صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3690

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

Shape of Water... عالم خيالي مذهل

ربما يدرك غييرمو ديل تورو أكثر من أي مخرج آخر على قيد الحياة كيفية إعداد عالم خيالي بذكاء ونضج. صحيح أنه قد يرتكب بعض الهفوات (عثرتُ في ابتكاره القوطي الفيكتوري لعام 2015 Crimson Peak على كثير مما أثار إعجابي وقليل مما أمتعني)، إلا أنه لا يفتقر مطلقاً إلى الإبداع والإلهام. ومع قصة الحب الحالمة التي يرويها فيThe Shape of Water، لم ينهض ديل تورو من كبوته المخيبة للآمال فحسب، بل عاد بقوة وعزم محققاً نجاحاً كبيراً مع أفضل أفلام مسيرته المهينة اللامعة.

يشكِّل The Shape of Water، الذي يعيد تخيل قصة {الجميلة والوحش} بأسلوب ساحر، خيالاً رومانسياً مذهلاً، ورائعاً لا يُنسى.

تبدأ القصة مع مشهد خيالي كان سيُعتبر غريباً بين أيدي مَن هم أقل منه خبرة، إلا أنه يبدو مبتكراً مع لمسة ديل تورو. تنساب الكاميرا في عالم مائي أزرق مخضر مارةً قرب مقاعد، ومصابيح، وطاولات تتأرجح وتدور كلها داخل غرفة يملؤها الماء تشبه مدرسة للأسماك. وتطوف وسطها تحت الماء أيضاً امرأة تنام براحة على كنبة غرفة الجلوس.

فيما يفرغ الماء ببطء، نسمع صوت الراوي العذب: «إذا أخبرتكم عنها، الأميرة التي لا صوت لها، ماذا تقولون؟». ومع هذه اللقطات التي تغذي الروح والمقدمة الهادئة التي تعرفنا إلى هذا الجمال النائم، هل من طريقة أفضل لرسم المشهد الأول من رحلة إلى عالم الخيال؟

تُدعى المرأة النائمة إليزا (سالي هوكينز في أداء مبدع يوازن بين القوة والضعف). تعاني البكم وتعيش حياة منظمة، ومرتبة، ومحدودة نسبياً في بلتيمور في مطلع ستينيات القرن الماضي. تقيم وحدها، إلا أنها تتمتع بعلاقة جيدة مع جارها غيلز (ريتشارد جنكنز)، فنان تجاري مثلي الجنس، وزيلدا (أوكتافيا سبنسر)، زميلتها في العمل في فريق التنظيف في منشأة بحوث سرية تابعة للحكومة.

الحرب الباردة

تدور أحداث الفيلم في ذروة الحرب الباردة. تصبّ واشنطن اهتمامها على التفوق على الاتحاد السوفياتي في السباق إلى الفضاء، وبناء الملاجئ النووية، وإلقاء القبض على جواسيس الأعداء. أما في محيط إليزا، فيعتبر الأميركيون «الآخرين»، أي كل مَن يتمتعون بقدرات، أو ألوان بشرة، أو ميول جنسية مختلفة عن الغالبية، حالة شاذة. وتُشكّل الطريقة التي تُحاك بها هذه المواضيع معاً معجزة صغيرة في فيلم يحفل بالمعجزات الكبيرة.

تدرك إليزا وزيلدا أن أمراً مهماً يُدعى «الأصل» مخبأ وراء الباب المحصن لمختبر بالغ السرية. يمرّ العلماء بمعاطف المختبر والمسؤولون العسكريون بالزي الرسمي بتعالٍ إزاء عربات التنظيف التي تجرانها. لكن الأكثر تهديداً وصرامة يبقى مسؤول الأمن الجديد الجنرال ستريكلاند (مايكل شانون) الذي ينظر إلى الجميع نظرة باردة تبدو أشبه بنظرة قناص يستهدف ضحيته.

