صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3874

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

حبر و ورق

  • 27-01-2018

وفار التنور

-1-

كنت جالساً مع أحد الأصدقاء في مكان عام حين سمعت أحد الجالسين بقربنا يقول بطريقة درامية إلى حد بعيد: «نحن نعيش مرة واحدة في هذه الحياة.. مرة واحدة فقط». أثارت هذه الجملة في ذاكرتي العديد من المشاعر والصور والكثير من الحنين. لقد كان يمكن لهذه الجملة أن تخرج ببساطة من شفتي شخص عرفته منذ سنوات عديدة.

كنا نختلف تقريباً حول كل شيء، حتى هذه الجملة البسيطة التي افترضت قبل قليل أنها ستكون طبيعية جداً في معرض حديثه كان يمكن لها أن تولد لديّ الكثير من التساؤلات والاعتراضات. أما الآن وبعد مرور كل هذه السنوات فلم أعد متيقناً، ليس فقط من أفكاري بل وحتى رغبتي. لم أعد أدري ما إذا كنت راغباً في المعرفة. أكان كل شيء متعلقاً برباب؟ أم أن ظهورها كان فقط الجملة الاعتراضية التي شرحت السياق.

بدأ كل شيء باتصال هاتفي من إبراهيم شقيق رفيقي يحيى الذي كنت ألتقي به من حين لآخر. سألني عن آخر مرة رأيته فيها وما إذا كان قد أخبرني بوجهته. لم أستطع أن أقدم المساعدة لأهله فلم يكن لدي أي معرفة بالوجهة التي اختارها يحيى لغيابه، ولم أستطع في نفس الوقت أن أزيح غيابه من عقلي.

شكل اختفاؤه هاجساً لي لأكثر من شهر. كان يحيى مراعياً في كل شيء وذكياً حتى في رحيله، فكما أخبرني أخوه أنه ترك رسالة لأمه يطمئنها فيها عن نفسه ورسالة لخطيبته يعتذر فيها ويطلب منها ألا تنتظره. لم يستطع أهله سوى الانصياع لرغبته لا سيما، وأن الشرطة لا يمكنها التدخل، وقد ترك المعني مثل هذه الرسائل. لم يكن غياباً مقلقاً رغم كل شيء.

لم ألبث أن عدت إلى روتين حياتي اليومية: الاستعداد للأنشطة الطلابية التي كنت مسؤولاً عنها في الجامعة، تصحيح اختبارات منتصف الفصل، محاولة إنهاء إجراءات البعثة الخارجية لدراسة الماجستير. كانت حياتي الأكاديمية أكثر من كاملة.

كان كل شيء قد عاد إلى مجراه الطبيعي، إلى أن عاد إبراهيم للاتصال بـي، أخبرني بأنه قد عثر على مسوّدات كثيرة تبدو كرواية تركها يحيى وبأنه متردد بين الإبقاء عليها وبين إتلافها. وقال لي: «اتصلت بك لأنك الشخص الذي كان يحيى يقضي معه وقتاً أطول مما يقضيه مع الآخرين، ولأنه كان يشعر بالسعادة ويضحك كثيراً عند تواجده معك». أخبرته بالحقيقة ببساطة: «لأنه كان يجد آرائي مسلية، والكتب التي أقرأها مزيفة وغريبة ومضحكة، وأنا هنا أقتبس الصفات التي أطلقها يحيى». قاطعني: «وبما أنك أشرت إلى الكتب فقد فكرت فيك لأنك الشخص الوحيد الذي يقرأ كثيراً في دائرة معارفي» وتابع حديثه: «وهكذا تجدني مضطراً لاستشارتك بشأنها. أرجو منك أن تأخذها وتقرر قيمتها، فأنا لا أعرف الكثير عن عالم النشر بينما أنت يا إياد على الجانب الآخر مثقف وأستاذ جامعي..». قاطعته: «معيد». تابع متجاهلاً تصحيحي: «ولك كتابات في حسابك في تويتر». قاطعته مرة أخرى: «كان يحيى يسميها «تفاهات»، قاطعني: «لم يعد يحيى هنا الآن ليحكم عليك بينما أنت هنا لتحكم على أوراقه. فهل تريد الاطلاع عليها؟»، أجبته بسرعة: «طبعاً».

