صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3694

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

حبر و ورق

  • 03-02-2018

وتلاقت أرواحنا في ميونيخ

استيقظت باكراً هذا الصباح، هي عادتي في الغربة، صليت الفجر، وجلست أقرأ القرآن وأذكار الصباح وبعد ذلك أخذت أقرأ في رواية حتى تشرق الشمس.. أشرقت الشمس، فارتديت ملابسي وأخذت حقيبتي وكاميرتي فهي صديقتي في الحل والترحال.

خرجت وكانت السماء ملبدة بالغيوم، ففي هذا الشهر كل عام تهطل الأمطار ويعم البرد أرجاء مدينة «ميونيخ»..

كانت وجهتي «انقلش قاردن» مكاني المفضل للمشي والتصوير والقراءة، ولأبوح ما بداخلي لأوراقي، فهو مكان رائع ولكن لكي تصل إلى هناك يجب عليك أن تمشي كثيراً، ولا بأس فالمشي في هذه المدينة رائع جداً.

اعتدت كل صباح قبل أن أذهب إلى مكاني المفضل أن أقصد مقهى على طريقي وآخذ قهوتي المفضلة معي، دخلت المقهى وانتظرت حتى يحين دوري، وعندما حان ابتسم لي النادل وقال: السلام عليكم!!

بادلته الابتسامة وقلت: وعليكم السلام!!

سألني عن حالي، وعن الأجواء.. تحدثت معه عن أجواء هذه المدينة وبعدها أحضر لي قهوتي فقد اعتاد عليّ وحفظ ما أريد!

يجيد هذا النادل بعض الكلمات العربية، فهو حين يقابل شخصاً عربياً يبادره بالسلام.. كم هو مهذب؟

في هذه المدينة من النادر أن تلتقي شخصاً يعاملك بطيبة! فالألمان شعب جدي وصارم ويعاملون الغرباء بجفاء وخاصة العرب. إلا أن الأمر لا يخلو من بعض الناس الذين يتعاملون بلطف ويردون على الابتسامة بابتسامة مثلها، حتى وإن لم يتقنوا لغة الشخص الغريب، ويبادرون بمد يد المساعد لمن يحتاج إليها.

ناولني النادل قهوتي، شكرته، وذهبت لأضع السكر فيها، فلفت انتباهي رجل عشريني ملامحه عربية يجلس بمفرده، وإلى جانبه كوب قهوة، اعتدت أن أراه في هذا المقهى بين الحين والآخر، والأغرب أنه يجلس دائماً إلى الطاولة نفسها.

بالمناسبة لم يلفت انتباهي صدفة، بل اختلست النظر إلى مكان جلوسه المعتاد لأتأكد من وجوده فقد تعودت على وجوده هناك. ابتسمت وخرجت من المقهى وأنا أفكر في أمره، لماذا يجلس دائماً إلى الطاولة نفسها؟! ربما يعجبه المكان، كما يعجبني المكان الذي أذهب إليه كل صباح! ربما! يكفي. لماذا أفكر بأمره! فأمره لا يعنيني.

أكملت طريقي، ووصلت إلى مكاني المفضل، مشيت بسعادة ومرح، فهذا المكان يسعدني كثيراً ويشعرني بالارتياح، ثمة أماكن نحبها، نرتاح فيها، نعشقها ونحفظ تفاصيلها لسبب نجهله، ربما نرتبط بها بذكرى معينة، وربما هي أماكن تستحق أن نحبها أو ربما جمعتنا صدفة بأناس أحببناهم.

جلست أرتشف قهوتي، وأتأمل منظر الشلال الخلاب أمامي وأنا أردد: سبحان الخالق، ما أعظم خلقه وما أبدع صنعه، بدأت ألتقط بعض الصور، فالمناظر هنا تلزمك أن تلتقط صوراً كثيرة. وبعد أن انتهيت من التقاط الصور، سرت نحو الساحة الخضراء الكبيرة، التي يجلس على أرضها أناس كثر، كبار وصغار، بينما يلعب الأطفال بمرح وسرور.

جلست بين الناس أقرأ روايتي، وشعرت بيد على كتفي، فإذا بطفل صغير بعمر السنتين يبتسم لي، بريء الوجه، أبيض البشرة، أشقر الشعر، أزرق العينين، بادلته الابتسامة وحملته لأداعبه فأخذ يضحك، وأمه تنظر إلينا والسعادة مرسومة على محياها، بعدها أتت وأخذته وودعتني بالرغم من أننا لا نتقن لغة نتواصل بها، فاكتفينا بالإشارة، والابتسامة التي هي لغة عالمية. غادرتني الأم وطفلها، وتركا في نفسي سعادة غامرة.