تترك إليزا أعمالها لتنظر داخل واجهة حوض في المنشأة، حيث ترى طيفاً داكناً غريباً: رجل برمائي أزرق البشرة من الأمازون كان سكان تلك المنطقة يعتبرونه إلهاً، إلا أنه خُطف، نُقل إلى أميركا الشمالية، وسُجن لتُجرى عليه البحوث.

كائن معزول

يفضّل العالِم الذكي الدكتور روبرت هوفستلر (مايكل ستولبارغ)، الذي اكتشف «الأصل» وأمسك به، تشريحه بكل بساطة. لكن إليزا تلاحظ روحاً لطيفة في هذا الكائن المعزول الذي يتعرض للتعذيب. لذلك تبدأ بتهريب الوجبات وإعطائها إياه وتسمعه أيضاً أسطوانات غلين ميلر. تتمتع إليزا بصداقة مخلصة ودافئة مع غيلز وزيلدا، غير أنها لا تشعر برابط حقيقي صادق من القلب إلى القلب إلا مع «الأصل» الصامت أو «الآخر».

يزداد الوضع تعقيداً عندما يأمر الكرملين أحد الباحثين في فريق {الأصل} في المختبر أن يغتال هذا الكائن قبل أن يتعلّم الأميركيون الكثير منه. وهكذا ينتقل الفيلم إلى قصة تشويق وتجسس مثيرة للاهتمام، كما لو أن رواية الكائن الغريب/قصة الحب/والمشاهد الموسيقية الراقصة ليست كافية لتشد اهتمام المشاهد.

جوهرة مميزة

بدءاً من هذه العقدة الغريبة، يبتكر ديل تورو وفينيسا تايلور، التي شاركته في الكتابة، جوهرة مميزة. لا تجمع إليزا بصديقها المائي الوسيم علاقة حب وشغف فحسب، بل يتواصلان بشكل أفضل من أي شخصيتين ناطقتين.

عندما تلتقي إليزا الصامتة ستريكلاند المتنمر، سرعان ما يظن أن اسمها ديليلا. وخلال زيارة إلى منزل زيلدا، نتعرف إلى زوجها الوسيم التافه. ولكن في عالم ديل تورو، لا تتمتع أية شخصية ببعد واحد. يحاول غيلز، الذي يعاني الحرمان من الحب، ويغطي رأسه بشعر مستعار، ويضطلع بدور الراوي، الفوز باحترام كثير من الرجال، بيد أنه يخفق في محاولاته كافة التي يبدو بعضها مضحكاً وبعضها الآخر موجعاً. وفي هذا الدور، يشع جنكنز المذهل حقاً كالذهب، شأنه في ذلك شأن فريق التمثيل، بمن فيه دوغ جونز الذي يؤدي دور {الأصل}، علماً بأنه سبق أن شارك في عدد من أعمال ديل تورو.

يتجلى في هذا العمل مدى احترام المخرج للسينما. فمَن غير ديل تورو كان سيختار أن تكون شقة إليزا فوق دار سينما ويخصص الوقت ليرينا هندستها الداخلية الفاخرة والمواضيع الدينية المتقنة التي تعرضها خلال حقبة كانت السينما تقترب فيها تدريجياً من أفلام الوحوش المبتذلة؟ أو مَن كان سيمنح غيلز وجهاً إنسانياً إضافياً من خلال الأفلام الرومانسية التي تُعرض على شاشة تلفازه؟

فيض مشاعر

لما كان ديل تورو لا يتبدل، فإن رؤيته تحتوي أيضاً على فيض من الشغف والعنف. لكن المشاهد البشعة أُعدت بإتقان لتدفع بالقصة قدماً لا لتولد الخوف والنفور لدى المشاهد (مع أنها تحقق ذلك أيضاً). كذلك تبدو اللحظات الحميمة ساحرة لا منحطة. وتتراكم الأحداث لتبلغ نهاية مائية مفرحة تذكّر المشاهد بالمقدمة السلسة. ولا شك في أن هذه خاتمة ملائمة لفيلم تشعر بعد مشاهدته بأنك تحلّق.

المشاهد البشعة أُعدت بإتقان لتدفع بالقصة قدماً لا لتولد الخوف