كان بإمكاني أن أرفض استلامها وأن أختلق أي عذر لأتملص من هذه المهمة، لكن لم يعد بوسعي الدخول في حالة الإنكار السابقة. لا أرغب فقط في قراءتها بل أنني يائس للحصول عليها. ففي جزء من داخلي كنت أرجو أن تحمل هذه الأوراق لي الإجابة عن ذلك السؤال الذي ابتدأ بـ لماذا. لماذا قرر يحيى الرحيل؟ شعوري الجارف بالرغبة في الاطلاع عليها، الشعور الذي لم يكن له من تفسير، كان دافعاً قوياً خلف الكثير من مواقفي التي اتخذتها بشأن غياب يحيى وما تبعه من أحداث.

فتح لي إبراهيم الباب، كان موجوداً بشكل مؤقت ليكون بقرب والدته خلال هذه الظروف، وسرعان ما سيغادر لمتابعة دراسته في أمريكا، والتي قطعها بشكل عاجل فور أن أخبرته والدته بغياب يحيى. لم نتبادل الكثير من الكلمات. قادني إلى مجلس الضيوف، كان هناك بعض المتعلقات الموضوعة على الطاولة؛ مجموعة تذكارات جمعها يحيى عبر تاريخه الطويل من السفر لوالدته التي تحب هذا النوع من التحف الفنية. ما الذي يجعل رحيله هذه المرة مختلفاً؟ ما الذي يجعله مقلقاً؟ لماذا أنا وأخوه نتداول الحديث عنه عبر الصمت وكأنه ميت؟

ناولني إبراهيم ملفاً شفافاً فيه مجموعة أوراق وبضعة دفاتر. وفجأة اقتحمني شعور جارف بأن ما أفعله عار، وبأن الموقف بكامله غير صحيح. ليس من المفترض أن يبحث أحد ما في أشيائنا الخاصة حين نختفي. تخيلت يحيى يضحك بسعادة على غضبـي. شعرت بالمزيد من الغضب. قلت لنفسي إن ما أنا بصدد قراءته مجرد مسوّدة رواية، كُتبت من أجل القراء. ليس من شيء خاص في الأمر، ليس هناك أسرار.

أخذتها من يد إبراهيم التي طال انتظارها وهي ممدودة. قلت له بارتباك بأنني سأقرأها وأعيدها في أقرب وقت، فردّ علي باختصار بأنه يمكنني أن آخذ الوقت الذي أحتاجه. خرجت من هناك بأسرع ما يمكنني، يتملكني الشعور بالذنب والتوتر.

-2-

«المشهد الأول: ساحة بيضاء ممتدة وفارغة وباردة. تلوح من بعيد ظلال شخص لا يمكن تبين معالمه. يتحدث بصوت مسموع دون أن تتبين كلماته كما لو كان يخاطب أحدهم. ويتردد صدى صوته.

المشهد الثاني: ميدان مزدحم بالمارة. شخص في منتصف الميدان لا يمكن تبينه. لا علامة توضح أنه يتحدث سوى حركة شفتيه. ولا يتردد أي صدى.

المشهد الثالث: الكلمات مفقودة في كلا العالمين. الأسماء متماثلة. وملامح الوجوه متشابهة. والإطار الخارجي للصورة وللأحداث ديكور زائف. يتعذر العثور على نص يُقال. فيتم اللجوء للإيماءات. تتكرر وتختلط معانيها. فيتم الاستغناء عنها بالوقوف المجرد».

