس وتوجه النعمان إلى «الغريين»، مصطحبا الضامن، شفعت له حاشية النعمان واستمهلته حتى الغروب لعودة حنظلة، ولكن الملك كان يرغب بقتل الضامن لينجي حنظلة. عند الغروب استعد السياف لضرب عنق الضامن! عندها فاجأهم أن هناك فارسا يقترب بسرعة، فسأل النعمان السياف: «فيم انتظارك؟» فردّ: «لعله حنظلة» وفعلاً كان حنظلة، غضب النعمان، وقال: «لماذا عدت وقد نجوت من براثن الموت؟»، فأجاب حنظلة: «جعل الوفاء بالعهد السم الزعاف حلو المذاق في فمي»، فسأله النعمان عن باعث هذا الوفاء، فقال حنظلة: «إيماني بالله تعالى وكتبه المقدسة». عندها تبرأ النعمان ووزراؤه من الأصنام، وآمنوا بالله وتحسروا على غفلتهم وما فاتهم من رحمة الله وفضله العظيم.

هدم النعمان «الغريين»، وندم على ظلمه، وحكم بالعدل والإنصاف، فـ«لدين المعاملة» والتشبث بالأخلاق الإنسانية الصحيحة والتصرفات الصالحة أساس الإيمان بالله ونشر الدين وتبليغه.