الأطفال جمال الكون، ومفتاح السعادة، فمعهم تشعر بالارتياح والبهجة والسرور، وتنسى همومك وأحزانك، وتنسى كل ما حولك، وكأن السعادة اختصرت بهم، بضحكاتهم، بأصواتهم، وبوجوههم البريئة البشوشة.

بعد ذلك، توجهت إلى بركة صغيرة يتجمع فيها البط، تأملت البطات، وأخرجت الخبز من حقيبتي وبدأت أطعمها، فأخذت تتجمع حولي، بعد ذلك جلست قبالتها، إذ يوجد كرسي مقابل البركة الصغيرة، جلست أتأمل وأفكر واسترجع بعض الذكريات، وذهبت بتفكيري إلى بعيد.

الجلوس بمفردك جميل جداً، جرّب أن تخرج بمفردك أو أن تختلي بنفسك، شعور جميل جداً يحتاج إليه كل شخص بين الحين والآخر؛ ليراجع حساباته ويصحح أخطاءه، ويتحدث مع نفسه ويزيد ثقته بها والأهم أنه سيرتاح من ضجيج البشر فالابتعاد عنهم راحة تامة، جرّب وبعد ذلك احكم بنفسك.

بعد أن أنهيت خلوتي في هذا المكان الرائع، ذهبت وجلست عند ضفة النهر وأخرجت دفتري وقلمي وأخذت أكتب ما يجول في خاطري، وبدأت أبوح لورقتي وأفضفض لها علّي أرتاح.

الكتابة بوح جميل وأنيق تعبّر من خلالها عما يجول بنفسك في أي وقت، وتستطيع التعبير بأي كلمات أو حروف فهي ستفهمك. الكتابة ستسمعك دون كلل أو ملل. أنا أحب أن أفضفض بالكتابة، فأنا أكره أن أفضفض لشخص، لأنه قد لا يكترث لنا الشخص الذي نبوح له، وربما بكل بساطة لن يفهمنا، وربما سيسيئ فهمنا، والاحتمالات كثيرة. أما الكتابة بعكس ذلك تماماً، فمتى شعرت برغبة بالبوح أمسك قلمك واكتب وعبّر.

نظرت إلى ساعتي فأشارت إلى الخامسة عصراً، فاحترت هل أعود أم أبقى قليلاً، ولما شعرت بالجوع، قصدت الساحة الخضراء، وبعد أن جلست اتصلت بأمي، وبعد محادثة قصيرة معها أخذت أحدق إلى مجموعة من الطيور تحلق في السماء. وبينما كنت منشغلة بالطيور شعرت بكلب بالقرب مني يحدق إليّ، ارتعبت، وما أن نادته صاحبته حتى أسرع إليها، ودنت مني معتذرة عما بدر مني، فابتسمت لها بما معناه: لا بأس.

في ألمانيا لن ترى قططاً البتة، بالعكس ستجد الكلاب أينما كان، وهي كلاب مدربة لا تؤذي أحداً وبالرغم من ذلك أشعر بالخوف قليلاً حين تقترب مني، لأنني لا أراها في بلدي، بل أرى القطط في كل مكان.

في طريق عودتي مررت بمطعم تركي فاشتريت طعاماً لأتناوله في المنزل وهذا ما حصل، وهذا يومي. لا ربما هذه عادتي هنا بين الحين والآخر.

***

اليوم غائم، والبياض يكسو ميونيخ، رأيتها من نافذتي فشجعتني الأجواء الخيالية على التسوق، ارتديت ملابسي وقبل أن أخرج، فكرت بأخذ مظلتي احتياطاً، ربما تهطل الأمطار كما حصل بالأمس، ولكني أبيت أن ترافقني وخرجت للتسوق، كانت الساعة الخامسة والنصف عصراً. بدأت بالتسوق، أدخل محلاً وألقي عليه نظرة وأغادره إن لم يعجبني شيء لأدخل إلى محل آخر، وهكذا دواليك، وبينما كنت على هذه الحالة بدأت تمطر، فنظرت إلى السماء وابتسمت ابتسامة راحة وحب ومرح لأنني أحب المطر كثيراً، وأستمتع بالمشي تحت قطراته. أكملت سيري وانتهيت من التسوق، وأحببت أن أنهي تسوقي بقهوتي المفضلة فقصدت المقهى الذي اعتاد عليّ واعتدت عليه، وبتلقائية ألقيت نظري على ذلك المكان الذي يجلس فيه «المجهول» وتوقعت أن يكون جالساً في مكانه، وهذا ما كان، جلسته، قهوته، نظرته، كتابه، كل تلك الأشياء مثلما هي غير أن ملابسه يغيرها يومياً.