أقلب الصفحة الثانية من أوراق يحيى وأتابع القراءة:

«كأن يعتقد أحدهم مرة بأنك شخص جيد حينها تشعر بإهانة عميقة لا تغتفر. تشعر بأنك لم تبتعد كثيراً، ما زلت هنا ما زلت تشبههم. يقول لي والدي: «ما الذي ينقصك لتصبح مثل كل الآخرين حولك؟ لديك ما يكفي من الشهادات لتحصل على وظيفة محترمة لو أردت، وللأسف لديك أنا لأعينك بما تشاء من مال لتؤسس عملك الخاص». أشعر بتوهان عميق. تقول لي والدتي: «تنازلنا عن تزويجك بمن نرغب وتركنا الأمر لك. اخترت رباب ومنحناك رضانا ما الذي تريده أكثر؟ نتزوج عنك؟». ولكنها تكذب! هي فرحة جداً برباب وترغب بأن تباهي بها معارفها المهرجات. وأشعر بتوهان أكثر. يقول لي رفيقي من الشباب: هل تفكر بأن تذهب إلى قارئ أو إلى طبيب نفسي لعل عقدك تنحل واحدة واحدة. وأرغب كثيراً لو أسأله عن هذه العقد واحدة واحدة. أرغب في معرفة الجواب. وأقول لنفسي لا أحد يعرف شيئاً. كيف لهم أن يفهموا أسئلتهم الخاصة؟ كيف لي أن أفهم أجوبتي الخاصة؟

أرغب في الكتابة عن أشخاص قريبين مني كثيراً، أقرب من عائلتي وأقرب من أصدقائي ومن رباب. أريد أن أكتب عنهم كثيراً. أفهمهم، وأشعر بآلامهم. ولكنني لست بروائي. أشعر بعجز كبير في نقل صورتهم وفي التعبير عن الصورة التي أراها واضحة جداً ولكنهم لا يرونها. ولا أبالي بما يرون، لأنني لا أفهمه. اقتحمت الزمن وأردت تقسيمه إلى أزمان الحقيقة وأزمنة الخواء. وأعتقد بأنني أعيش في أحدها. أعني زمن الخواء. وأرغب لو أكتب عن أزمنة الحقيقة. ويظهر أمامي السؤال المنطقي جداً ماذا لو كانت الأزمنة التي أراها أزمنة الحقيقة أزمنة للخواء بنظر أولئك الذين وُجِدوا فيها؟ يبدو كل شيء الآن مضحكاً على نحو غريب. وأقول لنفسي ربما كل الزمان خواء»...

رفعت رأسي عن الأوراق كانت الساعة تشير إلى التاسعة إلا عشر دقائق وكان أمامي فقط عشر دقائق للذهاب إلى القاعة. أخبرت نفسي بخوف أنها لم تكن رواية، لقد كانت أقرب للمذكرات الشخصية.

كيف لإبراهيم ألا يتجاوز في قراءته الصفحة الأولى؟ كيف له أن يكون عاجزاً عن تتبع أفكار أخيه إلى هذه الدرجة؟ نفقد مجرى أفكار من حولنا فنفقد خطواتهم في النهاية.

شعرت مرة أخرى بالغضب من نفسي. من انغماسي الغريب في الحياة الخاصة لصديق عزيز. أم أنها لم تعد حياة خاصة؟ هل الأمر بالنسبة إليّ مجرد تعلق بحكاية تصلح قصة أدبية؟ وضعت الأوراق بعنف في أدراج مكتبـي. أقفلت عليها ومضيت مسرعاً حيث ينتظرني الطلاب وقد قررت أخيراً أن أنهي الموضوع.

اتصلت بإبراهيم فور أن سنحت لي الفرصة، سألته أولاً عما إذا وردته أية أخبار عن يحيى. أجابني بالنفي كما توقعت. ترددت أخيراً قبل أن اسأله إذا كان قد اطلع على الأوراق قبل أن يعطيني إياها. أجابني بأنه ألقى نظرة سريعة. صارحته بالحقيقة وقلت له بأنني أعتقد بأنها مذكرات شخصية وأنه قد ذكر فيها أصدقاءه وعائلته ورباب.

ضحك قبل أن يجيبني: يظهر أن الأمور اختلطت عليك يا إياد. فأنت، على العكس تماماً مما توقعتك، عاطفي جداً. أولاً يحيى لم يكن من النوع الذي يكتب مذكرات. ثانياً يحيى طلق رباب قبل شهرين من رحيله. وقبل شهر واحد من حفلة الزفاف المخطط لها. لقد انتهت بالنسبة إليه.

كنت مصعوقاً ولم أعرف كيف أجيبه. كنت أعرف يحيى جيداً ولكن ليس إلى القرب الذي يحكي لي فيه عن حياته الخاصة. وكنت أعرف القليل عن رباب التي اختارها زوجة له. تعمل مترجمة متعاونة لصالح إحدى السفارات الأجنبية وناشطة اجتماعية في مواقع التواصل الاجتماعي.

لم أكن أعرف كيف أنهي الحديث مع إبراهيم. كل ما كنت أعرفه أن شعوراً غامراً يصعب علي مقاومته يدفعني لمتابعة قراءة الأوراق المغلق عليها داخل أدراجي. أردت أن أوضح له سوء فهمه، ولكني صمتُّ.

كان ترتيب الصفحات في أوراق يحيى أسوأ من أن يطلق على مجموعها كلمة مسوّدة. كانت الفقرات تنتقل من وصف شخص ما أو من الحديث على لسان شخص ما إلى خاطرة شخصية بسرعة كبيرة، السرعة التي كانت تذكرني بيحيى حين يكون راغباً في الحديث بلا نهاية. هو الذي كان له أن يصمت أيضاً بلا نهاية، كشخص لا يملك ما يقوله، وإن امتلكه فلا يرغب في أن يقوله.

للموتِ عيونٌ ملوّنة

للّيلة الخمسين على التّوالي، تحبك أم بدر الرّداء الأزرق السّماوي خلف ظهرها، تُسقط يديها في كفّي لاتيكس، تثبّت رباط الكمامة حول أذنيها، تربط شعرها المصبوغ في كعكة، تعتمر غطاء الرّأس نصف الشفّاف، وتدخل الغرفة رقم 3 في قسم العناية المركّزة، حيث ترقد ابنتها لا حيّة، ولا ميتة.

لقد اعتادت جو هذا المكان؛ تماهت وطلاؤه الباهت، إنارته النّعسى، وعبق تعقيمه البغيض. بخطًى متثاقلة، تدنو من السّرير. حول رسغ ابنتها تلتقط عيناها سوار التّعريف بالمريض: لميا خليل خولي - بشحمها ولحمها اللذين لم يبقَ منهما شيء يُذكر. رغم جهلها فكّ الحرف، تستغرق في النّظر إلى حروف الأسم، فيُغرقها الدّمع.

تلتصق بطرف السّرير. ينشُج قلبها. ترنو إلى وجه لميا؛ رغم فارق العمر ترى فيه وجهها- ستينيًا، يذوي قهرًا. للحظة، تخال أنّ المضخّة على نصفه الأدنى توقّفت عن إيصال الأوكسيجين. تلتفت هلعةً إلى شاشة القلب الإلكترونيّة تريد أن تطمئنّ. النبض مستمرّ، ثابت. تهدأ.

للّيلة الخمسين على التّوالي، بحكم العادة والندم، تكرّر على مسمع لميا ذات الأسطوانة:

-ماذا حل بك؟ أما آن أن تعودي؟

تشدّ على يدها:

- بيدي طرحتك على فراش الموت. بيدي الملعونة زففتك لقمةً سائغة لمختلّ سحق صباك. وكلّ ذا من أجل ماذا؟ المال، والجاه، والمركز. تبّت يدي! تجهش. تحسّ بثقل هائل يضغط على عظام ساقيها نزولاً. تجثو:

- إن كنت تسمعينني يا عمري، فاضغطي على يدي.