أطلت النظر إليه، وتمنيت أن يلتفت إليّ، ولكنه لم يفعل، عيناه في كتابه، ويده تمسك بقهوته دون أن يرفع نظره ويرتشفها بهدوء.

طلبت قهوتي، أخذتها ووضعت السكر فيها، وذهبت لأجلس في مكان ما لأرتاح ثم أكمل سيري وأعود إلى السكن، وبينما كنت جالسة في مكاني، اختلست نظري فإذا به على حاله، لا يرفع نظره البتة. فكرت بأمره الغريب فبدا لي الأمر أن لديه روتيناً يومياً: المقهى، القهوة، طاولته وكتابه. عادته هذه ليست عابرة، لذا احترت بأي لقب أصفه: غريب الأطوار أو المجهول!

بدأت النادلة بتوزيع إيصالات الدفع لاقتراب موعد إغلاق المقهى، فدفعت لها وجمعت أغراضي، وخرجت وعندما توقفت لأحكم إغلاق حقيبتي وجدت المجهول يحدق إلى السماء ويمشي ببطء وكأن لا رغبة لديه بالمشي تحت المطر، ولكنه مرغم.

نظرت إليه شزراً، فرأيته يحتمي في مكان من المطر، الذي بدأت غزارته تشتد وهو لا يزال يحدق إلى السماء كسيراً حزيناً لائماً. في الحقيقة لم أستطع تحديد مشاعره بدقة، ولكن أكثر ما كان واضحاً أنه يسأل السماء: لماذا تمطرين؟ أرجوك توقفي. بدا حزيناً بخلاف أغلب الناس الذين يفرحون بهطول المطر؛ فهو أولاً نعمة من الله سبحانه وتعالى، ويدعون الرازق أن يديمه.

شخصياً أسعد لهطول المطر، وأمشي تحته بفرح وسرور فيبعث فيّ مشاعر إيجابية، شبيهة بما يختبره الإنسان عندما يكون برفقة من يحب وفي بعض الأحيان ألعب، أجري وتتعالى ضحكاتي وتزيد سعادتي مع ازدياد غزارة المطر وكأن المطر عشيقي وكأني معه على موعد غرامي!

عندما توقف هطول المطر مشى المجهول ولكنه لم ينظر إلى أحد، سار حتى اختفى عن نظري، وبدوري عدت إلى سكني، ولكني عدت والمجهول يشغل حيزاً كبيراً من تفكيري، وأخذت أفكر فيه وأنا مستلقية في فراشي أفكر بتحديقه الغريب إلى السماء وبعادته الغريبة وبكل ما يخصه ويخص مشاعره وما يمكنها أن تحمل من معانٍ. غرقت في تفكيري إلى أن أخذني نوم عميق.

ليس لهافانا ربّ يحميها

كان بانشيتو يقول: «من يحلم كثيراً ينسى أن يعيش».

أمّا أنا فإنّني حلمي مجسًداً، ومع ذلك، فأنا أعبّ الحياة عباً، حتى آخر قطرة.

أسعى دوماً إلى الجانب الإيجابي في الأشياء، لأنّه موجود لا محالة. أرى النصف المليء من الكأس، أرى ابتسامة تعلو التكشيرة، وأرى الغضب نوعاً من حماسة وإنّما منحرفة.

ليس على العالم أن يكون مثالياً... إلى حدّ الكمال، وإنما يتعيّن علينا نحن أن نجد له معنًى يساعدنا على بلوغ شيءٍ من السعادة. حتماً، ثمّة سبيل للخروج من كلّ مأزق. يكفي الإيمان بذلك. وأنا أؤمن بذلك. أرعى تفاؤلي كما أرعى أيّ وردة في بستاني.

لقد تفتّحتُ على الفرح ولذّة العيش مذ كنت في الخامسة من عمري. أمّا السنوات السابقة، فلا أذكر منها شيئاً. وإنّي لعلى يقينٍ من أنّها كانت سنوات رائعة، لأن والديّ كانا رائعين.