لا صوت لمن تنادي. لا حسّ. لا حركة. رنين الشّاشة، وصوتها المبحوح، طاغيان على جوّ الكآبة:

- برضاي عليك يا لميا سامحيني.

رغم محاولاتها اليوميّة استثارة شفقة ابنتها، صارت أم بدر تعي أنّ الندم مركب فاتها، إذ لا أحد يدري ماهيّة العالم الذي تجول فيه روح لميا الآن، لا أحد يعلم إن كانت سترجع إلى دنيا عافتها، فطلّقتها. حتّى الأطبّاء لا يعلمون شيئًا. يزوّدونها بأمل كاذب كلّ يوم. يستقبلون أسئلتها بابتسامة مزيفة. يستفيضون أمامها بشروحات طبّية عن حالتها، لا تزيد أمًا مكسورة مثلها إلاّ تعاسة. ويعدونها. يعدونها بأنّها ستتحسّن. بأنها ستستيفظ. بأنّها ستربح المعركة. «الأمر يتطلّب وقتًا فقط»، يقولون، «يتطلّب انتظارًا وصلاةً وصبرًا، ستستيقظ، لا داعي للهلع». تستذكر قولهم الممجوج هذا، فتهتف بلا وعي، خائرة القوى:

- متى؟

تقف من جديدٍ بشديد الصّعوبة. تسوّي من فوق غطاء النّايلون رباط شعرها، ناظرةً إلى وجه لميا. يخيّل إليها أنّها تبتسم، فتناجيها:

- أسعيدة حيث أنت الآن؟ أين أنت يا ترى؟ عودي. لا تتركي أمّك وحدها. تكفيها كلّ تلك الخسارات والانكسارات. عودي، فلن تستطيع تحمّل غيابك.

تقأقئ بدمعها:

- أمك تحبّك. تؤثرك على باقي أبنائها. كيف لا وأنت نهاية العنقود التي لم تشِ بقدومها؟ جئت كنسمة آذاريّة أحيت ما كاد يميته شباط. هنيًا كان خروجك من هذا الرّحم بعد ثلاث ولادات عسيرة. ما زلت أذكر كيف طلبتُ إلى القابلة القانونيّة أن تسرع بك، ففاجأتني بقولها إنّ الأمر انتهى. لن أنسى أنظار الجارات المجتمعات آنذاك. خفت عليك من الحسد. سحرتهنّ سمرتُك. رأيت ذلك في أحداقهنّ. ورحن يمجدن الخالق وهن يحدّقن بفيروز عينيك، وشفتك اللمياء. عودي يا لميا، فمن بعدك لن يعود لحياة أمّك طعم، ولا لون، ولا سبب..

بعد أن تفرك عينيها، تواصل:

- جميعهم يا شمسي أوغلوا في الغياب. أفيهون عليك أن تتركيني وحدي؟ لم يبق لي أحدٌ سواك. أبوك خليل، رحم الله ترابه الطّاهر، تركني منذ ثلاثة عشر عامًا. كم أضناني رحيله يا ابنتي. وأخوك بدر، ربّنا يهديه ويصلح باله ابتعد عني، أتعرفين لم غادرني إلى صيدا قبل سنتين؟ لا لأنه وجد هناك عملاً آخر يدر عليه مالاً أكثر كما كذبت عليك، لا يا لميا، بل لأنّه صار خاتمًا في إصبع خديجة، زوجته الـ.. أستغفر الله العليّ العظيم... التي عرفت من أين تؤكل كتفه. أمّا ندى، أختك، فصارت... صارت إنسانةً أخرى، أكاد أجزم بأني لم أعد أعرفها. تخيّلي! ثلاث عشرة سنة من القطيعة بيننا، ويرنّ هاتفكِ في يدي قبل خمسين يومًا. يأتيني صوتها وأنا في مدخل الطّوارئ يسألني عنك. كما تعلمين يا ابنتي، أنا، بعكس شقيقك بدر، كنت لنت تجاهها، وربّ السماء ما عاد قلبي يكنّ لها الكراهية إزاء خطيئتها السالفة. عن كل طيب خاطر وجدتني أخبرها بالمصيبة التي حلّت بك، ثمّ أستقبلها خارجًا في الكوريدور، باسطةً لها ذراعيّ على وسعهما. تصوّري! ظننت أنها سترتمي بينهما بلا مبالاة، ظننت أنّها ستنهشهما قبلات. ظننث أن غيبوبتك هذه ستعيد لمّ شملنا كعائلة. لكن ما حلّ بك يا لميا شتّتنا أكثر وأكثر وأكثر. يجب ألاّ أطيل عليك ذكر ندى، فالأمر قد يزعجك. أجل، إنّه يزعجك، تبًا لحماقتي، انظري لنبضاتك كيف اضطربت! اهدئي. أعدك لن أذكرها مجدّدًا. لكن قبل ذلك، أعتقد أن ندى لا تلومك على ما لحق بابنتها حياة. أساسًا لا يحقّ لها. فأنت بدورك دفعت الضّريبة. دفعتها مرّتين. عنكِ، وعن سوسن. لا بأس يا لميا. ابنتك الآن عصفور في الجنّة. ملاك طاهر بجناحين، وعينين ملوّنتين. ومن المؤكّد أنّها تريدك أن تستيقظي وأن تقفي على رجليك مجدّدًا. هيّا أثبتي لها أنّك ما زلتِ قويّة، وأنّك ستحيين لأجلها. لأجلها يا لميا قومي. هيّا.

فجأةً، يلوح في ذاكرتها صوت أختها حسنا يخبرها أن لا فائدة من محادثة لميا، وأنّ إسماعها كلام الله عوضًا لا بدّ سيريحها. فتكفّ عن الكلام، وتشغّل الرّاديو الذي جلبته أختها صباح اليوم، لينساب من الكاسيت صوتٌ مهيب يرتّل القرآن:

- (إنًّ الله يُدخِلُ الذين آمنوا وعملُوا الصّالحات جناتٍ تَجري من تحتِها الأنهَارُ يُحَلّون فيها من أساور من ذهبٍ ولؤلؤًا ولباسهُم فيها حريرٌ وهُدُوا إلى الطّيّب من القول وهُدُوا إلى صراط الحميد).

2

لفرط مصائبها، خسرت مهارة البكاء. وجدت البديل لها مع الأيام: الضّحك. فجلد المرء كما الإسفنج، له سعة لتشرّب المصائب. حين تتخطّى خلاياه هذه السعّة لا يبقى لأيّ مصيبة إضافية من مستقرّ. تغدو مدعاة سخرية فقط.

في سيّارتها الرماديّة (تويوتا كارينا) المقسّطة الثّمن، تقود ندى من السوبرماركت نحو المستشفى . تتساءل وهي تغضّن بيمناها فاتورة مشترياتها، عمّا يمكن أن يُضاف بعد إلى فاتورة حياتها، تلك التي تضمّ دون حصر مصائب...).

تتنهّد. تجلب الراديو إلى الحياة. بالموسيقى تفضّ غيوم فكرها. أغنية فيها من المكوّنات ما يخوّلها أن تكون كل شيء عدا أغنية. تغيّر الموجة. تنساب واحدة أخرى، نسخة توائم الأولى، بكلام لا يعدو كونه معجماً لغويّاً لكلمة «حب»، وجملة لحنية مستهلكة، تعاد فور انتهائها. يُستحسن إذن (تراودها الفكرة على أحد المنعطفات) أن تعود إلى غناء ما يطلبه المستمعون، وما من حاجة لهدر المال والأنفاس على عمل مشغول بأناة لا يهزّ الصدور أو الخصور.