كانت أمّي منشدةً في جوقة غناء. في ترينيداد، مسقط رأسها، كانوا يسمّونها «الحورية الصهباء». كانت بهجةً للناظرين، ببشرتها الناعمة كبشرة الطفل، وشعرها الطويل الناريّ المنسدل حتى مؤخرتها، وعينيها الخضراوين، البرّاقتين كزمرّدتين. عندما سمعها والدي تغنّي أوّل مرّة، ملكت على قلبه وعقله فوقع أسير هواها وسرعان ما تزوّج بها. كان عرسهما يتجدّد كلّ مساء ممهوراً بعناقهما. يكفي أن ينظر كلّ منهما إلى الآخـر، لتتلوّن عيونهما بأنوار الشفق اللاهبة. ما أندر الحب حين يكون بهذه القوّة. كان حبّ شخصين بسيطين أدركا أنّ الواحد منهما مخلوقٌ من أجل الآخر فاقتصر العالم عليهما.

كان أبي خلاسياً وسيماً فارع الطول، ثمرةً عجائبية لزواج نادراً ما يحصل، بين أحد الأرستقراطيين الليتوانيين المنفيّين وابنة عبدٍ معتوق. ورث عن والده الأخلاق الحميدة، وعن والدته الصبر والجلد. كان ببدلته المكوية بإتقان، وقبعته التي تكاد تلامس حاجبيه، وحذائه الملمّع على الدوام، يبدو كأمير الليل. مع أنّ مدخوله لم يكن كافياً، فإنه لم يحرمنا يوماً من أي شيء نطلبه. كان يقول لي ولأختي الكبرى: «ليس الفقير فقير المال، وإنما الفقير هو فقير الجود والشهامة». كان يمكن له أن يخلع قميصه ويهبه لأيّ محتاج. كان يقوم في النهار بأعمال بسيطة هنا وهناك، وفي المساء يشغل وظيفة مضنية في إحدى الحانات لقاء أجرٍ زهيد. هذا قبل أن يعمل كسائق خاصّ. عمل أولاً كسائق لدى لاكي لوسيانو وهو صاحب فندق مطلّ على الشاطئ، ثمّ لدى بروتوس الشهير وهو من كبار أثرياء كوبا اضطرّ إلى هجر الجزيرة غداة سقوط حكم فولغنسيو باتيستا.

عندما اندلعت الثورة الكوبية، لزم والدي المنزل طوال أشهر. لا بداعي الخوف، بل التزاماً بمبدأ. في نظره، التضحية بالذات أشدّ ظلم يمكن أن يلمّ بالمرء. كان يقول: «أن يموت الإنسان في سبيل مثلٍ أعلى، هو كمن يهدي هذا المثل إلى الغاصبين. وقد يطالب الأيتام به، لكنّ أحداً لن يعيده إليهم».

لم يكن والدي ليؤمن بالإيديولوجيات النابعة من ذهنية التبعيّة أكثر منها الناتجة عن غسيل الدماغ، كما ولا يؤمن بالثورات التي تكتفي بقلب الطغاة بدلاً من الانقلاب عليهم، ولا بذكرى الحروب العابرة التي تدفع إلى الاعتقاد بأنّ هناك قضايا أثمن من العيش؛ هذا، قبل أيّ شيء آخر، ما كان يجعله ينتفض ويثور. كان يحبّ الحياة في سرّائها وضرّائها، في أفراحها وأتراحها، في مباهجها الرائعة وفي مآتمها المحزنة. كان قادراً على صنع حلم انطلاقاً من نفحة دخان. يحتفي بكلّ عيد وكأنّه الأخير. لقد كان واثقاً من أنّ أهمّ إنجازاتنا، ولو نادرة، هي لحظات الفرح التي نعيشها مع من نحبّهم، وأنّ كلّ ما هو خارج تلك اللحظات مجرّد تنازلاتٍ نقضيها كيفما اتّفق.

والدي هو من علّمني أن أجعل من اللقمة مأدبة. هو أيضاً من أثبت لي أنّ المرء، كيما يكون رجلاً حقيقياً، يجدر به ألاّ يحيد عن ذاته الحقيقيّة؛ بهذا، على الأقلّ، لا يخدع أحداً.

النصيحة الوحيدة التي أسداها لي هي: «عش حياتك». في رأيه كانت هذه النصيحة هي الوحيدة المعقولة.

في الخمسينيات، كان يصطحبني لنستمع معاً إلى ملوك البوليرو والغواهيرا والتشارنغا. هكذا، اكتشفتُ هذا الحسّ الراقي والذي لولاه، لكان العالم مجرّد فوضى صاخبة: الموسيقى، تلك الهبة العظيمة التي يحسد الله البشر عليها. كان بين المغنّين المتوافدين إلى هـذه الحانات الشعبية: سيليا كروز، إدواردو دافيـدسون، بيريث برادو، وسائر الموسيقيين المخضرمين. في ذلك الزمن، لم تكن هافانا لتستفيق من نشوة السّكر، وكانت الكباريهات تهتز على وقع التشاتشاتشا، والمامبو يسحر المحتفلين، والشوارع تعجّ بالـ«تروفادوريس» والـ«سونيروس» التائهين اللاهثين خلف الشهرة والمجد. أذكر، عند خروجي من النوادي الليلية، نساءً أنيقات يتعتعهنّ السكر، يركبن سياراتٍ فارهةً، وهنّ يقهقهن بضحكات رنّانة. في الكازينوهات ذات الأبّهة والمظاهر الفاخرة، كان أباطرة المال ينفقون بلا حساب. أمّا في زوايا الأزقّة الداخلية الفقيرة، بما فيها محلّة سانتوس سواريس، على عتبات البيوت وعلى الأرصفة، فسهارى ملهمون يقرعون موسيقاهم الخاصّة على صناديق سمك الموره. كانت هافانا فردوس أثرياء فلوريدا، و«عائلات» بلتيمور، والمهرّبين الذين لم يعد لديهم ما يبيعونه، وأيضاً «عرّابين» في طور التعافي ينشدون النقاهة والاستجمام. كانت الأوساط المخمليّة بمثابة قلاعٍ حصينة لا يدخلها سوى أصحاب الياقات البيضاء، ومع ذلك، وعلى الرغم من التمييز العنصري الذي لم يعتق حكّامنا حتّى، لم يكن محظوراً علينا، نحن الكوبيين الأفارقة، أن نحلم خارج تلك الأسـوار. كان يحقّ لنا أن نتضوّر جوعاً، وإنّما لم يكن يحقّ لنا أن ننقطع عن أصداء الآلات الموسيقيّة.

ذات مساء، وفي صالة تعجّ بالحضور، استمعت إلى كونشرتو «البربارو ديل ريتمو» لبيني موريه الذي لا يضاهيه أحد.

يا للصدمة! إلتقيت «نبيّي»، ملهمي الأوحد، في تلك اللحظة!

كان لي من العمر عشر سنوات، أي أنّ الحياة بطولها وعرضها ما زالت أمامي، لأجعل من الموسيقى مذهبي وأصنع من كلّ مقطوعة موسيقية قدّاساً.

هكذا، تحولت إلى مغنٍّ.

أدعى خوان ديل مونتي خونافا، ولي من العمر تسع وخمسون سنة. في مهنتي، كانوا يلقّبونني بـ«دون فويغو» (سيّد النار)، هذا لأنني كنت ألهب بغنائي صالات الملاهي والحانات.

أمي علّمتني الغناء، وأنا جنينٌ في أحشائها. عند ولادتي، تجاوبت لصراخي جنبات المستشفى. يحكى أنّ الممرضات كنّ يقرصنني في أصابع قدميّ لإرغامي على البكاء، لشدّة إعجابهنّ بصوتي الرخيم. سيظن المشكّكون أنني أبالغ قليلاً، لكنّني لا أفعل الآن سوى تدوين ما كان يحكى لي.

كان من الممكن اختصار مسيرة حياتي المهنيّة بمجموعة أغنياتي، الأغنيات التي أستعيرها من الآخرين وأؤديها بدوري، وذلك لأنني، على الرغم من براعتي، لم أفلح في إيجاد شاعر يكتب كلمات أغنياتي أو حتّى ملحّن يضع موسيقاها. كنت أعرف كل الرومبا والسون الرائجة، وأؤديها بإتقان وبراعة، غير ان احداً لم يتحفني بنصّ أغنية تكون خاصة بي، وبي وحدي، وتكون مسجّلة باسمي. بطبيعة الحال، كنت أتمنى إصدار أغنيات تحمل صورتي على غلاف اسطوانتها، وأن أشمل المقاهي بأنغامي، وأن استمع إلى موسيقاي عرضاً وأنا راكب سيّارة أجرة، بينما يكاد السائق المذهول يتوه عن الطريق متسائلا عما إذا كنت أنا المغني أم أنني نسخة طبق الأصل عنه.